نشر "مركز هرتسليا متعدد المجالات"، في نهاية أيلول الماضي، وثيقة الرؤى والتصورات الناتجة عن مؤتمره الأخير حول "ميزان المناعة والأمن القومي الإسرائيلي" الذي عقده في أيار الفائت تحت عنوان "إسرائيل في عهد قرارات الحسم الاستراتيجية، بين الاستقرار والتغيير والمواجهة".

وأشارت الوثيقة إلى أنه بعد مرور سبعين عاما على إقامتها، ما زالت إسرائيل تتمتع ببيئة أمنية وسياسية واقتصادية مريحة، لكن يمكن بوضوح رؤية سحب من القلق، وقد اتسمت الدورة الثامنة عشرة لمؤتمر هرتسليا في أيار 2018 بترقب عال حيال تزايد التهديدات الأمنية الخارجية، وتصاعد التهديدات الداخلية حيال المناعة الوطنية.

وخلال المؤتمر، لوحظ أن هناك تصعيداً في المواجهة بين إسرائيل وإيران، التي تعتبر التهديد الأساس لإسرائيل، حيث أنه بالإضافة إلى تطلعات نظام طهران نحو الهيمنة الإقليمية، يسعى هذا النظام لتدمير إسرائيل. وفي أثناء التصعيد، الذي شهده شهر أيار، دمرت إسرائيل بشدة البنية التحتية والأرصدة العسكرية الإيرانية العملانية في سورية، وحاولت إيران مهاجمة إسرائيل لكنها فشلت. غير أن هذه الجولة من التصعيد لم تتسبب بثني إيران عن مواصلة محاولاتها لترسيخ نفسها عسكرياً في سورية، ولذلك يمكن الافتراض بأن هذه الجولة من التصعيد لم تكن الأخيرة، ومع هذا فإن احتمال بدء معركة بين إيران وإسرائيل في المستقبل المنظور منخفض، والتصعيد الأخير وخفوته السريع يشهدان على حقيقة أن كلا الطرفين غير معنيين بالحرب في الوقت الحالي.

وأضافت الوثيقة أنه جنباً إلى جنب التهديد الذي تشكله إيران، فإن العلاقة بين إسرائيل والفلسطينيين ما تزال تشكل تحديّاً كبيراً وذا مغزى، حيث أن استمرار غياب حل الدولتين يضع إسرائيل في مسار تصادمي استراتيجي وفي مواجهة أمامية مع المنظومة الفلسطينية لأجيال عديدة قادمة، كما أن تراجع العملية السياسية وإبعاد فرص التوصل إلى اتفاقية سلام مع الفلسطينيين يمثلان الخطر الحقيقي على فكرة "دولتين لشعبين" وتدعيماً لخطر قيام "دولة واحدة للشعبين"، لذلك فإن إيجاد نقطة تحول في المحور الإسرائيلي- الفلسطيني هو أمر حيوي بالنسبة لإسرائيل، لا يقل أهمية عن توسيع قاعدة الشراكة مع الدول العربية من أجل التعامل مع إيران.

وأكدت الوثيقة أن المطلوب من إسرائيل في هذين المحورين المركزيين هو تحديد الأولويات الإستراتيجية والتهديدات، وذلك من أجل تصميم بيئة استراتيجية تضعف توسع إيران وحلفائها من جهة، وتسعى من جهة أخرى لإحداث تغيير وتجنب الصدام مع الفلسطينيين.

وتحت عنوان "التحدي الاستراتيجي في الساحة الفلسطينية"، جاء في الوثيقة:

قد يؤدي تآكل صلة حل الدولتين بتسوية الصراع مع الفلسطينيين إلى تحويل خطر "دولة واحدة لشعبين" إلى خطر ملموس فعلاً، وإلى جعل إسرائيل على وشك الدخول في مواجهة إستراتيجية مع المنظومة الفلسطينية لأجيال عديدة، عبر تصعيد عنيف، حيث أنه بغياب القيادة المخضرمة لمنظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الفلسطينية، سيشكل الفلسطينيون مخاطر أمنية واستراتيجية كبيرة. ولا شك في أن وجود خطة إستراتيجية من طرف حركة حماس للسيطرة على منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الفلسطينية يشكل تهديدات خطيرة للأمن القومي الإسرائيلي.

