في 9 تموز 2026، صرح وزير شؤون الشتات الإسرائيلي عميحاي شيكلي، بأن سيناريو قيام تركيا بعمل عسكري ضد إسرائيل "ممكن بالتأكيد". جاء هذا التصريح المفاجئ في سياق لم تنته فيه بعد الحرب الإسرائيلية- الأميركية على إيران التي لا تزال تشكّل "التهديد الأخطر" بالنسبة لإسرائيل. ويبدو أن النقاش الأمني- السياسي الإسرائيلي بدأ فعليًا بتقديم تركيا كعدو جديد محتمل لإسرائيل، بعد إضعاف قدرات إيران عسكريًا وإقليميًا، وهو ما ينعكس في تعبيرات متكررة تصف تركيا بـ "إيران الجديدة" و"التهديد الاستراتيجي التالي"، والترويج لاحتمال الصدام العسكري مع أنقرة في سياق الحديث عن موازين القوى في المنطقة مستقبلاً.
أعلن السفير الأميركي لدى إسرائيل مايك هاكابي (Mike Huckabee) أنه بعد انتهاء مذكرة التفاهم الحالية (2019-2028)، التي تحصل إسرائيل بموجبها على نحو 3.8 مليارات دولار سنويًا من المساعدات العسكرية الأميركية، فإن المذكرة المقبلة لن تتضمن مساعدات عسكرية مالية مباشرة. هذا ما أكده أيضًا رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في أكثر من مناسبة، بالقول إن إسرائيل تسعى، على المدى البعيد، إلى تقليص اعتمادها على المساعدات الأميركية المباشرة والانتقال إلى صيغة شراكة مختلفة مع واشنطن.
منذ سبعينيات القرن الماضي، وبصورة مؤسسية منذ توقيع أول مذكرة تفاهم أمنية بين الولايات المتحدة وإسرائيل عام 1999، شكّلت المساعدات الأميركية أحد الأعمدة المركزية في بناء الشراكة الاستراتيجية بين البلدين. وعلى امتداد عقود، تداخلت الصناعات العسكرية في الجانبين، وتقاربت تصورات الأمن القومي، وتشابكت الأهداف السياسية والإقليمية، بما جعل المساعدات العسكرية أكثر من مجرد أداة دعم مالي، بل آلية لتنظيم العلاقة الاستراتيجية بين واشنطن وتل أبيب.
في هذا السياق، يفرض التحول الجاري في هذه العلاقة أسئلة جوهرية تستدعي التوقف عندها.
منذ تولي حكومة أقصى اليمين أعمالها في 29/12/2022، أصبح واضحاً أن المنطقة المصنفة "ج" في الضفة الغربية ستتحول إلى ساحة نشاط محورية بهدف ضمها وفرض السيادة عليها. فقد نصت المبادئ التوجيهية لعمل الحكومة على أن "لشعب إسرائيل حق طبيعي في أرض إسرائيل" وأن الحكومة ستعمل "على تطوير سياسات لفرض السيادة على يهودا والسامرة" عندما تحين الفرصة.[1]بعد شهرين من تنصيب الحكومة تم إنشاء "مديرية الاستيطان" التي عمدت على تقييد التوسع الطبيعي للفلسطينيين في المنطقة "ج" وتهيئتها للضم. تركز هذه الورقة على أجندة "مديرية الاستيطان لمنع التوسع الطبيعي للفلسطينيين (نحو 354 ألفًا)، وتكثيف هدم المنازل، ومنع أي دور للسلطة الفلسطينية في المنطقة "ج" في مجال تسوية الأراضي، أو تقديم مشاريع زراعية.
منذ عام 2022، تشهد المنطقة المصنفة "ج" في الضفة الغربية تحوّلًا بنيويًا غير مسبوق في أنماط السيطرة الإسرائيلية على الأرض، يتجاوز السياسات التدريجية التي اتبعتها إسرائيل قبل ذلك في ما عُرف باسم "الضم الزاحف". وترسم هذه التحولات معالم مرحلة جديدة تشمل إعادة هندسة شاملة لمنظومة السيطرة، وتسريع التوسع الاستيطاني، والتلاعب بالملكيات العقارية وتسوية الأراضي، إلى جانب سياسات التخطيط التي بات يشرف عليها التيار الاستيطاني القومي المتطرف.
خلال فترة الحكومة (2022–2026) تراكمت -وبوتيرة متسارعة على نحو خاص خلال الحرب- سلسلة من التشريعات والأوامر العسكرية والقرارات الحكومية، ونُقلت صلاحيات مؤسسية من الإدارة العسكرية إلى أطر مدنية، وأُقيمت مستوطنات جديدة، وتوسّعت صلاحيات الإنفاذ داخل مناطق السلطة الفلسطينية، وفُتح سوق شراء الأراضي أمام المستوطنين. ويأتي قرار استئناف تسوية الأراضي في المنطقة المصنفة "ج"، لأول مرة منذ عام 1968، بوصفه ذروة هذا التحول؛ إذ ينقل الصراع من إدارة مؤقتة للأرض إلى محاولة فرض ترتيبات طويلة الأمد تتعلق بالملكية العقارية. وأمام هذا التدفق غير المسبوق من المعطيات القانونية والمؤسسية، تبرز الحاجة إلى جمع هذه التطورات ضمن قراءة واحدة لفهم ما الذي يحدث فعليًا في المنطقة المصنفة "ج"، وهذا ما تقوم به ورقة تقدير الموقف هذه.
الصفحة 1 من 23