*نتنياهو يستغل التأييد السياسي ـ الحزبي والجماهيري الواسع له والوضع القانوني الذي لا يلزمه بتقديم الاستقالة*

 تؤكد استطلاعات الرأي التي تجرى في إسرائيل تباعاً وبوتائر أسبوعية خلال الفترة الأخيرة، منذ الإعلان عن تبكير موعد الانتخابات العامة للكنيست الـ 21 إلى يوم 9 نيسان القريب، حقيقة أن اليمين الإسرائيلي عامة، وحزب الليكود بزعامة بنيامين نتنياهو خاصة، لا يزالون يستأثرون بالقوة السياسية ـ البرلمانية الأكبر في إسرائيل، بالرغم من كل الشبهات الجنائية الخطيرة التي تورط فيها نتنياهو والتحقيقات الجنائية التي خضع لها طوال أشهر عديدة، وبالرغم من توصيات طواقم التحقيق والنيابة العامة بتقديم لوائح اتهام جنائية ضده بشبهة ارتكاب مخالفات خطيرة في مجال الفساد السلطوي، الرشى، خيانة الأمانة وغيرها.

ويبدو، الآن، أن لا شيء سيحول دون فوز الليكود ونتنياهو بالعدد الأكبر من الأصوات والمقاعد في الكنيست الـ 21، ولا حتى قرار يصدر عن المستشار القانوني للحكومة في هذه الفترة ويتبنى فيه توصيات الشرطة والنيابة العامة بشأن تقديم لائحة اتهام واحدة، أو أكثر، ضد نتنياهو في واحد أو أكثر من ملفات الفساد التي تورط فيها، حسب الشبهات، والتي أصبحت تُعرف بـ "ملف رقم 1000"، "ملف رقم 2000" و"ملف رقم 4000".

الوضعان الحزبي والقانوني يعملان لصالح نتنياهو

يتعزز هذا التقدير حيال الوضع الجماهيري الذي يتمتع به نتنياهو، رغم كل ما ذُكر، بما يدعم موقفه الرافض لتقديم استقالته أو للانسحاب وعدم ترشيح نفسه في الانتخابات المقبلة، حيال تركيبة الكنيست الحالي بأغلبيته اليمينية، وفي ضوء حقيقة أن القانون لا يلزم رئيس الحكومة بتقديم استقالة من منصبه، حتى لو تم تقديم لائحة اتهام جنائية ضده وأياً كانت درجة خطورة المخالفات المشتبه بارتكابها.

معنى هذا أن ليست ثمة أية إمكانية (لا قانونية ولا سياسية ـ حزبية) لفصل نتنياهو اليوم أو لإرغامه على تقديم استقالته، رغم كل ما ذَكر عن الشبهات ولوائح الاتهام المحتمل تقديمها ضده.

أما مطالبة بعض الأوساط السياسية ـ الحزبية، من "اليسار" و"الوسط" الإسرائيليين، وبعض الأوساط الأكاديمية والشعبية باستقالة نتنياهو الآن، على خلفية الشبهات الجنائية الخطيرة، فهي مشتقة من القرارين القضائيين اللذين أصدرتهما المحكمة العليا الإسرائيلية في قضيتي الوزيرين أرييه درعي ورفائيل بنحاسي (كلاهما من حزب "شاس")، في أوائل التسعينيات، واللذين شددت فيهما على أنه "بالرغم من أن القانون لا يأمر، صراحة، بفصل وزير في حال تقديم لائحة اتهام جنائية ضده بشبهات تنطوي على وصمة عار، إلا أنه من الحري أن يتم ذلك فعلاً". وكانت المحكمة، في قولها هذا، تتطرق إلى تعبير "من حق" ـ في نص "قانون أساس: الحكومة"، الذي يتطرق إلى إمكانية قيام رئيس الحكومة بفصل وزير ما ـ وفسّرت التعبير المذكور بأنه "واجب ملقى على عاتق رئيس الحكومة، وإلا فإن الأمر (أي: قرار آخر ـ عدم الفصل) يعتبر تجاوزا فظا لنطاق المعقول".

