أثارت مظاهرة الفلسطينيين في إسرائيل ضد "قانون القومية"، والتي جرت في تل أبيب مساء يوم السبت الأخير (11/8)، وكما كان متوقعا، موجة من ردود الفعل التهجمية والتحريضية من جانب أوساط اليمين الإسرائيلي، ممثليه وقادته.

 

وكالعادة، كان رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، شخصيا، أول هؤلاء جميعا يعطي الضوء الأخضر لكل من أراد تشويه صورة المواطنين العرب، تزوير إرادتهم والتحريض العنصري الأرعن ضدهم.

فبينما كانت المظاهرة في تل أبيب مستمرة، خرج نتنياهو ليكتب على صفحته الشخصية على موقع التواصل الاجتماعي (الفيسبوك) إنه "لا دليل أفضل من هذا (المظاهرة) على حيوية هذا القانون". وأضاف، مشيراً إلى صور الأعلام الفلسطينية المرفوعة خلال المظاهرة في تل أبيب: "سنواصل رفع العلم الإسرائيلي باعتزاز وسنواصل إنشاد هتكفا (النشيد الوطني الإسرائيلي) بفخر كبير".

وفي صباح اليوم التالي، الأحد، وفي مستهل جلسة الحكومة الأسبوعية، عاد نتنياهو للتحريض على خلفية المظاهرة ورفع الأعلام الفلسطينية فيها، فقال: "تلقينا أمس إثباتا قاطعا على رفض وجود دولة إسرائيل وعلى ضرورة قانون القومية... فقد شاهدنا أمس أعلام م. ت. ف (أعلام فلسطين!) في قلب مدينة تل أبيب وسمعنا هتافات "بالدم بالروح نفديك يا فلسطين". كثيرون جدا من المشاركين في المظاهرة يريدون إلغاء قانون العودة (الذي يضمن المواطنة الإسرائيلية الفورية والكاملة لأي يهودي يرغب في الهجرة إليها، من أي بقعة في العالم). إنهم يريدون إلغاء دولة إسرائيل كدولة قومية للشعب اليهودي وتحويلها ـ كما اعترف بعض متحدثيهم أمس ـ إلى "دولة إسرائيلية ـ فلسطينية"، بينما يقول آخرون "دولة جميع مواطنيها". لهذا، بالضبط، شرّعنا قانون القومية. نحن فخورون بدولتنا، بعلمنا وبنشيدنا الوطني وسنظل مصرين على أن تبقى إسرائيل دولة يهودية وديمقراطية، حقوق الفرد فيها مصانة بقوانين أخرى". وختم نتنياهو قائلا: "الآن، وأكثر من أي وقت مضى، يتضح مدى أهمية قانون القومية وضرورته. إنه ضروري لضمان مستقبل دولة إسرائيل كدولة قومية للشعب اليهودي. نحن الذين شرّعنا هذا القانون ونحن الذين سنحميه ونحافظ عليه"!

وفي أعقاب نتنياهو، انطلق وزراء آخرون وأعضاء كنيست من اليمين، والليكود خصوصا، في حملة تهويش وتحريض، كانت في مقدمتهم ـ كالعادة! ـ وزيرة الثقافة والرياضة، ميري ريغف (الليكود) التي قالت، قبل بدء جلسة الحكومة الأسبوعية، إن "التحام اليسار مع العرب هو ضرب من العبث"! وقالت: "أنا واثقة بأن رابين (إسحاق رابين، رئيس الوزراء الأسبق الذي قُتل اغتيالاً في الميدان الذي جرت فيه المظاهرة مساء السبت فاستبدل اسمه من "ميدان ملوك إسرائيل" إلى "ميدان رابين") يتقلب في قبره"! وأضافت: "لا يُعقل أن تُرفع أعلام فلسطين في وسط تل أبيب. هذا تحريض"! وتابعت: المشكلة ليست في "قانون القومية"، وإنما في كيف ينظرون إلى دولة إسرائيل ـ دولة جميع مواطنيها، وليست دولة للشعب اليهودي! وقالت ريغف إن "المشهد أمس كان فظيعاً وخطيرا جدا في نظري"، ولهذا أعلنت أنها ستتوجه إلى المستشار القانوني للحكومة بشكوى لفحص الموضوع (رفع الأعلام الفلسطينية في تل أبيب).

