كلما توالت الأيام بعد سن "قانون القومية" في الكنيست، تجد رموز حكومة بنيامين نتنياهو نفسها أكثر تحررا في المجاهرة بالنوايا الحقيقية التي تقف خلف هذا القانون. فهم يتوقعون وضع حد لجدالات وإزالة حواجز عدة أمام سياسات الحكومة، مثل منع لم شمل العائلات الفلسطينية ومنح امتيازات تفضيلية لمدن وبلدات يهودية، دون ضرورة الالتزام بواجب المساواة مع بلدات عربية تعيش الظروف ذاتها. كما برزت لهجة التهديدات المباشرة للمحكمة العليا، وخاصة من وزيرة العدل أييليت شاكيد ("البيت اليهودي") ووزير السياحة ياريف ليفين (الليكود)، بشأن نهج المحكمة المستقبلي ومصير عدد من الالتماسات التي قدمت إلى المحكمة ضد القانون.

 

وأبرز الالتماسات التي قُدمت إلى المحكمة العليا حتى الأسبوع الماضي هي: التماس مركز "عدالة" الحقوقي الفلسطيني، باسم لجنة المتابعة العليا لقضايا الجماهير العربية في إسرائيل واللجنة القطرية لرؤساء السلطات المحلية العربية وكتلة "القائمة المشتركة" في الكنيست. ويطالب هذا الالتماس المحكمة بإلغاء "قانون القومية" كلياً؛ التماس كتلة "ميرتس"، إضافة إلى التماس قدمه أعضاء كنيست وضباط احتياط من الطائفة العربية الدرزية وغيرهم.

وحسب ما نشر، ستعقد المحكمة العليا أولى جلساتها للنظر في هذه الالتماسات في الشهر الأول من العام المقبل 2019.

ويستبعد كثيرون أن تقرر المحكمة العليا إلغاء القانون كليا ويقولون إنها قد توصي بتعديله، "في أحسن الأحوال"، مثل أن يتم إدخال مبدأ "المساواة" الذي يلقى معارضة واسعة في الائتلاف الحاكم، أو مبدأ الديمقراطية، أو كليهما معا. ويشدد الائتلاف على رفض مبدأ المساواة لعدة أسباب، أولها أنه يلغي عمليا تفضيل اليهود، كما نص عليه القانون، ولكنه قد يسمح أيضا لشرائح يرفضها المتدينون بالمطالبة بالمساواة في الحقوق في مواجهة المؤسسة، مثل مثليي الجنس أو النساء وغيرهما.

ورغم التوقعات بأن المحكمة العليا لن تلغي القانون، إلا أن وزيرة العدل شاكيد راحت تهدد المحكمة العليا مباشرة بـ"حرب سلطات" إذا ما أقدمت على إلغاء القانون. وقالت شاكيد، في مقابلة مع إذاعة الجيش الإسرائيلي، "إن قضاة المحكمة العليا أشخاص جديون للغاية ومهنيون. والكنيست هو الهيئة التأسيسية، وهو من يسنّ القوانين الأساسية. وعلى القضاة أن يفسروا القوانين استنادا إلى قوانين الأساس. ولا أعتقد أنه ستكون أغلبية في المحكمة العليا لاتخاذ قرار يلغي القانون". وأضافت: "إنني آمل جدا أن لا يحصل هذا، وإذا ما حصل، فسيُحدث هزة أرضية، وستقوم حرب بين السلطات".

وتابعت شاكيد قائلة: "ليس في هذا القانون، عينيا، أي شيء يقلب الواقع. لقد كُتبت فيه القيم التي على أساسها قامت الدولة، قيم الاستيطان والهجرة، الهوية القومية، وهي قيم تلقى إجماعا". وقالت إنه "مع السنين، أعطت المحكمة العليا وزنا كبيرا لقيمة الديمقراطية ولقيم المساواة، وأعتقد أن ذلك جرى على حساب القيم القومية في حالات معينة. ولذا جاء قانون القومية ليوفر للمحكمة أدوات قومية أيضا".

وقالت شاكيد: "لقد أخذت المحكمة العليا لنفسها صلاحية إلغاء قوانين عادية، إذا كانت تتعارض مع قانون أساس. لكن ليست هنالك أية دولة أخرى تدخلت فيها المحكمة العليا والغت أجزاء من دستورها".

وزعمت شاكيد أن القانون لا يمس بالأقليات، وقالت إنه "يجب معالجة مشاكل الدروز" و"عدم تصنيفهم يساريين، أو أنهم يسعون للمس بالحكومة".

