عند تلخيص جولة المواجهة الأخيرة مع إسرائيل تطالعك الكثير من التحليلات الإسرائيلية، بما في ذلك تحليلات لأشخاص متخصصين في الشؤون الأمنية، لا تتماهى مع البيئة الرسمية المحيطة، السياسية والأمنية، وترى إلى الواقع بعينٍ ثاقبةٍ وتسعى لأن تنزع عنه أوراق التوت بغية كشف علله.
ونقصد بهذا الكلام سيلاً من التحليلات خلص في شبه إجماع إلى أن نتائج تلك الجولة من ناحية إسرائيل، حتى على الصعيد العسكري، لم تكن في المستوى الذي أرادته وعملت من أجل الوصول إليه. وزاد الصورة العامة لتلك النتائج كآبة، كما أشير في أكثر من تحليل، أن الجمهور العريض في إسرائيل بقي مُحبطاً من استمرار المقاومة في قطاع غزة في إطلاق الصواريخ، ومن عجز الجيش الإسرائيلي عن منع ذلك، ومن عدم تحقيق ما يوصف بأنه انتصار إسرائيلي واضح وقاطع. وبموجب أحد التحليلات، ففي الاستديوهات المفتوحة في قنوات التلفزة المتعددة اعتُبر كل إطلاق جديد لصواريخ المقاومة علامة على إخفاق الجيش الإسرائيلي في ضرب الفصائل الفلسطينية.
يتفق جلّ المحللين الإسرائيليين على أن أكثر صفة تليق بجولة الكفاح الفلسطينية الحالية التي انطلقت من مبدأ حماية القدس وأهلها وممتلكاتهم، وسرعان ما استقطبت كلا من أبناء الضفة الغربية وقطاع غزة وأراضي 48، هي كونها جولة مفاجئة، وبالذات فيما يتصل بتدحرجها ووصولها إلى داخل إسرائيل.
وبمتابعة سريعة يمكن أن نستشف من هذه التحليلات أن ما استدعى الالتجاء إلى هذه الصفة هو واقع أن إسرائيل تعاملت مع قضية فلسطين في الآونة الأخيرة كما لو أنها قضية منسية لا من طرفها فقط إنما من جهة أطراف أخرى كثيرة ذات صلة بينها أطراف عربية، بالإضافة إلى أطراف دولية، وكل ذلك في وقت كانت الساحة العالمية عرضة لمواقف إدارة أميركية (سابقة) متماهية مع سياسة اليمين الإسرائيلي وروايته التاريخية ورمت بكل ثقلها لجرّ أطراف كثيرة لتسوية قضية فلسطين وفق خطة هي إلى تصفيتها أقرب، عرفت إعلامياً باسم "صفقة القرن". وأمكن ملاحظة هذا التعامل الإسرائيلي مع قضية فلسطين أيضاً، من خلال الأزمة السياسية غير المسبوقة التي تشهدها إسرائيل منذ أكثر من عامين وتتسم أكثر شيء بما يشبه غياب الجدل السياسي حيال موضوعات كانت تحضر بقوة في الأزمات السياسية السابقة ولا سيما في جولات الانتخابات، وفي مقدمها قضايا الاحتلال والاستيطان والتنكر لحقوق الشعب الفلسطيني ومستحقات عملية التسوية.
وضعت حادثة الاكتظاظ والتدافع التي وقعت في جبل الجرمق في أواخر نيسان الفائت وأودت بحياة 45 شخصاً من اليهود الحريديم المتشددين دينياً وتسببت بإصابة العشرات منهم بجروح، على نار حامية من الجدل قضيتين نتطرّق إليهما بتوسع في مواد هذا العدد من "المشهد الإسرائيلي "، وهما: مكانة اليهود الحريديم في الكينونة الإسرائيلية الراهنة، ودور لجان التحقيق المتعددة في إسرائيل، ولا سيما لجان التحقيق الرسمية.
وبخصوص القضية الأولى، وهي الأكثر أهمية، برزت على نحو خاص المقاربة الذاهبة إلى أن الحريديم باتوا في الآونة الأخيرة يحظون بحكم ذاتي آخذ بالترسخ إلى حد اعتبارهم بمثابة دولة داخل دولة، وقارن البعض بين هذه الدولة داخل الدولة ودول أخرى داخلها، على غرار دولة المستوطنين في الأراضي المحتلة منذ 1967 وغيرها.
