منذ عدة سنوات تناولنا في "المشهد الإسرائيلي" موضوع اتساع المشروع الاستيطاني الإسرائيلي، ليصل إلى المدن والبلدات داخل الخط الأخضر.

وفي هذا الإطار أشرنا إلى أن الهدف من هذا الزحف الاستيطاني هو طرد العرب مما يعرف بـ "المدن المختلطة"، يافا وعكا واللد والرملة، ومحاصرتهم في المدن والقرى العربية، وتهويد البيوت العربية.

وجاء في أحد التقارير:
تتم إقامة الغالبية العظمى من البؤر الاستيطانية في المدن والبلدات اليهودية، بهدف تقوية "الروح اليهودية" داخل إسرائيل. ويطلق على هذه البؤر الاستيطانية اسم "الأنويـة التوراتية". وهي تحصل على تمويل من الحكومة الإسرائيلية ومؤسساتها ومن شتى البلديات ومن شركات وجمعيات استيطانية.

وجميع الذين يسكنون في هذه "الأنوية التوراتية" هم مستوطنون قدموا من معاقل المتطرفين في مستوطنات الضفة الغربية، مثل "كريات أربع" و"بيت إيل" و"ألون موريه" و"فيدوئيل"، وينتمون إلى التيار الديني - القومي - الصهيوني وباتوا يعرفون باسم "المستوطنين الجدد". ويضطلع الحاخامون المتطرفون بدور أساس في إقامة هذه البؤر الاستيطانية، وخصوصا تلك التي أقيمت في قلب الأحياء العربية في "المدن المختلطة".

فمثلا حاخام صفد، شموئيل إلياهو، المعروف بالفتوى التي أصدرها وتحظر بيع أو تأجير البيوت للعرب، هو أحد مؤسسي البؤرة الاستيطانية في حي عربي في عكا.

والحاخام المتطرف شلومو أفينير، الذي وقع على الفتوى ذاتها، كان بين المبادرين لإقامة البؤرة الاستيطانية في قلب حي العجمي العربي في يافا.

والحاخام المتطرف زلمان ميلاميد، الذي وقع هو الآخر على الفتوى العنصرية، كان من المبادرين لإقامة البؤرة الاستيطانية في حي عربي في مدينة الرملة.

ويسعى "المستوطنون الجدد" إلى استفزاز السكان العرب في "المدن المختلطة". وهم يفعلون ذلك بعدة أساليب، بدءا بالطواف في الأحياء العربية، بمشاركة عشرات وأحيانا المئات من الفتية، يغنون أغاني دينية ويثيرون ضجة. وأحيانا يهتفون شعارات ضد العرب، الأمر الذي يؤدي إلى احتكاكات بين الجانبين، وسرعان ما تنطلق إلى التراشق بالحجارة والمشادات وإطلاق عبارات عنصرية ضد العرب مثل "أخرجوا من هنا" و"أرض إسرائيل لنا".

وأكد مواطنون عرب لصحيفة "يديعوت أحرونوت" أنهم يشعرون بالاستفزاز، بل بالعدوان، من سعي المستوطنين إلى شراء بيوتهم وعدم إخفاء نواياهم بطرد السكان العرب الأصليين من المدن. ويوجد في البؤرة الاستيطانية في الرملة 60 عائلة، وهناك 60 عائلة في "النواة التوراتية" الاستيطانية في قلب العجمي في يافا، و110 عائلات استوطنت في عدة أحياء في عكا بينها ذات أغلبية عربية، وفي اللد يصل عدد "المستوطنين الجدد" إلى 300 عائلة تسكن في عدة أحياء غالبيتها أحياء ذات أغلبية عربية أو أحياء مختلطة.

تمويل حكومي

وقررت الحكومة الإسرائيلية منذ العام 2011 رصد تمويل سنوي بملايين الشواكل من وزاراتها المختلفة، وذلك بعد جهد قام به عضو الكنيست المستوطن أوري أريئيل، من كتلة "الاتحاد الوطني" اليمينية المتطرفة (وزير الزراعة الحالي). وبعد الإعلان عن القرار الحكومي، قلب أريئيل الحقائق بقوله إن "الأنوية تساعد في تقوية الأساس اليهودي في تجمعات سكانية يهددها العرب. وإنه لمفخرة أن نأتي على ذكر الأنوية في عكا واللد والرملة وغيرها والإشارة بالبنان إلى موقف صمود أعضاء النواة في يافا الذين يواجهون حملة نزع شرعية عنصرية من جانب السكان العرب".

وعقبت "يديعوت أحرونوت" على أقوال أريئيل بأنه "كأن الحديث يدور حول إقامة بؤر استيطانية في منطقة معادية وليس في مدن في قلب الدولة". وأشارت الصحيفة إلى أن الكثيرين من "المستوطنين الجدد" جاؤوا من المستوطنات في عمق الضفة الغربية، وبعضهم يسكن لأول مرة داخل الخط الأخضر، وهم مشحونون بالطاقة نفسها التي يفرغونها ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية "وبروح قتالية".

وتبين أن هناك خلافات بين "المستوطنين الجدد". وقالت الصحيفة إنه ليس جميعهم ينظرون بعين الرضى إلى مظاهرات الطواف الاستفزازية في الأحياء العربية. كذلك فإن نقل "النواة التوراتية" في الرملة إلى حي عربي في المدينة يثير خلافات كبيرة. ووصلت الخلافات حدا أعلن فيه قسم من عائلات "المستوطنين الجدد" عن نيته المغادرة والرحيل للسكن في مكان آخر.