وقال وزير السياحة ياريف ليفين، وهو من أبرز المبادرين لقانون القومية بصيغته المتشددة، في مقابلة مع صحيفة "هآرتس": "إن القانون وضع حدا لعملية المسّ المستمر بمكانة الدولة كدولة للشعب اليهودي". وتابع قائلا إن القانون يهدف إلى استكمال تغيير وجه جهاز القضاء، على الرغم من أنه تم تخفيف الكثير من بنود القانون، "ولو نظرنا إلى الهستيريا الرهيبة التي سيطرت على اليسار الإسرائيلي بعد إقرار القانون، فسنفهم أن القانون ممتاز".

وحول الانتقادات التي تأتي من معسكر اليمين بالذات، قال ليفين "صحيح أن القانون لا يتضمن كل ما كنت أريده، إلا أن فيه بالتأكيد مقولات ومقررات هامة. فإذا كانت هنالك ثمة تحديات أمام قانون العودة أو أمام شكل العلم والنشيد الوطني، حتى الآن، فقد جاء قانون القومية ليحدد مبادئ اعتقد أنها كانت مفهومة تلقائيا، ولكن من الجيد أن يتم تدوينها في القانون".

وأصر ليفين في حديثه للصحيفة على عدم إدراج مبدأ المساواة في القانون، لأن "من شأنه نقض قانون العودة". وقال "إن القانون يوفر أدوات قضائية لم تكن متوفرة في الماضي، فإذا لم يكن بإمكاننا أن نقرر حتى اليوم تقديم مساعدة عينية لمدينة نتسيرت عيليت، من أجل تعزيز السيطرة اليهودية فيها، مثلا، فإن هذا القانون سيسمح بذلك. إنه لا يسمح بكل ما كنت أريده، ولكن ما تضمنه القانون يسمح بمنح محفزات وامتيازات للحفاظ على الطابع اليهودي".

يشار إلى أن مدينة نتسيرت عيليت أقيمت بمبادرة من دافيد بن غوريون في العام 1956، كبلدة صغيرة على عشرات آلاف الدونمات التي صودرت من أراضي مدينة الناصرة وقراها المجاورة، الرينة والمشهد وعين ماهل وكفركنا. وكان مخطط المؤسسة الحاكمة يطمح لأن تبتلع نتسيرت عيليت مع السنين المنطقة العربية بأسرها، لكن ما حصل هو أن المدينة اليهودية حاصرت الناصرة وكل القرى المجاورة، وخلقت اختناقا سكانيا، وبدأت عائلات عربية تنتقل تدريجيا للسكن في المدينة.

والواقع اليوم أن نتسيرت عيليت فيها أقل من 45 ألف نسمة وتبلغ نسبة العرب فيها رسميا حوالي 25%. أما فعليا، أي مع العائلات العربية التي تسكن فيها فعليا لكنها ما تزال مسجلة في بلداتها الأصلية، فإن نسبة العرب في هذه المدينة تصل إلى 30%. ويشكل العرب غالبية الشريحة الميسورة في المدينة ويملكون غالبية البيوت في الأحياء المتطورة، أو أحياء الميسورين. كما يشكل العرب أيضا نسبة غير قليلة في الأحياء القديمة، التي تسكنها الشرائح الاجتماعية الضعيفة في المدينة. وفي المقابل، تشهد المدينة حالة هجرة مستمرة من الأجيال الشابة اليهودية. ولذا تسعى السلطات إلى إقامة حي جديد خاص بالمتدينين الحريديم، في محاولة للتغلب على هجرة العرب ونسبة تكاثرهم.

ويشار أيضا إلى أن العرب في هذه المدينة باتوا يشكلون قوة سياسية ممثلة بكتلة تحالفية من القوى الوطنية في المجلس البلدي، ورئيسها د. شكري عواودة هو نائب رئيس البلدية. وقد ظهر نموذج نتسيرت عيليت مرارا على ألسنة ساسة اليمين المتطرف خلال المداولات حول قانون القومية.

وتابع ليفين قائلا إن القانون يوفر ردا على مسألة أخرى هي قانون الطوارئ الذي يتم تمديده سنويا، لمنع لم شمل العائلات الفلسطينية التي أحد الوالدين فيها من الضفة الغربية أو قطاع غزة المحتلين. وقال إنه "من خلال قانون القومية، نستطيع منع لم شمل العائلات الفلسطينية ليس فقط لدوافع أمنية، وإنما أيضا بدافع الحفاظ على طابع الدولة، كدولة قومية للشعب اليهودي".