وكانت ريغف نفسها قد كتبت، قبل ذلك، على حسابها على موقع فيسبوك، مساء السبت: "لم يكن لدي أدنى شك في أن أعلام فلسطين سوف تُرفع هذا المساء في تل أبيب وستكون جزءا من الديكور في مظاهرة اليسار في ميدان رابين. فاليسار والعرب يفضلان الأحمر والأسود والأخضر على الأزرق والأبيض (لونا العلم الإسرائيلي). هذا هو الفارق بين دولة جميع مواطنيها والدولة القومية للشعب اليهودي وهذا سبب آخر لسنّ قانون القومية". وأضافت ريغف: "تثبت هذه المظاهرة أن ثمة تعاونا بين اليسار والعرب الذين يريدون هنا دولة أخرى ـ تعاون من أجل حكومة أخرى. لكن هذا لن يفيدهم ومن الأجدر بهم أن يفهموا: اللغة العبرية هي اللغة الرسمية في دولة إسرائيل، العلم الأزرق والأبيض مع نجمة داود هو العلم الرسمي، نشيدنا الوطني هو هتكفا وعاصمتنا الموحدة الأبدية هي القدس".

أما وزيرة العدل، أييلت شاكيد (من حزب "البيت اليهودي") فقالت إنه "لا يمكن ألا نفكّر هذا المساء بدافيد بن غوريون، بغولدا مئير، بيغئال ألون ويسرائيل غليلي الذين كانوا، ذات مرة، قادة اليسار الصهيوني الفخور وغير المعتذر"! في هجوم واضح على ممثلي حركة "ميرتس" الذين شاركوا في المظاهرة. وأضافت: "من المؤكد أن رؤية أعلام م. ت. ف. (أعلام فلسطين) في ميدان رابين لم يكن جزءا من حلمهم". وقالت: "كان يتعين على اليسار الصهيوني تأييد قانون القومية، لكن يبدو أن ليس ثمة يسار كهذا بعد"!

وكتب رئيس الكنيست، يولي إدلشتاين (الليكود)، على حسابه على موقع تويتر: "لقد ثبت هذا المساء مرة أخرى أن المعركة التي يخوضها أعضاء الكنيست العرب هي ليست ضد قانون القومية، وإنما ضد وجود دولة إسرائيل"! وعبر إدلشتاين عن أسفه لأن "أعضاء الكنيست العرب يجرون الجمهور العربي الإسرائيلي، مرة أخرى، لتظاهرة تحريضية بشعة"!

وقال وزير العلوم، أوفير أكونيس (الليكود)، إن "عشرات أعلام م. ت. ف. (أعلام فلسطين) التي اجتاحت المظاهرة في قلب تل أبيب هي البرهان القاطع على ضرورة قانون القومية. وإن كان ثمة من لا يزال لديه شك في هذا، فقد أتت الصور من تل أبيب هذا المساء لتقدم له الدليل القاطع والجازم على أن إسرائيل في حاجة إلى قانون القومية".

وقال وزير المواصلات، يسرائيل كاتس (الليكود): أعلام فلسطين ترتفع الآن في ميدان رابين في قلب تل أبيب. أعضاء الكنيست العرب يتظاهرون ضد القومية اليهودية ومن أجل القومية العربية الفلسطينية. ليس قانون القومية هو الذي يزعجهم، بل وجود دولة إسرائيل كدولة يهودية وديمقراطية. هم سيواصلون التظاهر ونحن سنواصل البناء وتعزيز دولة إسرائيل"!

لكن التشويه والتحريض، علاوة على المقاطعة، لم تقتصر على اليمين الإسرائيلي فحسب، بل تبناها قادة "الوسط" الإسرائيلي وممثلوه أيضا، إذ لم يشارك في المظاهرة سوى أعضاء الكنيست الستة من حركة "ميرتس" وعضويّ كنيست اثنين (هما ميكي روزنطال وزهير بهلول) من بين أعضاء الكنيست الـ 24 الممثلين لحزب العمل (المعسكر الصهيوني).

