ما زال موضوع عودة حزب العمل الإسرائيلي، منذ انتخاب عضو الكنيست ميراف ميخائيلي رئيسة له، إلى لائحة الأحزاب التي ستنجح وفقاً لاستطلاعات الرأي العام، في تجاوز نسبة الحسم، يحتل حيّزاً بارزاً في تغطية وسائل الإعلام الإسرائيلية للانتخابات العامة التي ستجري يوم 23 آذار الحالي.
وتنشغل هذه التغطية أكثر من أي شيء آخر في جانبين يبدو أنهما ترتبا على ما يوصف بأنه استفاقة حزب العمل من موت كان شبه محقق: الأول، نجاح الحزب في أن يستقطب مصوتين من معسكر ما يسمى الوسط- اليسار، والثاني، ما قد يؤدي إليه هذا الاستقطاب من إضعاف لحظوظ حزبين آخرين من المعسكر نفسه في اجتياز نسبة الحسم، وهما "أزرق أبيض" وميرتس.
تمثل المنطلق الرئيس للمعارضة التي أبدتها جهات إسرائيلية حيال قرار لجنة إدارة "كيرن كييمت ليسرائيل" (الصندوق الدائم لإسرائيل) الذي يقضي رسمياً، لأول مرة، بشراء أراضٍ خاصة من فلسطينيين في الضفة الغربية بهدف توسيع المستوطنات، في فرضية وحيدة مؤداها أن تبعاته قد تكون ذات ضرر بالغ على المستوى الدولي، وفي مقابل الإدارة الأميركية الجديدة، وفي كل ما يتعلق بالعلاقات مع يهود الشتات. وهذا المنطلق يشمل كذلك حركة "السلام الآن"، التي تعارض توسيع المستوطنات القائمة. وينبغي القول إن هذه الحركة شكلت بمثابة "رأس حربة" ضد نشاطات سابقة لهذا الصندوق في أراضي 1967 جرت بطرف التفافية وبما يخالف سياسته العامة التي تنص على وجوب ألا تتجاوز هذه النشاطات "المناطق الخاضعة للحكومة الإسرائيلية" وألا تمتد إلى الأراضي المحتلة منذ 1967.
ثارت في إسرائيل، أخيراً، ضجة حيال قيام حزب الليكود بتوقيع اتفاقية فائض أصوات مع قائمة الصهيونية الدينية بزعامة عضو الكنيست بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير. وهذا الأخير من أتباع الحاخام مئير كهانا.
وكهانا هو مؤسس رابطة الدفاع اليهودية، وعصابة "كاخ" الفاشية، المحظورة بحسب القانون الإسرائيلي. شغل منصب عضو كنيست في الكنيست الحادي عشر، وفي العام 1988 تم شطب قائمته الانتخابية، ومنعها من خوض الانتخابات الإسرائيلية العامة، بشبهة أنها عنصرية. وبعد عامين، لقي مصرعه مقتولاً بعد انتهائه من إلقاء خطاب في نيويورك.
تمثلت حجة الذين أقاموا تلك الضجة بأن هذه الاتفاقية تساهم في "شرعنة الكهانيّة". وفي غمرة ذلك زعم هؤلاء أن حظر عصابة كهانا المذكورة تسبّب بتكريس نظرة عامة إلى العنصريـة بصفتها أمراً استثنائياً وشاذّاً في المجتمع الإسرائيلي.
لا يجوز التقليل من أهمية قرار المحكمة الجنائية الدولية، يوم الجمعة الفائت، الذي ينص على أن الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ 1967 تقع ضمن اختصاصها القضائي، ما يمهّد الطريق أمامها للتحقيق بشأن جرائم حرب ارتكبتها إسرائيل في هذه الأراضي. وإذا ما تناولنا القرار من زاوية الوضع الإسرائيلي الداخلي فلا بُدّ من التنويه بأن من شأنه أن يعيد، بكيفية ما، قضية فلسطين إلى موقع بارز في الأجندة العامة في إسرائيل الغارقة منذ نحو عامين في جولة انتخابات إثر أخرى على خلفية شبهات الفساد الحائمة حول رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، الأمر الذي تسبّب بالتوازي مع انقضاض جائحة كورونا بإقصاء الموضوعات السياسية جانباً، بقدر ما تسبّب بذلك أيضاً تلاشي الفروق الجوهرية حيال تلك الموضوعات من طرف مختلف ألوان الطيف الحزبيّ.
عاد الموضوع الإيراني ليطغى على الأجندة الإسرائيلية، وعلى نحو رئيس بتأثير التصريحات التي أدلى بها رئيس هيئة الأركان العامة للجيش الإسرائيلي، الجنرال أفيف كوخافي، خلال المؤتمر السنوي لـ"معهد أبحاث القومي" في جامعة تل أبيب، وأكد فيها أن عودة الولايات المتحدة، في إثر تسلم إدارة جديدة سدة الحكم فيها، إلى الاتفاق المبرم مع طهران في العام 2015 والذي انسحبت منه إدارة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب بضغوط من إسرائيل، ستكون بمثابة خطأ فادح وخطوة ذات عواقب وخيمة إقليمياً وعالمياً. وهي تصريحات جرى تفسيرها بأنها تنطوي على رسالة مباشرة إلى الرئيس الأميركي الجديد جو بايدن، من جهة، فضلاً عن كونها تتماشى مع جوهر السياسة التي يتبعها رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو بل ويحاول أن يجعلها درّة تاج هذه السياسة، من جهة أخرى.
ستظلّ الأنظار متجهة إلى يومي انتهاء مهلة تقديم القوائم الانتخابية التي ستخوض الانتخابات للكنيست الإسرائيلي الـ24 التي ستجري يوم 23 آذار 2021، وهما يوما 3 و4 شباط المقبل، وعندها قد تُتاح إمكانية الحديث حول السيناريوهات المتعلقة بالائتلافات الحكومية التي من شأن تلك الانتخابات أن تؤدي إليها، وحول احتمالات النجاح في تأليف حكومة إسرائيلية جديدة، تحل محل حكومة بنيامين نتنياهو الخامسة الحالية. ومع ذلك بات من الأسرار المفضوحة أن استراتيجيا نتنياهو، في ما يرتبط بخارطة تلك القوائم، تقوم على أساس الحفاظ على مكانة حزب الليكود الذي يتزعمه كأكبر حزب بفارق كبير عن الحزب الذي يليه من جهة، وتقوم من جهة أخرى على محاولة تذرير التحالفات الحزبية المنافسة له.
ووفقاً لما تؤكد عليه أوساط مقربة من نتنياهو، كان خيار هذا الأخير في الآونة الأخيرة وحتى هذه الجولة الانتخابية هو الحفاظ على ليكود كبير في مقابل حزب موازٍ من معسكر الوسط- يسار. وبهذه الطريقة اعتاد إيجاد توتر يحثّ من خلاله أنصار اليمين على التصويت لمصلحة الليكود على حساب الأحزاب الأخرى.
الصفحة 29 من 48