غير أن المحللين القضائيين أجمعوا على ضرورة التمييز بين فصل وزير وفصل رئيس الحكومة، وذلك بالاستناد إلى النص الصريح في "قانون أساس: الحكومة"، الذي يقيم هذا التمييز بصورة واضحة. فالمادة رقم 18 من هذا القانون تنص على أن "من حق الكنيست، بقرار يتخذ بأغلبية أصوات أعضائه، فصل رئيس الحكومة في حال إدانته بمخالفة جنائية قررت المحكمة أنها تنطوي على وصمة عار". ثم تضيف هذه المادة: "إذا لم يجر فصل رئيس الحكومة، طبقا لهذه المادة، وأصبح قرار الحكم بشأنه نهائياً، تنتهي ولايته وتُعتَبر الحكومة مستقيلة في اليوم نفسه الذي أصبح فيه قرار الحكم نهائيا".

معنى هذا أن رئيس الحكومة يستطيع فصل وزير قُدمت ضده لائحة اتهام، بينما يمكن فصل رئيس الحكومة بعد إدانته في المحكمة بمخالفة تنطوي على وصمة عار، فقط، وبعد أن يصوت أغلبية أعضاء الكنيست تأييداُ لذلك، فقط. وفي حال صوت الكنيست، بأغلبية أصوات أعضائه، على فصل رئيس الحكومة، تنتهي ولايته فقط حين يصبح قرار الحكم (الإدانة) نهائيا.

لم يكن صدفة تمييز المشرّع (الكنيست) بين الحالتين ـ فصل رئيس الحكومة وفصل وزير، في حال تقديم لائحة اتهام جنائية ضد أحدهما. ذلك أن الأمر مرتبط بالإسقاطات المترتبة على كل واحدة من هاتين الحالتين: فبينما لا يؤدي فصل وزير إلى استقالة الحكومة كلها ـ وقد يعود إلى الحكومة لاحقا في حال تبرئته في المحكمة (كما حصل مع أفيغدور ليبرمان) ـ يؤدي فصل رئيس الحكومة (في إثر تقديم لائحة اتهام ضده أو في إثر إدانته في المحكمة) إلى استقالة الحكومة كلها، بصورة فورية، ما يعني أيضا حل الكنيست والتوجه إلى انتخابات عامة جديدة. وهو ما يعني أنه لن يكون بالإمكان إعادة هذه الحكومة ورئيسها إلى موقعها وسلطتها، حتى لو تمت تبرئة رئيسها في المحكمة.

نتنياهو يفتح جبهة جديدة ضد المستشار القانوني

 

في هذه الأثناء، وفي تطور لافت في قضايا الشبهات الجنائية ضده، أقدم رئيس الحكومة نتنياهو على خطوة غير متوقعة تمثلت في فتحه جبهة جديدة ضد المستشار القانوني للحكومة، أفيحاي مندلبليت، المعروف بأنه من أكثر المقربين إليه، وذلك على خلفية الأنباء التي ترددت في اليومين الأخيرين وأفادت بأن مندلبليت قد عقد العزم على تبني توصيات النيابة العامة بتقديم لائحة اتهام ضد نتنياهو في القضية التي تعتبر الأخطر من بين القضايا الثلاث المذكورة، أي قضية "ملف 4000"، الخاص بشبهات الرشى التي حصل عليها نتنياهو من مالك شركة "بيزك" وموقع "واللّا" الإخباري، شاؤول ألوفيتش، لقاء قرارات تخص دمج شركتي "بيزك" و"يِس"، المملوكتين لألوفيتش، مما درّ على الأخير أرباحا طائلة.

وفي إثر انتشار هذه الأنباء، التي أكدت أن مندلبليت "قد تبنى توصيات النيابة العامة بالكامل" وأنه سيستدعي نتنياهو إلى "جلسات استجواب" خلال الفترة القريبة القادمة قبيل تقديم لائحة الاتهام، نشر نتنياهو شريطاً مصوراً خاصاً قال فيه إن قراراً بتقديم لائحة اتهام ضده "سيكون بمثابة خنوع المستشار القانوني للحكومة أمام الضغوط التي مارسها عليه اليسار والصحافيون"! كما ردّ نتنياهو على المقابلة الصحافية التي أجريت مع مندلبليت في القناة التلفزيونية الثانية مساء يوم الجمعة الأخير وتطرق خلالها إلى التحقيقات مع نتنياهو واحتمال اتخاذ قرار بشأنها في غضون أيام قليلة، وقال في سياقها: "أومن، حقا، بأن سلطة القانون في دولة ديمقراطية ينبغي أن تسري على الجميع بمساواة ـ من المواطن البسيط وحتى رئيس الحكومة. هذا ما كان حتى الآن وهذا ما سيكون مستقبلاً أيضا".

