شهدت شوارع إسرائيل، في الأسبوع الماضي، حملة احتجاجات غير مسبوقة لجمهور مثليي الجنس، الذين جندوا لإضراب عن العمل ومظاهرة ضخمة شارك فيها عشرات الآلاف، مطالبين بحقوق لهم، مثل استئجار الأرحام.

 

وكان اللافت أن هذه الحملة، التي يقول قادتها إنها ستستمر، قد لاقت دعما من شركات اقتصادية كبيرة، برغم أنها قد تتعرض لمحاسبة من جمهور المتدينين. إلا أنه بالإمكان القول إن هذه الحملة التي اندلعت فجأة رأى فيها علمانيون أنها قد تكون فاتحة لمعارك أوسع، في مجتمع كما يبدو آخذ بالتضييق على العلمانية والعلمانيين.

وقد اندلعت حملة الاحتجاجات هذه في أعقاب سن قانون ينظم مسألة استئجار الأرحام، في اليوم الأخير من الدورة الصيفية للكنيست، بدون أن يشمل مطلب مثليي الجنس بأن يكون مسموحا لزوجين من الذكور تربية أطفال من خلال استئجار أرحام، وذلك بالرغم من أن رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو كان قد أعلن دعمه لهذا المطلب، لكن سرعان ما تراجع عنه، على ضوء الرفض في الائتلاف من الأحزاب المتدينة، ومن نواب متدينين في أحزاب مشاركة في الائتلاف.

وقد تزامن سن هذا القانون مع سن "قانون القومية"، الذي تعترض أوساط إسرائيلية واسعة عليه، من باب أنه لم يشمل بندا واضحا لتعريف إسرائيل على أنها "دولة ديمقراطية"، إضافة إلى كونها يهودية، وأيضا لغياب مبدأ المساواة، وانعدام بند ينصّ على أن تهتم الدولة بالحفاظ عليه لكل المواطنين. وفي هذه النقطة العينية الأخيرة لم يكن كل الجمهور اليهودي قلقا على المساواة للمواطنين العرب. وغالبية الذين يؤيدون المساواة للعرب، بكونهم أفرادا وليس كمجموعة قومية. ولذا فقد رأت شرائح كثيرة أنها متضررة من غياب المساواة، وليس فقط المثليين بل أيضا الأوساط العلمانية.

وهذا هو بالضبط الدافع الأقوى للجهات الدينية، على مختلف تياراتها في الائتلاف الحاكم، الذي وقف وراء رفضها بند المساواة، إذ أنها تتخوف من أن يكون مبدأ المساواة ذريعة لمطالب شرائح كثيرة بحقوق تتعارض مع توجهاتها الدينية، وأيضا مما قد يكسر احتكار قوانين السبت والأعياد اليهودية في الحياة العامة. وكل هذا التقى بطبيعة الحال مع رفض العلمانيين من اليمين المتشدد، والذي يرفض أولا المساواة في حقوق المواطنين العرب.

ولذا بالإمكان القول إن جمهور العلمانيين الواسع انخرط في معركة المثليين كجزء من معركة مستقبلية لحقوق هؤلاء، فهم يرون أنه إذا رفضت إسرائيل الآن المساواة، وحرية الفرد، فكيف ستكون الحال حينما تكون نسبة المتدينين من كل التيارات أكثر من 50% من اليهود وحدهم، وهي نسبة في تزايد مستمر؟.

لكن كما ذكر فإن الجانب الأبرز في معركة المثليين كان دعم شركات كبرى لهم. فقد أصدرت شركات اقتصادية كبرى، بواسطة مكاتب علاقات عامة، بيانات مفادها أنه إذا كان العاملون لديها يريدون المشاركة في احتجاجات مثليي الجنس وفي المظاهرة، فإنها تسمح لهم بالخروج من الدوام، دون المس بأجورهم. وتبعت تلك الشركات شركات التقنية العالية "الهايتك" وغيرها، إلى أن وصل الأمر إلى صدور بيان مماثل عن اتحاد النقابات العامة (الهستدروت).

ويقول المحلل الاقتصادي سامي بيرتس، في مقال له في صحيفة "ذي ماركر" الاقتصادية: "ما الذي يجري هنا؟ هل الشركات الاقتصادية الكبيرة، التي قسم منها كان فاعلا في حملة الاحتجاجات الشعبية ضد غلاء المعيشة في العام 2011، فهمت ما يحبه الجمهور؟، وهل تعتقد تلك الشركات أنه يوجد غضب شعبي عام، وأرادت أن يتم تفريغ هذا الغضب، من خلال حقوق مثليي الجنس، بدلا من النقمة على الشركات؟". ويشير بيرتس إلى أن هذه الأسئلة تطرح نظراً إلى أن نسبة جمهور مثليي الجنس هي في حدود 10% من الجمهور.