وبناء على ذلك أكدت الوثيقة أن خلق نقطة تحول في المسار الإسرائيلي- الفلسطيني هو أمر ضروري بحدّ ذاته، لكنه مهم للغاية أيضاً الآن في سبيل إضعاف حماس، وخوض المواجهة مع إيران، وإقامة شراكة مع الدول العربية، وفي الوقت ذاته لا يوجد أساس للافتراض بأن الدول العربية ستفرض على الفلسطينيين ترتيبات لا تلبي توقعات الحد الأدنى لديهم.

وتطرقت الوثيقة إلى خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب المرتقبة للسلام بين إسرائيل والفلسطينيين، فقالت إنه في حال تقديم هذه الخطة، لدى نشرها، تسوية لا تلبي توقعات الحد الأدنى للفلسطينيين، فيمكن أن يؤدي هذا إلى اندلاع مواجهة بين إسرائيل والفلسطينيين. وفي ظل هذه الظروف، فإن الافتراض بأن الدول العربية ستجبر الفلسطينيين على قبول الخطة هو وهم خطر. ويجب على المرء ألا يتجاهل حدود النفوذ العربي في الساحة الفلسطينية، ودرجة استعداد الزعماء العرب للتصرف ضد المواقف التقليدية السائدة في الرأي العام في العالم العربي. كما أنه في هذا الإطار لا بُدّ من القول إن قوة الفلسطينيين منخفضة ولكنها ليست معدومة أو قليلة الأهمية.

وأشارت الوثيقة إلى أن مركز الثقل يجب أن يخضع للحاجة إلى مواجهة وإحباط خطة حماس الإستراتيجية للسيطرة على منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الفلسطينية، فالتصعيد العنيف مع الفلسطينيين سيمنع الجيش الإسرائيلي من التركيز على التهديد الأساس ويمكن أن يقوي حماس، والمواجهة بين إسرائيل والفلسطينيين سوف تخدم فقط مصالح حماس وإيران وميليشياتها، وستواجه إسرائيل مخاطر أمنية واستراتيجية وسياسية، لذلك فإن كل محاولة حقيقية من إسرائيل لإعادة تنشيط العملية السياسية والحفاظ على الأفق السياسي تبدو أمراً حيوياً، حتى لو كانت فرص تحقيق اتفاق شامل ضئيلة.

ولفتت الوثيقة إلى أن الأفق السياسي يعني عودة حل الدولتين كبديل واقعي وقابل للتطبيق، بالإضافة إلى أن التقدم في العملية السياسية وخلق أفق سياسي حيويان لضمان استمرار التعاون بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية. علاوة على ذلك، من المرجح أن حدوث تصعيد عنيف بين إسرائيل والفلسطينيين سيؤثر بشكل سلبي على جيرانها والشركاء الاستراتيجيين لإسرائيل في المنطقة ويؤدي إلى تقويض العلاقات معهم.

كما نوهت الوثيقة بأن التحدي المباشر والعاجل في ساحة الصراع مع الفلسطينيين هو التعامل مع أزمة الوضع الإنساني في قطاع غزة، وأكدت أن على إسرائيل أن تعمل على تخفيف حدة الأزمة الإنسانية في غزة، جنبا إلى جنب بث رسالة ردع واضحة بالتعاون مع المجتمعين الدولي والعربي، فحواها أنه مع استمرار سيطرة حماس على غزة لا يوجد أي حل، وبالتالي يمكن بتلافي هذه العقبات حل الأزمة وإعادة تأهيل اقتصاد قطاع غزة. وسوية مع ذلك يجب إيجاد طرق لتخفيف الأزمة ومنع تدهورها وأيضا السعي لإضعاف حماس وتقليص الانجذاب الفلسطيني الداخلي إلى طريق العنف والإرهاب.

الخميس, نوفمبر 15, 2018

مركز مدار

المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية "مدار"، هو مركز بحثي مستقل متخصص بالشأن الإسرائيلي، مقره في مدينة رام الله. تأسس في  العام 2000، بمبادرة مجموعة من المثقفين والأكاديميين الفلسطينيين، من بينهم: الشاعر الكبير الراحل محمود درويش، د. ليلى فيضي، د. علي الجرباوي، د. أحمد حرب، وليد الأحمد، وأكرم هنية. تم تسجيل المركز كجمعية أهلية غير ربحية.

القائمة البريدية