وكان رئيس حزب العمل و"المعسكر الصهيوني"، آفي غباي، قد أعلن قبل موعد المظاهرة بساعات أنه لن يشارك في مظاهرة المواطنين العرب ضد قانون القومية "لأنهم لا يؤمنون بالدولة اليهودية ولأنّ منظميها يؤيدون حق العودة للفلسطينيين"، كما قال!!

وقال غباي، في مقابلة تلفزيونية قبل المظاهرة بساعة: "لا أشارك في مظاهرة ينظمها التجمع الوطني الديمقراطي والقائمة المشتركة... إنهم لا يؤمنون بالدولة اليهودية. لن نكون في هذه المظاهرة، بالتأكيد، ولا يعنيني ما تنادي به"!!
وكانت رئيسة المعارضة، تسيبي ليفني (من "المعسكر الصهيوني" أيضا)، قد سبقت غباي في إعلان هذا الموقف، إذ قالت في مقابلة مع إذاعة الجيش الإسرائيلي: "لن أشارك في هذه المظاهرة، لأن بعض أعضاء القائمة المشتركة يرفضون فكرة أن إسرائيل هي الدولة القومية للشعب اليهودي".

أما عضو الكنيست ميكي روزنطال، الوحيد الذي شارك في المظاهرة (إلى جانب زهير بهلول)، من بين أعضاء الكنيست عن "المعسكر الصهيوني" الـ 24، فقال إن "أكثر من يقلقني هم رفاقي في المعسكر الذين يخشون الوقوف مرفوعي الرؤوس في مواجهة حملة التحريض، خوفا من تأذيهم، سياسيا أو جماهيريا. إنني أنضم إلى المظاهرة ليس تأييدا لمنظميها ولا تضامنا مع جميع أهدافها وشعاراتها، بل من منطلق إيماني بأن لا صهيونية بدون ديمقراطية ولا ديمقراطية بدون مساواة"!

وعلى خلفية مقاطعة حزبيّ "المعسكر الصهيوني" و"يش عتيد" ("يوجد مستقبل"، بزعامة يائير لبيد) للمظاهرة، كتبت صحيفة "هآرتس" افتتاحية خاصة (يوم الأحد، 12/8) تحت عنوان "وسام شرف ووصمة عار"، قالت فيها: "كان معيبا موقف قادة حزبي المعارضة الأساسيين، يوجد مستقبل والمعسكر الصهيوني ممن اختاروا مقاطعة المظاهرة. من يائير لبيد، صاحب التصريحات العنصرية ضد عرب إسرائيل في الماضي، لم يتوقع أحد سلوكا آخر. لكن عندما يتغيب آفي غباي، تسيبي لفني ومعظم نواب المعسكر الصهيوني عن المظاهرة الجماهيرية ضد القانون الذي عارضوه علنا، فإنهم لا يؤدون دورهم كحزب معارضة مركزي".
وأضافت افتتاحية "هآرتس: "الذين تظاهروا ضد القانون إياه في الميدان إياه قبل أسبوع واحد من ذلك فقط، مع الدروز، وقرروا مقاطعة مظاهرة مشابهة نظمتها لجنة المتابعة العليا للعرب في اسرائيل، فوتوا فرصة هامة لتوسيع الاحتجاج. فلا يمكن لأية ذريعة أن تشوش ذلك. المعسكر الصهيوني يستحق وصمة عار على سلوكه: فليعلم الفلسطينيون مواطنو الدولة وليعلم الإسرائيليون محبو المساواة أن المعسكر الصهيوني يهرب من تأدية مهامه في لحظة الامتحان".

 

الأربعاء, نوفمبر 14, 2018

مركز مدار

المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية "مدار"، هو مركز بحثي مستقل متخصص بالشأن الإسرائيلي، مقره في مدينة رام الله. تأسس في  العام 2000، بمبادرة مجموعة من المثقفين والأكاديميين الفلسطينيين، من بينهم: الشاعر الكبير الراحل محمود درويش، د. ليلى فيضي، د. علي الجرباوي، د. أحمد حرب، وليد الأحمد، وأكرم هنية. تم تسجيل المركز كجمعية أهلية غير ربحية.

القائمة البريدية