وكان رئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، قد قال في جلسة حكومته الأسبوع الماضي، إن "قانون القومية يحصّن قانون العودة (الذي يجيز لليهود فقط الهجرة لفلسطين)، بالدرجة الأولى. إنه يرفعه إلى مرتبة أخرى، إذ يضمن هذا القانون بطبيعة الحال حقا تلقائيا يمنح اليهود، وهم فقط، حق الهجرة إلى إسرائيل والحصول هنا على الجنسية الإسرائيلية. قانون القومية يمنع، على سبيل المثال، استغلال بند لم الشمل، الذي تم بموجبه استيعاب عشرات الآلاف من الفلسطينيين في إسرائيل منذ اتفاق أوسلو، وهذا القانون يساهم في منع دخول فلسطينيين إلى إسرائيل بدون مراقبة"، حسب تعبير نتنياهو.

ويقول ليفين إن الهدف المركزي من القانون هو "أن يتيح لقضاة المحكمة العليا ذوي التوجهات اليمينية أن يعبروا عنها في قراراتهم، استنادا إلى القانون". ويقول: "إن هذا القانون مهم لأنه يمزق القناع عن وجه القضاة الحاليين. فحتى اليوم، كان بإمكانهم أن يتستروا من خلف الادعاء بأنهم مقيدون بأحكام قوانين الأساس القائمة. لكن هذا لا يعني انه ليس بإمكان قلة منهم الحكم وفق قناعاتهم السياسية، وليس وفق القوانين القائمة".

محللون يحذرون من استهداف القضاء

المعركة على طابع المحكمة العليا الإسرائيلية، رغم أنها ما شذّت يوما عن القاعدة الأساس في التوجهات الصهيونية التي تحكم مؤسسات السلطة على مدار السنين، هي معركة قائمة منذ زمن طويل. لكنها احتدت أكثر مع عودة بنيامين نتنياهو، كزعيم لليمين الاستيطاني، إلى رئاسة الحكومة في العام 2009. إلا أن نتنياهو كان في الحكومتين السابقتين مقيداً بائتلافين لم يسمحا له بتطبيق أجندته. ورغم ذلك، نجحت الأغلبية اليمينية خلال السنوات السابقة في تعيين المزيد والمزيد من القضاة المحسوبين على معسكر اليمين المتشدد والاستيطاني.

وقد تبدّل الحال لصالح نتنياهو واليمين الاستيطاني ككل في الحكومة الحالية. ففي اتفاقيات الائتلاف الحاكم، التي تم توقيعها في شهر أيار العام 2015، ظهر خلاف واضح في كل ما يتعلق بالتعامل مع جهاز القضاء. فقد اعترضت كتلة "كولانو"، برئاسة وزير المالية موشيه كحلون، على بندين وردا في الاتفاقية التي وقعها حزب الليكود مع الشركاء الثلاثة من تحالف أحزاب المستوطنين، وهم "البيت اليهودي" والكتلتان اللتان تمثلان اليهود الحريديم، شاس ويهدوت هتوراة، حول دعم مشروع قانون يسمح للكنيست بإعادة سن قانون ألغته المحكمة العليا، ما يعني تقليص صلاحيات المحكمة العليا في نقض قوانين، إضافة إلى الاتفاق مع هذه الأحزاب على تغيير تركيبة لجنة تعيين القضاة، بحيث يرتفع وزن السياسيين فيها- ممثلي الحكومة والكنيست- ما يجعل الجهاز القضائي خاضعاً أكثر للجهاز السياسي.

وقد رفض الشريك الأكبر في الحكومة، حزب "كولانو"، كل ما من شأنه أن ينتقص من مكانة المحكمة العليا، لكن هذا الحزب تراجع خلال السنوات الثلاث الأخيرة عن الكثير من تحفظاته في عدة أمور، من بينها السعي لتقويض المحكمة العليا والموقف المتحفظ من "قانون القومية".

