طرح الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة مع أربع مستوطنات من الضفة الغربية، والذي جاء بعد حوالي خمسة أعوام من المواجهات الحامية والدامية بين الفلسطينيين والإسرائيليين، العديد من التساؤلات حول تأثير هذه المواجهات ومآلاتها، على هذين الطرفين. ولعل التساؤل الأبرز الذي تم تداوله، بهذا الخصوص، إنما يتعلق بتحديد الطرف المنتصر أو المنهزم في هذه الجولة من الصراع بين الطرفين المذكورين.
داخل سيل لا ينقطع من المقالات والتحليلات خصّص "مركز يافه للدراسات الإستراتيجية" في جامعة تل أبيب "النشرة الإستراتيجية" الأخيرة الصادرة عنه (عدد آب 2005) لموضوع ما بعد خطة فك الارتباط، التي يشارف تنفيذها على الانتهاء في ختام الأسبوع الجاري.
يكتب المؤرخ والصحافي توم سيغف، الذي نشر مؤخراً كتاباً عن حرب عام 1967، أن ما نشهده الآن من مظاهر إخلاء المستوطنين في قطاع غزة، خاصة المؤلمة منها، أمر محير. "فليس دوماً بالوسع معرفة إن كان المستوطنون يبكون مصير الشعب اليهودي أم فقط خسارتهم للجاكوزي... فمعظم البث التلفزيوني وقع أسيراً للاستغلال العاطفي الذي قام به المستوطنون، وتبنى فرضية أن إخلاء قطاع غزة كارثة قومية و"مؤلمة لنا جميعاً". ولم يقم أحد بوصف هذا الإخلاء على أنه خطوة نحو الأمل. وبالمناسبة فإن الإعلام الإسرائيلي ضيع الدراما الحقيقية وهي أن المجتمع الإسرائيلي يحاول الآن تخليص نفسه من خطأ تاريخي اقترفه قبل حوالي أربعين عاماً، وهو يبحث الآن عن طريق العودة إلى تقليد صهيوني آخر".
ما من شك في أن إخلاء وتفكيك المستوطنات اليهودية في قطاع غزة سيسجل في تاريخ الصهيونية الدينية وبالأخص جناحها المركزي الاستيطاني، كانتكاسة شديدة ثانية (خلال عقد واحد) لهذا التيار وما يمثله من فكر أيديولوجي مسيحاني (خلاصي) موغل في التطرف، وذلك بعد انتكاسته الأولى الناجمة عن اتفاقيات أوسلو وملحقاتها ونتائجها، والتي شكلت بكيفية ما إقراراً وتسليماً من جانب إسرائيل الرسمية والتيار المركزي في الحركة الصهيونية برمتها بـ"تقسيم البلاد" ["أرض إسرائيل"/ فلسطين/ التاريخية] إلى كيانين سياسيين سياديين.
الصفحة 22 من 81