ما زالت قضية امتناع إسرائيل عن تزويد الفلسطينيين من سكان الأراضي المحتلة منذ العام 1967 باللقاح ضد فيروس كورونا تتفاعل، وبين هذه التفاعلات الخلوص من ذلك التصرّف الذي يتم انتهاجه عن سبق عمد وإصرار، إلى استنتاج فحواه أن دولة الاحتلال عنصرية بامتياز.
وتفجرّت هذه القضية مع بدء جهاز الصحّة في إسرائيل بتطعيم الجمهور العريض ضدّ فيروس كورونا، وبموازاة ذلك مطالبة عدة منظمات لحقوق الإنسان السّلطات الإسرائيليّة بأن تؤمّن وصول تطعيمات ذات نوعيّة جيّدة إلى الفلسطينيّين سكّان الضفة الغربيّة وقطاع غزّة المحتلّين عملاً بما يُلزمها من قوانين بوصفها سُلطة احتلال.
مثلما هي الحال على أعتاب كل انتخابات إسرائيلية عامة في العقود الثلاثة الأخيرة على الأقل، كذلك في الانتخابات القريبة تطرح وأحياناً بكل حدّة قضية هوية أحزاب الوسط الإسرائيلية. ومن آخر مظاهر الجدل المحتدم في هذا الشأن ما دار بين المؤرخ المتخصص في تاريخ الصهيونية وإسرائيل يغئال عيلام، وزعيم حزب "يوجد مستقبل" عضو الكنيست يائير لبيد باعتباره حامل لواء وجوب إمساك هذا الوسط دفة القيادة في إسرائيل، بديلاً للحُكم الحاليّ.
وقد رفض لبيد، في سياق مقال نشره في صحيفة "هآرتس" يوم 4 كانون الأول الفائت، ادعاء عيلام بأن حزب الوسط كما يمثل عليه حزبه- "يوجد مستقبل"- أقرب إلى أن يكون "حزباً يسارياً خجولاً ومرعوباً"، وأكد تحديداً أن حزبه كوسط جاء كي يفترق عن قوموية اليمين التي وصفها بأنها متطرفة، وعن ليبرالية اليسار التي زعم بأنها تحوّله إلى ديانة كونية لحقوق الإنسان. ووصل إلى بيت القصيد حين اتهم اليسار بمغادرة الحلبة الصهيونية لمصلحة سياسات تناقض مجرد فكرة الدولة اليهودية الإثنية.
أعربت عدة متابعات وتحليلات إسرائيلية، وإن من طرف خفيّ، عن اعتقادها بأن حادثة ملاحقة الشرطة لمجموعة مستوطنين من عصابة "شبيبة التلال"، والتي تسببت بموت أحدهم، قبل فترة وجيزة، من شأنها أن تعيد إنتاج هذه العصابة بوصفها فئة لا تحظى جرائمها برقابة عين الأجهزة الأمنية الساهرة، سواء في صفوف المسؤولين عن تلك الأجهزة، أم في أوساط الرأي العام الإسرائيلي عموماً. ورأى البعض أن عدة قوى داخل جمهور المستوطنين سارعت إلى إطلاق حملة غايتها "تخفيف وطأة ملاحقة الأجهزة الأمنية" لأفراد هذه العصابة.
من ناحية وقائعية يجدر أن نعيد إلى الأذهان أن تلك الملاحقة برزت على السطح قبل عدة أعوام، في إثر جريمة إحراق عائلة دوابشة. ووفقاً لتقارير إسرائيلية متطابقة، في العامين 2016 و2017 حدث انخفاض متواصل في عدد تلك الجرائم، نُسب بالأساس إلى تداعيات العملية الإجرامية في قرية دوما، حيث اتهم مستوطن إسرائيلي بقتل ثلاثة من أبناء عائلة دوابشة، التي تم إحراق بيتها بواسطة زجاجات حارقة، وبعد العملية اعتقل جهاز "الشاباك" الكثير من ناشطي ما تسمى "مجموعة التمرد" كانوا متورطين حسب التهمة في أعمال عنف وتحريض على العنف ضد الفلسطينيين. وكما يبدو أدت الخطوات التي اتخذت في تلك الفترة،
فضلاً عن قضية كون الانتخابات الإسرائيلية العامة القريبة بمثابة منافسة بين أحزاب اليمين على خلفية التمرّد على استمرار زعامة بنيامين نتنياهو لمعسكر اليمين جراء اتهامه بشبهات فساد، وإخضاعه سياسة إسرائيل الداخلية والخارجية إلى مصالحه الخاصة وأجندته الشخصية المتمثلة في الهروب من محاكمته أو إلغاء هذه المحاكمة إن أمكن، فإن حقيقة ذهاب إسرائيل إلى انتخابات رابعة خلال أقل من عامين تطرح قضية أخرى هي جوهر السيناريو الذي قد تكون حظوظ نجاحه مضمونة في مآلات الحلبة السياسية الحزبية، بغية التخلص من عهد نتنياهو أخيراً.
بطبيعة الحال من السابق لأوانه الكلام عن عناصر مثل هذا السيناريو، الذي من المتوقع أن يظل في نطاق التكهنات إلى أن تظهر النتائج النهائية للانتخابات. وفي هذا الشأن تحديداً يُعاد التذكير بأن سيناريواً كهذا كان ماثلاً بقوّة، وانطوى على احتمالات تأليف حكومة تستند إلى أغلبية مناهضة لاستمرار حُكم نتنياهو، لو تمّ اعتماد الاستعانة بأصوات نواب القائمة المشتركة الخمسة عشر.
في الوقت الذي يبدو فيه أن إسرائيل ذاهبة نحو انتخابات عامة رابعة خلال أقل من عامين، بات من شبه المؤكد أن رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو وحزب الليكود الذي يقف على رأسه سيتنافسان فيها مع اليمين. هذا ما أكدناه في الماضي أيضاً، وما يُشدّد عليه الآن مزيد من المحللين الإسرائيليين، إلى جانب تقارير دورية تصدر عن هيئات ومؤسسات إسرائيلية ولا سيما تلك التي تُعنى بمسار عملية التسوية السياسية أو بمستقبل الديمقراطية.
وتوقفنا في العدد الحالي من "المشهد الإسرائيلي" عند اثنين منها:
الأول، "مؤشر الصوت الإسرائيلي"، وهو استطلاع للرأي العام يجريه "مركز غوتمان لدراسات الرأي العام والسياسات"، التابع لـ "المعهد الإسرائيلي للديمقراطية" بصورة شهرية.
لعلّ أفضل توصيف يمكن أن يصادفه المتابع لكمّ التحليلات الإسرائيلية حيال الغاية الواقفة وراء خطوة الانشقاق عن حزب الليكود الحاكم، التي أقدم عليها عضو الكنيست جدعون ساعر، الأسبوع الفائت، هو التوصيف التالي: "تحرير إسرائيل من إمساك رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو بخُنّاقها". ولكن في الوقت عينه سرعان ما أثبتت خطوة ساعر هذه، على الأقل وفقاً لنتائج أحدث استطلاعات الرأي العام، أنه حتى في حال النجاح في تحقيق هذه الغاية فإن هدف التحرّر من إمساك اليمين بُخنّاق إسرائيل ما زال بعيد المنال، بل إنه غير مطروح أصلاً.
الصفحة 30 من 48