وقالت صحيفة "هآرتس"، في مقال افتتاحي، إن "تهديد شاكيد هو جزء من خطوة أوسع وأخطر: فشاكيد وليفين على حد سواء يسعيان لجعل المحكمة ذراعا سياسية لليمين القومي المتطرف. وهما لا يخفيان النية بأن لا يُعيَّن في المحكمة العليا إلا من يفكر مثلهما فقط. وبهذا الشكل يمارس الضغط على كل مَن يسعى ليكون قاضيا في المحكمة العليا كي يصدر قرارته القضائية وفقا لتوقعات الوزراء ورغباتهم. من الصعب وصف حجم الضرر الذي لحق باستقلالية القضاء من جراء هذه الخطوات. من الواجب أن نذكر ما هو مسلّم به، ألا وهو أنه لا معنى لجهاز القضاء إذا غابت استقلاليته".

وقالت الصحيفة إن الوزيرين يكرران "الكذبة الخالصة التي تشكل أساس دعاية اليمين والتي تقول إنه لم يكن في الأساس الدستوري ما يكفي لتثبيت طابع الدولة كدولة قومية للشعب اليهودي. هذا ليس صحيحا إلا بالنسبة لمن يعتقد مثلها بأن إسرائيل تعاني من فائض حقوق إنسان وفائض مساواة. تحت ستار الأكاذيب من طرف شاكيد وليفين، يُطل الرأس البشع لحكومة عنصرية".

وقال البروفسور مردخاي كريمنتسر، نائب رئيس "المعهد الإسرائيلي للديمقراطية"، في مقال مطول له في صحيفة "هآرتس"، إن وزيرة العدل شاكيد تتحدث عن إمكانية نشوب "حرب سلطات" في إسرائيل. لكن حربا كهذه قائمة منذ سنوات، وهذا يظهر أساسا في الهجوم المباشر على المحكمة العليا من خلال سيل من اقتراحات القوانين التي تهدف إلى المس بصلاحيات المحكمة العليا واستقلاليتها، كما في تصريحات سياسيين يهاجمون بشدة قرارات المحكمة العليا ويدّعون بأنها قرارات تخرج عن صلاحيات المحكمة. ومن بين هؤلاء السياسيين أييليت شاكيد نفسها.

ويضيف كريمنتسر: إن تصريحات شاكيد الأخيرة هي تهديد مباشر للمحكمة، في حال قبلت بالالتماسات التي قدمت لها بخصوص "قانون القومية"، دون أن تلتفت إلى ضرورة الحفاظ على استقلالية القضاء. وقال إن السعي لتعيين قضاة في المحكمة العليا يلائمون توجهات شاكيد السياسية، والتهديدات المستمرة للمحكمة، كل هذا ينقض واجب الحفاظ على استقلالية جهاز القضاء.
ويقول كريمنتسر إنه في إسرائيل بالذات، لا مفر من الاعتراف بصلاحية المحكمة العليا في التدخل بقوانين أساس، بل صلاحية إلغائها حتى.

وعدّد كريمنتسر سلسلة من القوانين التي تستهدف العرب والجمعيات والمراكز والناشطين الحقوقيين والعمال الأجانب، وقال إن "هذا التراكم من القوانين الظالمة والغبية ليس صدفة، لكن الأمر يستدعي النظر إلى الصورة الكاملة. فإجراءات التشريع هذه تستهدف تصفية التمايزات الضرورية بين الحكم والدولة، بين المجتمع والدولة، بين حكم الأغلبية وحكم الشعب. وإحدى الخصائص الضرورية للديمقراطية هي الفضاءات المستقلة التي تنشئها الدولة إلى جانب السلطة ومقابلها: وسائل الاعلام، التعليم، الثقافة، التعليم العالي والبحث العلمي، الدين ومنظمات المجتمع المدني".

ويقول المحلل في شؤون القضاء موشيه غورالي، في مقال له في صحيفة "كالكاليست"، إن المحكمة العليا لم تلغ حتى الآن قانون أساس من شأنه أن يكون جزءا من الدستور، كما أن هذا لم يحدث حتى الآن في أي من الدول الغربية، ولكنه حصل في تركيا والهند. ففي تركيا قررت المحكمة الدستورية أن تعديلاً قانونيا ما من شأنه أن يمس بالطابع العلماني للنظام. ويسأل غورالي فيما إذا كانت إسرائيل ستنضم إلى هاتين الدولتين.

ويقول غورالي إن شاكيد صدقت حين قالت إن المحكمة العليا تستطيع التدخل في قانون ما إذا كان يتعارض مع قانون أساس، فقط، إلا أن هناك في المحكمة العليا الإسرائيلية من يعتقد غير ذلك. أحد هؤلاء، كان القاضي العربي سليم جبران السابق الذي خرج إلى التقاعد قبل بضعة أشهر، إذ جاء في أحد قراراته "أعتقد بأنه يجب عدم منع المحكمة العليا من البحث في قوانين أساس ونقضها، بالحذر المطلوب وبموجب معايير مشددة".

