جاء الفوز الإسرائيلي بمسابقة يوروفيجن أو مسابقة أوروفيزيون للأغاني (بالإنجليزية: Eurovision Song Contest) هذا العام، 2018، بالتزامن مع نشاطات مسيرة العودة النضاليّة التي شارك فيها كل مرة عشرات ألوف الغزيّين العزّل خلف الجدران والأسلاك الشائكة والخنادق التي تشكل منظومة من العناصر المادية لحصار القطاع، المضاف إليه الرقابة والضبط المسلح براً وبحراً وجواً. إنها مظاهرات عزلاء من السلاح وهو ما لم يمنع قيام جيش الاحتلال الإسرائيلي "الأكثر أخلاقية في العالم" بـ"معالجتها" برصاص القنّاصة والقتل الجماعي، لا أقلّ.

لم تكن هذه المرة لدى سلطات إسرائيل المختلفة حاجة لبذل أي جهد خاص لصالح تدعيم الزعم الواهي بأن شاباً فلسطينياً "هاجم قوّة عسكرية بسكين"، ولا إن فتاة فلسطينية "أشهرت مقصاً في وجه جندي" من سلاح المشاة، مما جرّ عليهما من الجنود المدجّجين المهدّدين رداً "دفاعيّاً" بالرصاص أرداهما قتيلين. فهذه المرة لم يكن هناك أيّ تماس بين المتظاهرين الفلسطينيين وبين جنود القناصة الذين تربصوا فوق تلال ترابية مطلين ببنادقهم الفتاكة على العزّل (100 جندي قنّاص، على الأقل، مدرّبين جيداً من الوحدات الخاصة، كما سبق أن أعلن للصحافة قائد أركان جيش الاحتلال الإسرائيلي الجنرال غادي أيزنكوت قبل ذلك الحين بأيام). وهي بالمناسبة بنادق بعضها من صنع أميركي وبريطاني، من إنتاج "الديمقراطيات العريقة". [أندرو سميث من الحملة المناهضة لتجارة السلاح يقول: "باعتراف الحكومة (البريطانية) نفسها فقد استُخدمت الأسلحة البريطانية ضد الفلسطينيين مرات عديدة، ومع ذلك ما زالت مبيعات الأسلحة مستمرة بلا هوادة، يجب أن يكون هناك تحقيق شامل عن استخدام الأسلحة البريطانية في الجرائم التي حدثت في الأشهر الأخيرة"، تقرير لموقع "ميدل إيست آي" البريطاني، أواخر نيسان الماضي، الذي كتب أيضاً عن: "مخاوف من أن بعض مكونات بنادق القنص التي استخدمت لقتل عشرات الفلسطينيين خلال الأسابيع الأخيرة يتم تصنيعها في بريطانيا"].

تم إعلان فوز المغنية الإسرائيلية نيطع برزيلاي في الساعات الأولى من يوم الأحد 13 أيار، وقد احتلّ الخبر جميع العناوين في مختلف وسائل الإعلام الإسرائيلية، وعلّق عليه بنشاط لافت عدة وزراء ورئيس الحكومة، سيّما وأن هذا الفوز يعني وفقاً لبروتوكول المسابقة أن إسرائيل هي من ستستضيف اليوروفيجن العام القادم 2019. هنا اكتسب هذا الفوز شحنة سياسية أقوى وبدأ سيل التصريحات عن خصوصية أن تجري المسابقة في القدس، والتي كانت الاستعدادات الإسرائيلية بشأنها في الذروة بعد قرار الإدارة الأميركية برئاسة دونالد ترامب نقل السفارة إليها من تل أبيب.

فوزٌ بمسابقة موسيقية كفرصة للاستثمار السياسي

قبيل جلسة الحكومة الأسبوعية المنعقدة دورياً كل صباح أحد، بدا بنيامين نتنياهو في مزاج احتفالي عالٍ بفوز برزيلاي، وحين وصل أمام كاميرات الإعلام قام بتنفيذ "رقصة الدجاجة" أمامها، وهي التي تشتمل عليها الأغنية الفائزة تمثل بتحريك اليدين كجناحي دجاجة. قبلها، كان قد اتصل بالمغنية فور إعلان النتائج معتبراً إياها "أفضل سفير لإسرائيل". وهو يعرف طبعاً ما يقول ويقصده، فهذا الفوز بوسعه التغطية على جميع أزماته على المستوى الدولي، حيث يرفض كل العالم تقريبا سياسته ضد الفلسطينيين في غزة، ويعارض نقل السفارات من تل أبيب قبل تحقيق تسوية سياسية شاملة مع الشعب الفلسطيني، وكذلك لا تتفق معه الغالبية الساحقة من دول العالم (باستثناء البعض) على السعي لتقويض الاتفاق النووي مع إيران. هنا يأتي فوزٌ بمسابقة موسيقية ليشكل فرصة للاستثمار السياسي، وهو ما أقلق المنظمين الأوروبيين الذين يعون أيّ حقل ألغام سياسي ينتظرهم.