ثم يسأل بيرتس: منذ متى كانت الشركات الاقتصادية تشجع الإضرابات؟ فهذه الشركات هي دائما في الموقع النقيض للإضرابات، وضد مواطن قوة العاملين. كما أن ما يثير التساؤل أنه طالما أن قضية حقوق مثليي الجنس، وحقهم في تربية أطفال، قضية قائمة على مدار الأيام، فما الذي جعل الشركات تهب لمناصرة احتجاجهم؟.

ويضيف بيرتس: "ما هو واضح أنه لأول مرة منذ العام 2011، يتم تنظيم حركة احتجاج تحظى بهذا القدر المفاجئ من التأييد في القطاع الاقتصادي. وللدقة أكثر، فإن هذا التضامن تقوده شركات الهايتك، وهذه ليست المرّة الأولى. فقبل شهر أعلن مدير عام شركة "نايس"، باراك عيلام، أن العاملين في شركته لن يسافروا على متن طائرات شركة "إل عال" الإسرائيلية شبه الرسمية، طالما استمر الفصل بين الرجال والنساء، خضوعا لطلبات الحريديم، الذين رفضوا الجلوس إلى جانب نساء، في رحلة جوية من نيويورك إلى إسرائيل"

ويتابع بيرتس: "إن حقوق مثليي الجنس، والحادثة في شركة "إل عال"، ترتبطان بعدة أحداث وقعت خلال ولاية الحكومة الحالية، وهي تدل على القوة المتزايدة لجهات دينية، وبضمنها الحريديم، على الحياة العامة في الدولة. وهذا ما رأيناه في قانون التجنيد العسكري، والصراع على أعمال البنى التحتية، مثل سكة الحديد أيام السبت، والمعركة ضد فتح محال تجارية أيام السبت في أسدود وغيرها، والخضوع المتزايد للحاخامية الرئيسية في موضوع الحلال وغيره، وأجواء التدين وفرض أجواء تدين في صفوف الجيش الإسرائيلي، وفي جهاز التربية والتعليم، وكل هذه الأحداث حينما يتم النظر اليها بشكل تراكمي، فإنها تعكس الشعور بالاختناق لدى قطاعات الكبيرة في المجتمع الإسرائيلي، وبالأساس لدى قطاعات علمانية وليبرالية، ولكن ليس هذا فقط".

وبحسب بيرتس، فإن كثيرا من الشركات التي أيدت الكفاح تم جرها إليه، من خلال مستشارين إعلاميين لديهم. ففي مداولات داخلية أعرب أصحاب ومسؤولو شركات عن تخوفهم من التماثل مع قضية المثليين، إلا أنه قيل لهم إن هذه القضية تنتشر في عدة قطاعات أكثر من أي قضية أخرى، فهذه ليست "قانون القومية" ولا "قانون التجنيد". وكثيرون من مسؤولي الشركات سألوا: هل تنقص قضايا وتشوهات في المجتمع الإسرائيلي، فما العمل إذا ما ظهرت قضية أخرى في المجتمع؟ وهل سيكونون مطالبين بتأييد الإضرابات؟ وهناك من يرى أنه كما أن حملة الاحتجاجات في العام 2011، التي بدأت بقضية السكن، تشعبت إلى قضايا أخرى، كذا بالنسبة لاحتجاجات المثليين، فهي "تولد طاقة لاحتجاجات في قضايا أخرى"، كما يقول بيرتس، ويضيف أنه في القطاع الاقتصادي يحاذرون بشكل عام من إبراز أي هوية سياسية لهم، فهذا ليس جيدا للمصالح الاقتصادية، لا من ناحية السياسيين الذين يؤثرون على التشريعات وبلورة الأنظمة، ولا من ناحية المستهلكين، الذين هم من كافة شرائح المجتمع الإسرائيلي المتنوع. ووقوف مصالح اقتصادية إلى جانب احتجاج المثليين، بشأن قانون استئجار الأرحام، لا يبدو أنه موقف سياسي، وإنما قضية عينية، ولكن كما هو معروف فإن كل شيء سياسي، فمن ناحية أحزاب وتيارات وطوائف المتدينين المتزمتين الحريديم فإن هذا أمر يمس بهم. وبنيامين نتنياهو، الذي يتحالف مع الحريديم والمتدينين، يعرف أي حقل الغام يواجهه في هذ القضية، ورأينا كيف تقلب من تأييد مطالب المثليين إلى رفضها. وحينما صرّح أنه سيتم سن قانون خاص باستئجار الأرحام للأزواج من الذكور تبين أنه متورط.