ويطرح تأجيل موعد بدء النظر في الالتماسات التي قدمت إلى المحكمة العليا حتى الشهر الأول من العام المقبل، علامات سؤال حول جدية المحكمة في معالجة هذا القانون. فحتى ذلك الوقت، ستكون إسرائيل ـ وهو ما يبدو شبه مؤكد ـ قد أصبحت في قلب معركة انتخابات برلمانية، أو على أبواب الإعلان عنها. كما أن تركيبة المحكمة العليا بقضاتها الـ 15، قد تشهد حتى ذلك الوقت تغييرا إضافيا، يعزز من وزن قضاة اليمين واليمين المتطرف، بموجب التعيينات الجارية في السنوات الأخيرة.

 محطات بارزة في سياق استهداف المحكمة الإسرائيلية العليا

 لم تشذ المحكمة العليا الإسرائيلية، على مدى العقود السبعة الماضية، عن الأساس الجوهري للمؤسسة الحاكمة الإسرائيلية. وكل الاستثناءات في قرارات اتخذتها على مر السنين، لا تقترب من أي مس بصهيونية الحكم و"يهودية الدولة". فالمحكمة العليا تسعى لأن تحظى قراراتها بشرعية ما أمام دول العالم، وخاصة الأوروبية منها، بوصفها محكمة تعطي وزنا ما لحقوق الإنسان.

إلا أن اليمين الاستيطاني رأى في هذه الاستثناءات، ورغم محدوديتها على مر السنين، حجر عثرة أمام تنفيذ جوانب من مخططاته الأوسع. والتقى هذا مع معارضة دائمة من الأطر الدينية المتزمتة، الحريديم، التي رأت أن للمحكمة العليا موقفا ثابتا، أقرب الى مطالب العلمانيين، في مواجهة قوانين الإكراه الديني، إلى جانب موقف المحكمة من "ضرورة" فرض التجنيد العسكري الالزامي بشكل متساو على جميع اليهود، بمعنى على الحريديم أيضا.

وشكّل هذا، مع الوقت، قوة سياسية برلمانية ضاغطة من أجل إحداث تغيير في طابع هيئة قضاة المحكمة العليا، التي كانت تضم 13 قاضيا، ثم تم رفع عددهم إلى 15 قاضيا في السنوات الأخيرة. وبدأت التوجهات نحو إجراء تغيير جوهري في تركيبة لجنة تعيين القضاة، التي تضم ممثلين عن الحكومة والكنيست وجهاز القضاء ونقابة المحامين، بحيث يكون الوزن الأكبر للسياسيين، ثم نحو ضمان أغلبية في اللجنة لمرشحي اليمين الاستيطاني. كما شهدنا في السنوات الأخيرة، أيضا، مساعي لإلغاء صلاحية المحكمة العليا في نقض قوانين أقرها الكنيست. ثم جاء قانون منع الفلسطينيين في الضفة من التوجه بالتماسات مباشرة إلى المحكمة العليا.

وفي ما يلي محطات بارزة في مسيرة استهداف هذه المحكمة:

*أولى المحطات البارزة لمساعي اليمين الرامية إلى تغيير تركيبة هيئة القضاة كانت خلال ولاية نتنياهو الأولى في رئاسة الحكومة بين الأعوام 1996- 1999. وقد جاءت هذه بعد 20 عاما من وصول حزب الليكود الى الحكم للمرة الأولى.

*خلال فترة حكومة كديما برئاسة إيهود أولمرت (2006- 2009). رغم أنها كانت حكومة شارك فيها حزب العمل، ورغم أن حزب كديما كان يظهر وكأنه "يمين معتدل"، إلا أن تحركا قد بدأ منها بمبادرة وزير العدل الأول فيها، حاييم رامون، لتغيير طريقة انتخاب قضاة المحكمة العليا ورئيسها.
فقد تولى رامون وزارة العدل لعدة أشهر في العام 2006، واضطر للاستقالة منها في أعقاب قضية تحرّش جنسي. ولكن الأشهر القليلة تلك كانت كافية لإعلان نواياه بشأن تغيير طريقة تعيين القضاة، ليكون الوزن أكبر للجهاز السياسي. ولكن ليس هذا فحسب، بل عبّر أيضا عن اعتراضه على مدى تدخل المحكمة العليا في القوانين التي يقرّها الكنيست.
وبعد اضطرار رامون إلى الاستقالة، تم استقدام أستاذ القانون دانييل فريدمان لإشغال منصب وزير العدل في حكومة أولمرت. واتضح لاحقا أن فريدمان ذاته كان من الموجهين لرامون وجاء ليكمل المهمة. وهو ما يعني أن هذا المشروع كان أكبر من فكرة شخص عضو في الحكومة. لكن حكومة أولمرت حلّت نفسها قبل إحداث أي تغيير.