وفي رده على هذه التصريحات، قال (نتنياهو) إن "اختيار المستشار القانوني الإدلاء بتصريحات تلفزيونية، وخاصة في مثل هذا التوقيت، هو أمر غير مسبوق في تاريخ القضاء الإسرائيلي ويثير علامات استفهام عديدة وخطيرة". وأضاف نتنياهو، في مدونة خاصة على صفحته في موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك" نشرها مساء السبت الأخير: "إن هذا اللقاء، الذي بُث عشية القرار الذي من المنتظر أن يتخذه المستشار القانوني بشأني، مثير للقلق الشديد، أكثر حتى من تلك المقابلة المربكة والمحرجة التي أدلى بها ألشيخ (روني ألشيخ ـ المفتش العام السابق للشرطة) في برنامج "عوفداه" عشية نشر توصيات الشرطة بشأني"!

أما محامو الدفاع عن نتنياهو فعقبوا على مقابلة مندلبليت هذه بالقول إنه "عشية اللقاء بيننا وبين المستشار القانوني للحكومة، لم يكن ثمة مكان لأية تسريبات هدفها المس بحقنا في إسماع موقفنا بصورة منصفة"!

ويبدو واضحاً أن نتنياهو (وحزبه) يعتمد استراتيجية شن الهجوم المتزامن على المستشار القانوني وعلى مجموعة من الصحافيين البارزين في إسرائيل بغية صبغ قرارات الأول بصبغة سياسية ـ حزبية وزرع الشك والتشكيك في منطلقات هذه القرارات، دوافعها ومهنيتها، بحيث يبدو أي قرار يتخذه المستشار بتقديم لائحة اتهام ضد نتنياهو قراراً سياسيا، لا مهنيا ـ قضائيا، جاء نتيجة لضغوطات مزعومة مارسها "اليسار" والصحافيون على المستشار، مما سيزيد من الالتفاف حوله والتأييد له بين أوساط اليمين الإسرائيلي عموما. 

في إطار هذه الاستراتيجية، أيضا، تأتي الحملة الدعائية التي نظمها حزب "الليكود" خلال الأيام الأخيرة وجسدها في يافطات على الشوارع تضمنت صور أربعة من الصحافيين البارزين في إسرائيل (أمنون أبراموفيتش، رفيف دروكر، بِن كسبيت وغاي بيلغ) وكُتب تحتها: "هؤلاء لن يقرروا"! (اقرأ عنها ص 2).

ورداً على هذه الحملة والتصريحات التي أدلى بها نتنياهو، عقب الناطق بلسان وزارة العدل بالقول: "إن قرار المستشار القانوني للحكومة لا يتأثر لا بالإعلام ولا بالمظاهرات.... لا الأشرطة المصورة، لا يافطات الشوارع، لا المظاهرات ولا الاقتباسات عن "مقربين" والتسريبات المختلَقة هي التي تقرر، وإنما الاعتبارات المهنية فقط".

 

ملحق المشهد الإسرائيلي يصدر بالتعاون مع وزارة الخارجية النرويجية، محتوى المقالات لا يعكس بالضرورة موقف وزارة الخارجية النرويجية.

الأحد, أكتوير 20, 2019

مركز مدار

المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية "مدار"، هو مركز بحثي مستقل متخصص بالشأن الإسرائيلي، مقره في مدينة رام الله. تأسس في  العام 2000، بمبادرة مجموعة من المثقفين والأكاديميين الفلسطينيين، من بينهم: الشاعر الكبير الراحل محمود درويش، د. ليلى فيضي، د. علي الجرباوي، د. أحمد حرب، وليد الأحمد، وأكرم هنية. تم تسجيل المركز كجمعية أهلية غير ربحية.

القائمة البريدية