ويقول بيرتس إن السؤال المثير للاهتمام، تجاه القطاع الاقتصادي، هو ما إذا كان يتطور في هذه الأيام نوع جديد من مسؤوليات الشركات والمؤسسات. فتقريبا لا توجد شركة لا تتباهى بدعمها لشرائح محتاجة أو لقضايا اجتماعية، لكن قضية المثليين هي قضية أخرى كليا، لأنها تضع الشركات في مواجهة وصدام مع جزء من الزبائن، وأيضا في مواجهة مع بعض الأحزاب وأعضاء الكنيست، الذين لهم تأثير على المصالح الاقتصادية لتلك الشركات. وليس مفاجئا أن شركة "نايس" كانت الشركة الأولى التي أعلنت مقاطعة شركة "إل عال"، إذ يجري الحديث عن شركة هايتك لا تتأثر بالسوق المحلية، وليست لديها تخوفات من مقاطعة زبائن متدينين أو حريديم، أو أن يمس بمصالحها أعضاء كنيست متدينون، فهي ليست مرتبطة بلاعبين محليين، ولذا بإمكانها اتخاذ قرار كهذا.

من ناحيتها رحبت صحيفة "هآرتس" بدعم شركات لاحتجاجات المثليين، وقالت في مقال لهيئة التحرير إنه "مع شطب قيم المساواة وحقوق الفرد من تعريف الدولة، يكون كنيست إسرائيل قد أعلن عن انسحابه من نادي الدول الليبرالية وعن انضمامه إلى كتلة الدول القومية المتطرفة والعرقية المتشددة. وهذه هي اللحظة للخروج في احتجاج مدني، يدعو إلى إلغاء قانون القومية ويعرب عن التضامن مع عرب إسرائيل. محظور إبقاء الكفاح فقط في أيديهم وفي أيدي اليهود الأميركيين. ومن الواجب أن يضم كل الإسرائيليين الديمقراطيين، ومن الإلزامي أن يضم إليه شركات مثل "مايكروسوفت"، "شوبر سال"، "مكان"، "أي. بي. إم"، "سلكوم" وغيرها. ويجدر بهذه أن تسارع إلى استيعاب حقيقة أن مستقبلها أيضا منوط بنجاح الكفاح".

أما الكاتب التقدمي جدعون ليفي وفي مقال له في صحيفة "هآرتس"، فقد انتقد ما وصفه بالتلون في الشركات، وتساءل في مقال له: "ماذا بالضبط تريد هذه الشركات من الإضراب: عدل، مساواة؟ هذا شيء مضحك. هل منذ الآن ستسمح لعمالها بالتظاهر والاضراب أيضا في مواضيع أخرى، كل واحد حسب ميوله؟ هذا مضحك أكثر. ولكن هذه بالطبع أسئلة صغيرة. إن مجتمع المثليين نجح في تجنيد الاقتصاد لصالح نضاله، وكل الاحترام لقوة احتجاج هذه المجموعة".

وقال ليفي إن "إسرائيل كان يجب أن تضرب اليوم بدعم شركات مثل "شوبر سال" و"كان" و"سلكوم" ضد قانون القومية وللتماهي مع أبناء البلاد العرب الذين بصق الكنيست في وجوههم وأعلن لهم رسميا وقانونيا: أنتم مواطنون من الدرجة ب".

وقد لاقى هذا التجند الكبير لدعم مثليي الجنس من شركات ومؤسسات ضخمة انتقادات حتى بين أوساط ليبرالية، لكون هذا تزامن مع سن قانون القومية العنصري الاقتلاعي.

ونشرت الباحثة التقدمية البروفسورة نوريت بيلد إلحنان مقالا عبرت فيه عن دعمها لمثليي الجنس، إلا أنها قالت إن التجند المذهل في كل البلاد، من المؤسسات الكبرى، "لحقوق مثليي الجنس بإقامة عائلات يكشف عن أمر مشجع لكن في ذات الوقت محبط في المجتمع الإسرائيلي، فهؤلاء وقفوا بكل قوتهم وكأنهم يدافعون بحرقة عن حقوق الانسان، في حين أن هذا يأتي بالذات بعد يومين من سن قانون عنصري، دون أي احتجاج يذكر، وهو احتجاج يأتي بعد يومين من دعوة وزير التربية والتعليم الإسرائيلي إلى إلقاء قنابل على رؤوس الأطفال الفلسطينيين، الذين يطلقون بيأس طائرات ورقية حارقة، كي يذكّروا العالم أنهم موجودون على الأرض، فهؤلاء جوعى محاصرون، لكن لا أحد من مؤسسات التربية والتعليم يردّ على دعوة جنونية كهذه".

 

الثلاثاء, مارس 19, 2019

مركز مدار

المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية "مدار"، هو مركز بحثي مستقل متخصص بالشأن الإسرائيلي، مقره في مدينة رام الله. تأسس في  العام 2000، بمبادرة مجموعة من المثقفين والأكاديميين الفلسطينيين، من بينهم: الشاعر الكبير الراحل محمود درويش، د. ليلى فيضي، د. علي الجرباوي، د. أحمد حرب، وليد الأحمد، وأكرم هنية. تم تسجيل المركز كجمعية أهلية غير ربحية.

القائمة البريدية