أثبتت معطيات جديدة نشرتها منظمة "يش دين" ("يوجد قانون") الإسرائيلية لحقوق الإنسان هذه الأيام أن فشل ما تصفه بأنه "جهاز تطبيق القانون الإسرائيلي" في الأراضي المحتلة منذ 1967 في القيام بواجبه في حماية الفلسطينيين من عنف المستوطنين يعتبر منهجياً، وأشارت إلى أنه في الوقت عينه فشل طويل الأمد، ما يؤكد أن هذه سياسة متعمدة لدولة إسرائيل التي تعمل على تطبيع العنف الأيديولوجي للمستوطنين ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية وتدعمه بل وتستفيد من نتائجه.
رأينا أن تصريحات الرئيس الأميركي جو بايدن التي أبدى فيها امتعاضه من مضي رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو قدماً في خطة حكومته الرامية إلى إضعاف الجهاز القضائي، وردّ هذا الأخير بأن من يقرّر سياسات إسرائيل، بصفتها دولة مستقلة تماماً، هو حكوماتها المنتخبة من قبل الشعب وليس الضغوط الخارجية حتى ولو كانت من أقرب أصدقائها وأرفعهم قيمة على غرار الولايات المتحدة، شكلّا مناسبةً أخرى لإعادة النبش في جذور ما يوصف بأنه "علاقات خاصة" بين الدولتين وتقييم صيرورتها الراهنة.
تشهد إسرائيل حالة صراع داخلي غير مسبوقة تشرخ المجتمع الإسرائيلي اليهودي وتقسمه إلى فئتين متصارعتين يبدو الجسر بينهما غير ممكن، على الأقل في الظرف القائم. تنتظم هاتان الفئتان حاليًا في معسكرين متنازعين: معسكر اليمين الجديد الذي يتبوأ الحكومة ويضم في صفوفه تنويعات من أقصى اليمين الشعبوي واليمين الكهاني والصهيونية والحردلية (المتزمتة قوميًا ودينيًا) والحريدية التي مرت بعملية "تهويد قومي" مستمرة، وذلك في مقابل المعارضة التي تقوم بالاحتجاجات على خطة الانقلاب القضائي لياريف ليفين وتجمع أحزاب الوسط واليسار واليمين الدولاني. ولكل معسكر سماته الطبقية والاجتماعية والإثنية ورؤيته لطابع الدولة. ويتوافق المعسكران على يهودية الدولة وعلى الصهيونية لكنهما يختلفان على باقي التفاصيل.
من المؤكد أن المهتمّ بإرهاب المستوطنين في الأراضي المحتلة منذ 1967 سيلاحظ، مثلما نوهنا في ختام كلمة الأسبوع الفائت (6/3/2023)، أنه تجري داخل صفوفهم مؤخراً تحوّلات تنطوي أيضاً على صراعات تشي جهاراً بأن قياداتهم الجديدة أشدّ تطرّفاً وتدّيناً من قيادات سابقة لهم تُعتبر متطرّفة بدورها.
يمكن القول من دون مبالغة إنه في سياق حوصلة ما شهدته بلدة حوارة من إرهاب قام به مستوطنون إسرائيليون في أراضي 1967، ازدادت على نحو ملحوظ الأصوات في إسرائيل التي باتت ترى الأمور كما هي ولا سيما في المحور الذي يحيل إلى دلالة العلاقة بين السبب والنتيجة، ناهيك عن تسمية الأمور بمسمياتها الحقيقية من دون التحايلات المعهودة أو التلاعب بالعقول.
الصفحة 13 من 48