قال تقرير جديد لمنظمة "بتسيلم" الإسرائيلية لحقوق الإنسان إن مئات الفلسطينيين محتجزون في سجون إسرائيلية داخل إسرائيل وفي الضفّة الغربية من دون أن تُنسب إليهم أية تهمة، ومن دون اطلاعهم على الأدلة التي يُزعم أنها متوفّرة ضدّهم، ومن دون معرفة متى سيتم إطلاق سراحهم.

 

وأضاف التقرير: تسمي إسرائيل عملية الاحتجاز هذه "الاعتقال الإداريّ". وهذه ليست ظاهرة جديدة، فمنذ عشرات السنين تُقدم إسرائيل على الاعتقال الاداري لمئات الفلسطينيين في أي وقت.

وأورد التقرير بعض المعطيات بهذا الشأن. فوفقاً لإحصائيات تجريها مصلحة السجون الاسرائيلية في أيار 2018 كان هناك 440 معتقلاً إدارياً من بينهم امرأتان وثلاثة قاصرين. وتمديد الاعتقال الإداريّ مسألة روتينية، فمن بين 440 معتقلاً إدارياً جرى احتجاز 126 معتقلاً لمدة ستة أشهر إلى عام واحد (أي أنه جرى تمديد احتجازهم مرة واحدة على الأقلّ) واحتجز 93 منهم لمدة تزيد عن عام (أي جرى تمديد احتجازهم مرتين على الأقل). وفي العام الماضي جرى احتجاز ما يعادل 29 فلسطينياً رهن الاعتقال الإداريّ كل شهر، وتمّ الإفراج عن 37 معتقلاً فلسطينيّاً.
وفي الأعوام العشرة الماضية لم يمرّ شهر دون أن تحتجز إسرائيل على الأقل 150 فلسطينياً رهن الاعتقال الإداري.
وأضاف التقرير:

إن صلاحية إصدار أمر بالاعتقال الإداري تُعتبر صلاحيّة جارفة ومتطرفة. ظاهريّاً يجري فحص أوامر الاعتقال من قِبل المحاكم العسكرية ومحكمة العدل العليا، ومع ذلك فإنّ هذه المحاكم لا تُجري سوى مراجعة قضائيّة شكليّة، تنتهي بالموافقة بشكل روتينيّ على مثل هذه الاعتقالات.

وشمل التقرير إفادات أدلى بها عدد من الفلسطينيين لديهم أقارب هم رهن الاعتقال الإداري.

أول هذه الإفادات كانت لدنيس الحموري (59 عاماً ومن سكّان الرام) التي تحدثت عن اعتقال ابنها، وجاء فيها:
ابني صلاح الحموري، 33 عاماً، رهن الاعتقال الإداريّ منذ تاريخ 23/8/2017. في البداية اعتقلوه لمدة ستة أشهر ومن ثم جرى تمديد الاعتقال لمدة أربعة أشهر إضافية، لكن جرى تمديد اعتقاله مرّة أخرى لفترة ثلاثة أشهر حتى 30/9/2018.

كان صلاح يعمل باحثاً في مؤسسة "الضمير" وهو متزوّج من إليسا مواطنة فرنسية ولديهما طفل يبلغ من العمر عامين. في أيار 2016 ولدى عودة إليسا من زيارة لها في فرنسا جرى إبعادها من مطار بن غوريون بعد أن احتجزوها لمدّة ليلة كاملة وهي حامل في شهرها السّابع. اضطرّت إليسا للعودة إلى فرنسا، وهناك ولدت ابنهما حسن ولم تعد إلى البلاد منذ ذلك الحين.
آمل كثيراً أن يفرجوا عنه في تاريخ 30/9 وألّا يمدّدوا اعتقاله مرّة أخرى. هو لا يستطيع رؤية ابنه الذي لا يفهم مكان وجود والده إذ يبلغ من العمر عامين فقط.

