لا بُدّ من القول إن الملامح الراهنة لإسرائيل في ظلّ الحكومة الحالية الأكثر يمينيّةً قوميّاً ودينيّاً كانت شبه متوقّعة حتى لا نقول شبه حتميّة. وقد كان تشكّل هذه الملامح الشغل الشاغل لنا في "مركز مدار" منذ أعوام طويلة، سواء من خلال ما نشرناه من مواد في ملحق "المشهد الإسرائيلي"، أو عبر سائر منشورات المركز ولا سيّما التقارير الإستراتيجية السنوية. كما كان تشكّلها موضع اهتمام الكثير من الجهات البحثية وكذلك الباحثين الأفراد في المجتمع الإسرائيلي، حيث قام بعض هؤلاء بتأمل تعاقب الوقائع وتحوّلات الحلبة السياسية، فيما استغرق بعضهم الآخر في تحليل ظواهر مادية تراكمت عبر الأعوام، وفيها ما ينطوي على قرائن ومعطيات تكفي لكي يتمكن المعنيون من صوغ تصوّرات حول تعاقب تشكيل المجتمع الإسرائيلي البشريّ. وعند هذه النقطة بالذات ينبغي أن نشير إلى أن كثيراً من هذه التصورّات يستند إلى معلومات إحصائيّة وعلى أساسها يتم بناء استنتاجات، يقول أصحابها إنه بمجرّد ذلك لا تفتقر تنبؤاتهم حول اتجاهات المجتمع الإسرائيلي إلى "شرعيّة علميّة".
ما زالت أصداء التصريحات التي أدلى بها الرئيس السابق لجهاز الموساد الإسرائيلي تامير باردو إلى وكالة "أسوشيتد برس" الأميركية للأنباء، الأسبوع الفائت، والتي أكد فيها أن إسرائيل تطبّق نظام الفصل العنصري (أبارتهايد) في مناطق الضفة الغربية المحتلة، تتداعى وتقسّم الرأي العام الإسرائيلي بين مؤيّد لها أو معارض.
من ناحية وقائعية، قال باردو، الذي شغل منصب رئيس الموساد بين الأعوام 2011 و2016: "ثمة دولة فصل عنصري هنا. إن الدولة التي يخضع فيها شعبان إلى نظامين قانونيين هي دولة فصل عنصري بامتياز". وشدّد على أن موقفه هذا هو مجرّد توصيف لحقيقة بسيطة. وأضاف أنه بصفته رئيساً للموساد حذّر رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو مراراً من أنه بحاجة إلى تحديد حدود إسرائيل وإلا فـ "سيخاطر بتدمير دولة اليهود"، على حدّ تعبيره.
خلصت صحيفة "هآرتس" من وقائع محضر الجلسة التي عقدتها الحكومة الإسرائيلية قبل 30 عاماً، وتحديداً في يوم 30 آب 1993، وصادقت خلالها على اتفاقية أوسلو التي وقّعتها مع منظمة التحرير الفلسطينية في واشنطن يوم 13 أيلول من العام نفسه وحملت الاسم الرسمي "إعلان المبادئ"، والذي كشف عنه النقاب الأرشيف الرسمي لدولة إسرائيل الأسبوع الماضي، أن إسرائيل لم تنظر إلى هذه الاتفاقية باعتبارها نقطة انطلاق نحو التخلّي عن الاحتلال في أراضي 1967، ونحو منح الفلسطينيين الحق في الحرية وتقرير المصير والاستقلال.
لا يخفي اليمين الإسرائيلي الجديد منذ أكثر من عقد أن المحكمة العليا، بالإضافة إلى المؤسسة الأكاديمية ووسائل الإعلام وكبار الموظفين الحكوميين، موجودون في أولى درجات مهدافه، وذلك في سياق مسعاه المنهجي لتكريس هيمنته على الحلبة السياسية والتي بدأت في العام 1977. وبلغ استهداف المحكمة العليا من طرف هذا اليمين ذروته هذه الأيام في ما يعرف باسم "خطة الإصلاح القضائي" التي طرحتها الحكومة الحالية وترى فيها المعارضة البرلمانية بالإضافة إلى جهات أخرى أنها بمثابة انقلاب على السلطة القضائية بهدف إخضاعها إلى السلطة التنفيذية مثلما جرى إخضاع السلطة التشريعية.
لا تُعدّ الفتوى القانونية الجديدة الصادرة عن منظمة "يش دين" ["يوجد قانون"] الإسرائيلية لحقوق الإنسان بشأن سياسة إسرائيل حيال الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ العام 1967، والتي نقدّم قراءة لها في هذا العدد من "المشهد الإسرائيلي"، الوثيقة الإسرائيلية الوحيدة التي تحوصل تلك السياسة، ولكن مع ذلك فهي تنطوي على أهمية خاصة بسبب تزامنها مع ما تقوم به الحكومة الحالية من ممارسات ميدانية في هذه الأراضي والتي سبق أن وصفتها جهات إسرائيلية بأنها تضمر استراتيجيا جديدة تسعى للقضاء على التطلعات الوطنية الفلسطينية، وعلى الخيار السياسي للتسوية، وتحضير الأوضاع لضم كل مناطق "ج" في الضفة الغربية إلى دولة إسرائيل، ولاحقاً إنشاء وضع "دولة واحدة مع تفوّق يهودي"، على حدّ ما نوهنا في العدد السابق.
1- في خضم تواتر التحذيرات من تداعيات الأزمة الحادّة غير المسبوقة التي تشهدها إسرائيل على خلفية خطة حكومة بنيامين نتنياهو الحالية الرامية إلى إضعاف الجهاز القضائي والانقلاب على السلطة الثالثة، وبشكل خاص من جانب "معهد أبحاث الأمن القومي" في جامعة تل أبيب، يجدر بنا أيضاً أن نلتفت إلى ما يرد فيها بشأن آخر المواقف الإسرائيلية حيال أراضي 1967، وحيال القضية الفلسطينية عموماً، في ظل وجود حكومة هي الأكثر تطرفّاً قوميّاً ودينيّاً.
الصفحة 10 من 48