هذا الأسبوع ارتأينا تسليط مزيدٍ من الأضواء على اليمين الإسرائيلي المتطرّف والمتمثّل تحديداً في مثلث الأحزاب الذي شكّل تحالف "الصهيونية الدينيّة" (والقصد أحزاب الصهيونية الدينية بزعامة بتسلئيل سموتريتش، وعوتسما يهوديت بزعامة إيتمار بن غفير، ونوعام بزعامة آفي ماعوز) والذي فاز في الانتخابات العامة الأخيرة (جرت يوم 1/11/2022) بـ 14 مقعداً في الكنيست المنتخب (الـ 25). وبسبب هذا اليمين المتطرّف وما يحمله من أفكارٍ وما يقوم به من ممارسات ميدانية، توصف الحكومة التي أقامها بنيامين نتنياهو معه، ومع أحزاب اليهود الحريديم (المتشددون دينياً)، وهي حكومته السادسة، بأنها الأكثر تطرفّاً دينياً وقوميّاً حتى من طرف أقرب أصدقاء إسرائيل وحلفائها، كما عبّر عنهم الرئيس الأميركي جو بايدن.
حمل الأسبوع الفائت المزيد من الإشارات إلى أن قائمة الفجوات القائمة بين الإدارة الأميركية الحالية برئاسة جو بايدن وحكومة بنيامين نتنياهو السادسة التي توصف بأنها يمينية كاملة، وواقعة تحت سطوة المستوطنين واليمين المتطرّف، تطول وتطول، وبعض هذه الفجوات يمكن القول بثقة معقولة إنه منطوٍ على دلالات قد تكون بعيدة المدى.
تتعدّد، بالتزامن مع كتابة هذه الكلمة، الإشارات القوية إلى أن الأسبوع الحالي سيشهد تصعيداً غير مسبوق في حراك الاحتجاج على خطة الحكومة الإسرائيلية الرامية إلى إضعاف الجهاز القضائيّ. وأعتقد أن هذا الأمر بحدّ ذاته يستلزم منّا أن نتوقف عند هذه الإشارات ولو من باب الرصد، إلى جانب القيام بعرض آخر المستجدات المرتبطة بخطة الحكومة المذكورة والتي أعلنها وزير العدل الإسرائيلي ياريف ليفين قبل أكثر من نصف عام (يوم 3 كانون الثاني 2023).
لا يوجد خلاف كبير بين أغلب المحللين الإسرائيليين على أن رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو لديه تحالف استراتيجي مع كتل الصهيونية الدينية واليهود الحريديم المتشددين دينياً والذين يوصفون عادة بأنهم شركاؤه الطبيعيون، وذلك منذ عودته إلى هذا المنصب في العام 2009، بعد أن تولاه بين الأعوام 1996- 1999، ولكن هناك خلاف فيما إذا كان هذا التحالف ما زال خاضعاً إلى سيطرته، ولا سيما في أعقاب تقديمه إلى المحاكمة على خلفية تهم جنائيّة، أم أنه يجعله عرضةً إلى الابتزاز المرة تلو الأخرى بما لا يتوافق مع مواقفه الأصلية. وسواء أكان هذا التحالف واقعاً تحت السيطرة من جانب نتنياهو أو العكس، فإن النتيجة تبدو واحدة في كل ما يتعلّق بالقضية الفلسطينية والأراضي المحتلة منذ 1967. كذلك لا يجوز ألا نأخذ في الاعتبار أن زعماء التيّار الصهيونيّ الدينيّ في الوقت الحالي هم من الجماعات الأكثر تطرّفاً وأن منافسيهم من الأقلّ تطرّفاً لم يعد لهم أدنى تمثيل في الكنيست الحالي.
أعاد مشروع قانون توسيع صلاحيات "لجان القبول" في البلدات اليهودية والذي تم تضمين الدفع قدماً به في الاتفاقيات الائتلافية للحكومة الإسرائيلية الحالية، موضوع تهويد منطقة الجليل بغية الحفاظ على إسرائيل دولة يهودية إلى صدارة الاهتمام. وسبق أن أشرنا، مرات عديدة، إلى أن إسرائيل تعتبر الديموغرافيا مجال اهتمام ذا أهمية من الدرجة الأولى بالنسبة لـ "أمنها القومي".
تحرص صحيفة "هآرتس" وعدد من منظمات المجتمع المدني في إسرائيل منذ فترة على جعل موضوع أولاد طالبي اللجوء الأفارقة والعمال الأجانب، الذين ولدوا في إسرائيل وترفض هذه تجنيسهم، في صدارة اهتمام القوى والأحزاب السياسية المختلفة، ولكن من دون جدوى. فقد كُشف النقاب في الفترة القليلة الماضية عن أن بلدية تل أبيب، التي تتمركز في نطاق منطقة نفوذها الغالبية الساحقة من هؤلاء الأولاد، واتسمت حتى الآن بمعاملتهم نسبياً على نحو إنساني وجيّد عبر مراعاة مبدأ المساواة الكونيّ، بدأت بالتواطؤ مع وزارة التربية والتعليم الإسرائيلية في اتباع سياسة تفرقة بحق هؤلاء الأولاد في مدارس المدينة، بالإضافة- وهذا هو الأهم- إلى اعتماد منهاج تعليمي خاص.
الصفحة 11 من 48