زوجي حسن، 63 عاماً، لا يستطيع زيارة صلاح لأنه يخشى المرور عبر جهاز الأشعة. لقد خضع لجراحة القلب المفتوح في العام 2009 وجرى زرع معدن في صدره. من جهة هو لا يريد أن يتعرض للإهانة والاحتجاز في طريقه إلى السّجن، ومن جهة أخرى يخشى أن يسبّب جهاز التفتيش بالأشعة الأذى له. لكنه على الأقل تمكّن من رؤيته في المحكمة غير أننا لم يكن بمقدورنا التحدث معه أو الاقتراب منه خلال المحاكمة.

أنا أزوره مرّة في الشهر. ويوم الزيارة يوم صعب. يجب أن أستيقظ باكراً، أذهب في السيارة إلى مركز الصليب الأحمر في القدس ومن هناك وفي الساعة الخامسة والنصف صباحاً نتّجه إلى السّجن في حافلة يتمّ تنظيمها من قِبلهم. تستغرق الرحلة ثلاث ساعات ذهاباً وإياباً من القدس إلى سجن النقب. طوال الطريق أفكّر في دوري كأمّ - يجب أن أكون قويّة وأظهر روحاً ايجابيّة لأجل ولدي. عادة يرافقني أحد ولديّ. يُسمح لنا بإحضار خمس صور فقط، نحضر معنا صوراً لابنه لكي يرى كم كبر. أنا أحاول أن أكون قويّة وألّا أبكي أثناء الزيارة كي لا يرى، خاصّة عندما أراه ينظر إلى الصور.

يعلم صلاح أنّ إبعاد الإسرائيليين لزوجته وطفلهما هدفه محاولة كسر معنويّاته وإضعافه. هو أيضاً يحاول أن يُظهر لي أنّه قويّ. أقول له إنه يجب ألّا يقلق وأنّ زوجته وابنه على ما يرام وأن الاعتقال سوف ينتهي قريباً.

قبل ثمانية أشهر قمت بزيارة حفيدي في فرنسا. أمسك بصور والده وظل يسألني متى سيراه ومتى سيعود والده إلى البيت. إنه طفل صغير ومن الصعب أن أشرح له أن والده رهن الاعتقال. الأمر صعب على زوجته أيضاً فهي تريد أن تزوره. أمّا أنا فأحاول دعمهما وتقويتهما.

الأمر صعب عليّ، صلاح لا يستطيع رؤية أبيه ولا زوجته ولا ابنه. من الصعب عليّ أن أتقبّل أن تربّي زوجته طفلهما وحدها. أعاني في صمت. أحاول أن أكون إيجابيّة أمام الجميع ولكن الأمر صعب. وأصعب ما في الأمر رؤية حفيدي حسن، فهو غير مُدرك لما يحدث من حوله.

وأدلت إسراء أبو شهاب (19 عاماً ومن سكّان قلقيلية)، وهي طالبة محاسبة، ومتزوّجة ولها طفل عمره عام واحد، بإفادة أخرى حول اعتقال زوجها، جاء فيها:

في يوم 28/6/2016 تزوّجتُ من محمود أبو شهاب، الذي كان يعمل كعامل بناء في منطقة قلقيلية قبل إرساله إلى الاعتقال الإداريّ في يوم 20/12/2016. بعد الزفاف، انتقلنا للعيش مع أمّه في قرية عزّون. توفيت حماتي في شهر كانون الثاني، بعد اعتقال زوجي. كنت حاملاً في الشهر الثالث ولهذا قرّرت الانتقال للعيش مع أهلي في قلقيلية كي لا أبقى وحيدة.

في 20/12/2016 رافقني زوجي لزيارة الطبيب في قلقيلية وكنت حينئذٍ حاملاً. في طريق العودة أخذنا سيارات أجرة إلى عزّون. عندما وصلنا إلى قرية عزبة الطّيب، أوقف الجنود سيارة الأجرة وأخذوا يفحصون بطاقات هوية الركاب، ثم أنزلوا زوجي من السيارة، وأمروا السائق بمتابعة السفر. أبقوا زوجي معهم وأما أنا فواصلت السفر إلى قرية عزون. بعد يومين أعلمني نادي الأسير الفلسطيني أن السلطات الإسرائيلية أصدرت بحقّه أمر اعتقال إداريّ لمدة ستة أشهر.