واعترفت شابة من "المستوطنين الجدد" بأنه "يوجد نقاش كبير. ونحن وعائلات أخرى نعارض نقل النواة التوراتية إلى الحي العربي. لقد جئنا لدعم الوجود اليهودي وليس لنجلس على وريد العرب. والمسيرة التي جرت في الحي كان هدفها الاستفزاز [للعرب] برأيي. إنهم يتحدون، ويسيرون هناك برأس مرفوعة، ويحضرون أصدقاء، وعندها بعد أن يتعرضوا لرشق بالحجارة والمشادات، يريدون أن نأتي وندعمهم للقيام بضجة".

وقالت مستوطنة أخرى إن "أشخاصا من بيت إيل وألون موريه اشتروا بيوتا في الحي. هؤلاء نواة أيديولوجية متشددة. نحن جئنا إلى الرملة من أجل دعم اليهود، لكن هم جاؤوا على ما يبدو إلى الأحياء العربية ليُظهروا أن كل أرض إسرائيل لنا، وأننا موجودون في كل مكان". وأكدت المستوطنة "سوف يدفعون الثمن، فسكان الحي [العرب] لا يتعرضون للسكان اليهود القدماء وإنما للذين وصلوا حديثا فقط، وهم [العرب] يعرفون الفرق" بين القدماء والمستوطنين.

وأقام "المستوطنون الجدد" بؤرهم المسماة بـ "الأنوية التوراتية" في 80 مدينة وبلدة في إسرائيل، بينها البؤر الاستيطانية في "المدن المختلطة".

وبدأ هذا المشروع الاستيطاني منذ عشرات السنين لكنه اتسع بشكل كبير في أعقاب تنفيذ خطة الانفصال عن قطاع غزة وتعليق البناء الاستيطاني في الضفة الغربية، بحسب "يديعوت أحرونوت".

ووفقا للصحيفة فإن "المستوطنين الجدد" لا يتوجهون إلى مستوطنات الضفة ويقدرون بأنهم سيواجهون صعوبة في العثور على بيت خلف الخط الأخضر، ولذلك فإنهم يبحثون عن أقرب مكان من المحيط الذي ترعرعوا فيه.

وقال مدير عام "صندوق الجاليات" الذي يركز "الأنوية التوراتية"، شاي توفيل، "إننا لا نذكر حجما كهذا من التوجهات إلينا. والأنوية تتسع بسرعة وهناك طوفان من الطلبات لإقامة أنوية أخرى". وقالت الصحيفة إنه يجري التخطيط حاليا لإقامة 16 "نواة توراتية" جديدة في مدن وبلدات إسرائيلية. وأضاف توفيل أن "هدفنا هو إقامة 300 نواة في جميع أنحاء البلاد. وهؤلاء هم نفس الأصدقاء الذين يستوطنون [في الضفة]، لكنهم يطبقون الدعوة المشهورة ’الاستيطان في القلوب’".

وأشارت "يديعوت أحرونوت" إلى أن "المستوطنين الجدد" لا يقولون ذلك بصوت مرتفع، لكن إذا حدث ما يصفونه بأنه "الكارثة الكبرى"، أي إخلاء أعداد كبيرة من المستوطنين في الضفة الغربية، فإن من شأن هذه الخطوة أن تعطي دفعة قوية لمشروع "الأنوية التوراتية" والتأثير على النسيج الاجتماعي في المدن الإسرائيلية.

وإضافة إلى مخطط إقامة 300 "نواة توراتية" فإن "المستوطنين الجدد" يخططون للاندماج في الحكم المحلي. بل إنهم يتحدثون عن رئيس بلدية يخرج من مشروعهم. وقال توفيل "تحولنا إلى مجموعة قوية، ونحن نتطلع إلى ترجمة هذه القوة إلى خطوط عملية والدخول في أجهزة الحكم المحلي. ونحن لا نريد أن نبقى أولئك الذين نبتهج فقط في يوم القدس وعيد الفصح، ولسنا من أتباع حباد [حركة يهودية أصولية]، ولدينا طموحات قيادية بكل تأكيد".
ووفقا للموقع الالكتروني لمشروع "الأنوية التوراتية"، فإن العضو يتطوع 25 ساعة في الشهر في أعمال لصالح "النواة". وبين أهدافهم تحسين التعليم. والبؤرة الاستيطانية في اللد، وهي من أكبر البؤر، تشغل شبكة مؤسسات تعليمية ومشاريع تربوية. ويستغل أعضاء هذه "الأنوية" الضائقة الاقتصادية لدى قسم من السكان ويوزعون عليهم مواد غذائية في الأعياد.

الأربعاء, يوليو 17, 2019

مركز مدار

المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية "مدار"، هو مركز بحثي مستقل متخصص بالشأن الإسرائيلي، مقره في مدينة رام الله. تأسس في  العام 2000، بمبادرة مجموعة من المثقفين والأكاديميين الفلسطينيين، من بينهم: الشاعر الكبير الراحل محمود درويش، د. ليلى فيضي، د. علي الجرباوي، د. أحمد حرب، وليد الأحمد، وأكرم هنية. تم تسجيل المركز كجمعية أهلية غير ربحية.

القائمة البريدية