عاد "قانون القومية الإسرائيلي" (سُنّ في تموز 2018) وثماره المُرّة إلى صدارة الأحداث في إسرائيل، الأسبوع الفائت، على خلفية حدثين:
الأول، رفض محكمة الصلح في الكرايوت (منطقة حيفا) دعوى قضائية اتهمت بلدية كرميئيل (التي أقيمت على أراضي السكان الفلسطينيين من منطقة الشاغور في الجليل) بانتهاك التزامها بشأن توفير مواصلات للطلاب العرب في المدينة إلى المدارس في القرى العربية المجاورة، بحجة أن انتهاك هذا الالتزام جاء لحماية الطابع اليهودي للمدينة، كما أكد قاضي المحكمة، الذي كتب في قرار حكمه أن تقديم الخدمات إلى السكان العرب سيغير تركيبة كرميئيل التي قال إنها "مدينة يهودية تهدف إلى تعزيز الاستيطان اليهودي في الجليل". وأضاف أن بناء مدرسة عربية أو توفير وسائل نقل للطلاب العرب أينما كان ولمن يريد ذلك، يمكن أن يغيّر الميزان الديموغرافي وهوية المدينة.
بالرغم من أن الرئيس الأميركي المنتخب جو بايدن أكد أن ولايته في "البيت الأبيض" لن تكون بمثابة "ولاية ثالثة" لباراك أوباما، الرئيس الأميركي السابق (2008-2016) الذي أشغل بايدن منصب نائب له، نظراً إلى ما طرأ على الولايات المتحدة وعلى العالم من تغيرات منذ ذلك الوقت، فإن تحليلات كثيرة استندت إلى قيام هذا الأخير بتعيين عدد كبير من الأشخاص الذين كانوا في عداد طاقم أوباما في أبرز المناصب المفتاحية في الإدارة الأميركية المقبلة، كي تخلص إلى نتيجة فحواها أن احتمالات استمرارية السياسة التي انتهجتها إدارة أوباما على المستويات كافة ستظل أكبر من احتمالات تغييرها.
وعلى فرض حدوث ذلك، أتصوّر أن التعرّف إلى أبرز المعالم التي اتسمت بها رؤية أوباما حيال العلاقات بين الولايات المتحدة وإسرائيل سيكون مُجدياً أكثر في كل ما يتعلق بسؤال الرهان على إدارة بايدن.
وبرأيي، أن في وقائع الزيارة الأولى التي قام بها أوباما إلى إسرائيل في آذار 2013 إبان ولايته الثانية، ما يشكل مكاناً رحباً شاسعاً يشكل أرضية لتلك المعالم، وأرضاً لتقييم الموقف الأميركي التقليدي إزاء إسرائيل.
أعاد تأسيس حزب الجنرالات "أزرق أبيض" إلى الأضواء مجدّداً موضوع كون الجيش الإسرائيلي بمنزلة المعهد الأهم لتخريج القيادات السياسية والحزبية، والذي نتناوله في إحدى مواد هذا العدد من "المشهد الإسرائيلي" عبر عرض الوقائع وإضاءة الدلالات التي أحالت إليها، سواء في الماضي أو في الوقت الراهن، وهي دلالات عديدة ليس أبسطها ظاهرة عسكرة الأحزاب أو لهاثها وراء العسكر، بوصفها ظاهرة عابرة لكل الأحزاب بغض النظر عن هويتها الأيديولوجية.
وعادة عندما يتم درس حالة المؤسسة السياسية الإسرائيلية وبشكل خاص مسألة من الذي يسيطر ويحكم في إسرائيل قولاً وعملاً، وهو ما لا يتم في فترات متقاربة، يشير معظم الدارسين إلى عدد من "الشبكات" غير الرسمية، وغير المنتخبة، وتعمل غالباً
من سيل التحليلات الإسرائيلية الذي لا ينقطع بشأن ملامح الصورة العامة الآخذة بالتشكّل التي ستكون عليها العلاقات بين إسرائيل والولايات المتحدة في ظل إدارة الرئيس الأميركي المقبل جو بايدن، لا بُد من تسجيل الاستنتاجات التالية:
أولاً، ستوظف إدارة بايدن اهتماماً وموارد أكثر لـ"معالجة الروح الأميركية" وفقاً للمعايير التي حدّدها برنامج الحزب الديمقراطي، وذلك على خلفية ما حدث إبان الأعوام الأربعة لولاية الرئيس دونالد ترامب، والتي وصل فيها الانقسام والتوتر العنصري إلى الذروة، وأيضاً تحت وطأة استمرار تفشّي وباء كورونا الذي تسبّب بقتل نحو 220 ألف أميركي، وأسفر عن أضرار اقتصادية وصحية هائلة. وستهتم بالشؤون الخارجية فقط عندما تكون مضطرة، ويكون هذا الاهتمام حيوياً بالنسبة لأمن الولايات المتحدة القومي ورفاهيتها.
ثانياً، سيكون لاستراتيجيا السياسة الخارجية التي تقوم إدارة بايدن ببلورتها تأثير على مقاربتها حيال إسرائيل ومنطقة الشرق الأوسط. وقد توقفنا في آخر ورقة "تقدير موقف" صادرة عن "مركز مدار" عند حقيقة أن بايدن شغل منصب نائب الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما، وكان من الشخصيات التي صاغت السياسة الأميركية الخارجية لإدارة أوباما، مشيرين إلى أبرز
أشرنا قبل ثلاثة أسابيع، على أعتاب انتخابات الرئاسة في الولايات المتحدة، إلى تواتر تأكيد جلّ الناطقين المفوهين بلسان رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو ومعسكره اليميني على أن تداعيات هزيمة الرئيس الأميركي دونالد ترامب أمام منافسه جو بايدن، نائب الرئيس الأميركي السابق، قد تكون ذات طابع دراماتيكي على إسرائيل، نظراً لكون مواقف ترامب وبايدن حيال مختلف موضوعات السياستين الخارجية والأمنية تظهر بجلاء أن ثمة "فجوة كبيرة" بينهما.
إذا كان استبصار كون الحديث عن رئيس الحكومة الإسرائيلية السابق إسحاق رابين بأنه سعى إلى السلام مع الفلسطينيين هو مجرّد هراء، قد تطلّب من محرّر صحيفة "هآرتس" (ألوف بن) مرور ربع قرن على عملية اغتيال الأول، كما ينبئ بذلك مقاله في هذه المناسبة الذي ظهر في الصحيفة يوم 30/10/2020، فقد سبقه إلى هذه النتيجة كثيرون قبله، وتوقفنا عند ما بدر عن معظمهم من تبصرّات مرات من الصعب حصرها.
الصفحة 31 من 48