سجلت الأيام الأخيرة صعوداً في نشاط الحركات الإسرائيلية اليمينية المتطرفة لتغيير "الوضع القائم" في القدس المحتلة مستمدة التشجيع من نشاط القوات الأمنية ضد أهالي المدينة. وتسبّب هذا الصعود، من ضمن أمور أخرى، بإعادة نشاط منظمة "لاهافا" إلى صدارة العناوين بالتوازي مع استعادة أجندتها المخصوصة، التي نتوقف عندها في هذا العدد من المشهد الإسرائيلي بجانب التوقف عند معاني ودلالات ما يعرف بـ"الوضع القائم" فيما يتعلق بالقدس، وعند جوهر ما تسعى إسرائيل إليه من وراء نيتها تغييره.
وبقدر ما إن هذا "الصعود" يُعتبر مرتبطاً بالتحولات التي خضعت لها إسرائيل في الأعوام الأخيرة، ولا سيما خلال أعوام عهد بنيامين نتنياهو في رئاسة الحكومة الإسرائيلية منذ أكثر من عقد، بقدر ما إنه يتغذى من حقيقة أن العنصرية في إسرائيل بنيوية.
تشهد إسرائيل على خلفية الأزمة السياسية غير المسبوقة التي تشهدها في الآونة الأخيرة، قدراً كبيراً من التحليل لصيرورتها الراهنة، وفي الوقت عينه تشهد الكثير من الاجتهادات التي تحاول استشراف ما يمكن أن تؤول إليه هذه الصيرورة، لا سيما على صعيد الصراع الداخلي.
ولعلّ أول ما ينبغي الالتفات إليه في غمرة متابعة ما تراكم إلى الآن، أن تلك الصيرورة ليست نتاج الأزمة الراهنة فحسب إنما هي أيضاً محصلة ما شهدته إسرائيل من سيرورات قبيل انفجار هذه الأزمة بعدة أعوام، وبالأساس في سياق المحاولات المتواترة لتكريس هيمنة اليمين الجديد على المشهد السياسي برمته.
ولدى العودة إلى ما سبق هذه الأزمة بالوسع العثور على ما يمكن اعتباره أشبه بالنبوءة حيال مع يحدث في الوقت الحاليّ، كما هي مثلاً حال تصريحات أدلى بها أربعة رؤساء سابقين للمحكمة الإسرائيلية العليا قبل خمسة أعوام خلال مقابلة مشتركة جمعتهم معاً أجرتها صحيفة "يديعوت أحرونوت" في مناسبة الذكرى الـ 68 لإقامة دولة إسرائيل، وأجمعوا فيها من ضمن أمور أخرى على أن إسرائيل تشهد سيرورات مثيرة للقلق من ناحيتهم قد تتسبب، في نتيجتها، بما وصفوه بأنه "إعلان بداية نهاية النظام الديمقراطي في الدولة"!
يبدو بعد انتهاء الأيام المئة الأولى من ولاية الرئيس الأميركي الجديد جو بايدن، كما يُمكن أن يُستشف من جل التحليلات الإسرائيلية في هذا الشأن، أن إسرائيل قلقة أكثر شيء من احتمال عودة إدارته إلى إرث الرئيس السابق باراك أوباما، الذي كان بايدن نائبه، ولا سيما فيما يتعلق بالملفين الإيراني والفلسطيني. وإلى أن ينقشع الضباب عن الصورة الواضحة لتفاصيل هذه العودة، في حال حدوثها، نعيد التذكير بأن أكثر ما سعى رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو نحوه فور تسلم الإدارة الأميركية السابقة برئاسة دونالد ترامب مهمات منصبها هو محاولة تخليصها من ذلك الإرث في أكثر من مجال على مستوى السياسة الخارجية التي انتهجتها الولايات المتحدة وكانت ذات صلة بإسرائيل.
وهذا ما كان بالوسع التأكد منه، لمساً ورؤية، عن طريق الزيارة التي قام بها نتنياهو إلى الولايات المتحدة في مستهل ولاية ترامب، في أواسط شباط 2017، وعقد خلالها اجتماعاً مع الرئيس الأميركي وقادة الكونغرس.
الصفحة 27 من 48