*الأيام الأولى من حكومة نتنياهو قبل السابقة، في ربيع العام 2009. أبدى رئيسها نيته في تغيير قوانين وأنظمة تتعلق بعمل جهاز القضاء، وبشكل خاص تقويض صلاحية المحكمة العليا في التدخل في القوانين. ورغم تشكيل حكومتين، وهذه الثالثة، إلا أن مثل هذه القوانين لم تسن بعد، بل جرى تغيير طفيف في لجنة تعيين القضاة. ولكن قبل هذا، نجحت حكومة نتنياهو قبل السابقة في تغيير طريقة تعيين رئيس المحكمة العليا.

*في اتفاقيات الائتلاف الحاكم، التي جرى التوقيع عليها في شهر أيار من العام 2015، ظهر خلاف واضح في كل ما يتعلق بالتعامل مع جهاز القضاء. فقد اعترضت كتلة "كولانو" برئاسة وزير المالية موشيه كحلون، على بندين في الاتفاقية التي وقع عليها حزب الليكود مع الشركاء الثلاثة الآخرين: تحالف أحزاب المستوطنين "البيت اليهودي"، والكتلتان اللتان تمثلان اليهود الحريديم: شاس ويهدوت هتوراة.

وقد نص البندان على: الاتفاق على دعم مشروع قانون يسمح للكنيست بإعادة سن قانون رفضته المحكمة العليا، ما يعني تقليص صلاحيات المحكمة العليا في نقض قوانين؛ والاتفاق على تغيير تركيبة لجنة تعيين القضاة، بحيث يرتفع وزن السياسيين فيها- ممثلي الحكومة والكنيست- ما يجعل الجهاز القضائي خاضعا أكثر للجهاز السياسي.
ورفض حزب "كولانو"، الذي له 10 مقاعد، إدراج هذين البندين في الاتفاقية معه وطلب الإشارة بوضوح إلى رفضه للبندين. وفي حال إقدام رئيس الحكومة على تنفيذ تعهده للأحزاب الدينية، فستفقد الحكومة أغلبيتها البرلمانية التي ترتكز على 66 نائبا من أصل 120 نائبا.

*منذ عودة نتنياهو إلى رئاسة الحكومة في العام 2009، بدأ تغيير تدريجي في تركيبة قضاة المحكمة العليا، ليتم تعيين المزيد من القضاة ذوي توجهات تنسجم مع توجهات اليمين الاستيطاني والمتشدد الذي يسعى إلى التقليل من وزن المحكمة العليا في كل ما يتعلق بالهيئة التشريعية والسياسات الحكومية. وكان واضحا في تصريحات وزيرة العدل أييليت شاكيد ووزير السياحة ياريف ليفين، في الأيام التي أعقبت سن "قانون القومية"، أن اليمين قد ضمن أغلبية يمينية محافظة في هيئة القضاة تضمن رفض الالتماسات ضد القانون. وكانت الوزيرة شاكيد قد صرحت في شهر شباط الماضي بأنها "أتمت المهمة"، في اعقاب آخر التعيينات في المحكمة العليا.

*في الدورة الصيفية للكنيست، التي انتهت في منتصف تموز الماضي، سنّ الكنيست نهائيا قانونا يمنع الفلسطينيين في الضفة المحتلة من التوجه مباشرة بالتماسات إلى المحكمة العليا، وإنما إلى المحكمة المركزية في القدس أولاً.

الخميس, سبتمبر 20, 2018

مركز مدار

المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية "مدار"، هو مركز بحثي مستقل متخصص بالشأن الإسرائيلي، مقره في مدينة رام الله. تأسس في  العام 2000، بمبادرة مجموعة من المثقفين والأكاديميين الفلسطينيين، من بينهم: الشاعر الكبير الراحل محمود درويش، د. ليلى فيضي، د. علي الجرباوي، د. أحمد حرب، وليد الأحمد، وأكرم هنية. تم تسجيل المركز كجمعية أهلية غير ربحية.

القائمة البريدية