قبل نهاية فترة الاعتقال، جدّدوا أمر الاعتقال لفترة ستة أشهر أخرى. ثم طلبوا تمديد الأمر للمرّة الثانية لمدة ستة أشهر إضافيّة. تمكنّا بمساعدة محامي نادي الأسير الفلسطيني من تقليص الفترة إلى أربعة أشهر. لكن بعد مرور الأشهر الأربعة جرى تجديد أمر الاعتقال للمرّة الثالثة لفترة أربعة أشهر إضافيّة. من المقرّر أن تنتهي في يوم 22/8/2018.

لم يتهموا زوجي بارتكاب أية جريمة. تدّعي الأجهزة الأمنية أن هناك ملفاً سريّاً وفقط ضابط "الشاباك" يعرف بأمر الملف، أمّا نحن فليس لدينا أيّة فكرة عن سبب استمرار اعتقاله منذ أكثر من عام ونصف.

جرى اعتقال زوجي ولم تمرّ أربعة أشهر على زواجنا. كان مؤلماً جدّاً بالنسبة لي أن أنجب ابننا في غيابه. لقد مرّت عليّ اللحظات الصعبة واللحظات الجميلة من فترة الحمل وأنا وحدي. لقد آلمني كثيراً أنه لم يستطع أن يشاركني سعادتي عندما سمعت أنه تمّ قبولي لدراسة المحاسبة في الجامعة.

حاولت كثيراً زيارته في السجن ولكني لم أتمكن من الحصول على تصريح دخول إلا بعد مضي خمسة أشهر على اعتقاله. هذا تصريح محدود ويصلح لمدة شهرين يُسمح خلالهما بزيارتين كحدّ أقصى. لكن في نفس فترة التصريح كان المعتقلون الإداريون مضربين عن الطعام وكان أحد الإجراءات العقابية ضدهم سحب تصاريح الزيارة من أفراد العائلة ولذلك لم أتمكّن من زيارته. بعد ذلك حصلت على تصريح جديد وتمكنت من زيارة زوجي للمرّة الأولى في يوم 17/9/2017، بعد تسعة أشهر من اعتقاله. كانت زيارة مؤلمة. لم يسمحوا لي أن أنقل ابننا، جود، إلى الجانب الآخر من الحاجز الزجاجي لكي يتمكّن والده من احتضانه وتقبيله خاصّة وأنه يراه لأوّل مرة.

ثم تمكّنت من زيارته مرّة أخرى في تشرين الثاني 2017، وعندها سُمح له بحمل جود. قمت بزيارته مرّة أخرى في 20/12/2017، وكانت تلك الزيارة الأخيرة. منذ ذلك الحين أحاول جاهدة تجديد التصريح بمساعدة الصليب الأحمر، ولكن الموظف هناك أبلغني أنه تقرر منع تجديد تصريحي لأسباب أمنيّة.

لم أره منذ أكثر من نصف عام. أنا أمرّ بفترة صعبة ومؤلمة في حياتي. بينما طوال هذا الوقت لم يوجهوا إليه أيّة تهمة.

 

الأربعاء, نوفمبر 14, 2018

مركز مدار

المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية "مدار"، هو مركز بحثي مستقل متخصص بالشأن الإسرائيلي، مقره في مدينة رام الله. تأسس في  العام 2000، بمبادرة مجموعة من المثقفين والأكاديميين الفلسطينيين، من بينهم: الشاعر الكبير الراحل محمود درويش، د. ليلى فيضي، د. علي الجرباوي، د. أحمد حرب، وليد الأحمد، وأكرم هنية. تم تسجيل المركز كجمعية أهلية غير ربحية.

القائمة البريدية