وبالفعل، فبحسب تقارير في وسائل إعلام إسرائيلية، أبدى منظمو مسابقة يوروفيجن قلقهم من تسييس الحفل بسبب تصريحات أدلى بها وزراء إسرائيليون. وقد حثّت إدارة يوروفيجن متابعيها في تغريدة عبر موقع التواصل الاجتماعي "تويتر" على عدم التسرّع بشراء تذاكر السفر لإسرائيل، التي تم إعلانها كمنظم لنهائيات المسابقة العام القادم. وجاء في التغريدة على الصفحة الرسمية: "هل تتطلع لحضور مسابقة الأغنية الأوروبية في العام المقبل؟ نحن كذلك أيضاً! لكن لا تحجز رحلتك الآن، لمعرفة مكان وزمان حدوث ذلك، ترقب الإعلانات على قنواتنا الرسمية".

هذا التصريح من قبل منظمي يوروفيجن، التي لم تقم بتقديم أي توضيح إضافي لإعلانها في التغريدة على تويتر، حمل بين طياته رسالة تبث عدم اليقين من تنظيم المسابقة القادمة في إسرائيل عام 2019. وعلّق إعلاميون إسرائيليون أن هذا وضعَ المتابعين أمام احتمالين: إما أنه اعتراض من قبل يوروفيجن على سياسة إسرائيل الأخيرة في مواجهاتها مظاهرات الفلسطينيين بالرصاص، أو أنه قرار متعلق "بأسباب أمنية" حول السفر لإسرائيل خلال العام القادم (موقع تايمز أوف إسرائيل، أواسط أيار الفائت). وقد رفض متحدث باسم المسابقة الكشف عن أية تفاصيل حول السبب وراء طرح الشكوك بشأن موقع الحدث وموعده. وقال المتحدث للموقع المذكور فقط إن موظفي المسابقة لم يلتقوا بعد مع المسؤولين الإسرائيليين لوضع اللمسات الأخيرة على المكان والتواريخ، مضيفا: "ببساطة لم نصل إلى هذه المرحلة بعد".

مديرو اليوروفيجن قلقون من تسييس الحفل عام 2019

لكن هيئة البث الإسرائيلية الرسمية "كان"، التي تشارك إسرائيل من خلالها في المسابقة، قالت على لسان مصدر مسؤول فيها لم يكشف هويته إن مديري اليوروفيجن أعربوا عن قلقهم من تسييس الحفل في عام 2019، وهو ما أكدته صحيفة "هآرتس" أيضاً. فاتحاد البث الأوروبي، الهيئة المسؤولة عن تنظيم مسابقة الأغاني، أعلنت في اتصال أجرته معها الصحيفة أنها "غير سعيدة بالمرة" بالتصريحات التي صدرت عن وزراء إسرائيليين فيما يتعلق باستضافة الحدث في العام المقبل. وهي تصريحات وضعت المسابقة على هامش المصلحة الاسرائيلية المُعلنة: تعزيز تطبيع "توحيد القدس" و"ضم" الجزء الشرقي المحتل منها، خلافاً لجميع الوثائق والقرارات والمعاهدات الدولية المعمول بها وفقاً للقانون الدولي والقانون الدولي الإنساني، وعلى النقيض من اتفاقيات وقعتها إسرائيل بإشراف وحضور دوليين.

ما شهدته أروقة الحكم الإسرائيلية فور إعلان النتائج أشارت بوضوح إلى أن إدارة المسابقة على حق في رؤيتها واستشرافها الإشكاليات العويصة القادمة من جهة الحكومة الاسرائيلية. فقد سارع كل من وزيرة الثقافة ميري ريغف ووزير الاتصالات أيوب قرا في حكومة الاستيطان الاسرائيلية الى التخاصم والتصادم بما يشبه الصبيانيّة مطالبين، كلّ على حدة، بتكليف وزارته بمهمة إنتاج الحدث. ريغف لوّحت بورقة القدس بدرجة تكاد تكون أكثر ابتذالا من الفستان الذي ارتدته في مهرجان "كان" الفرنسي قبل الأخير للأفلام، والذي حمل صورة للقدس ممحيّة حدود الاحتلال؛ أما الوزير الليكودي المذكور فقد ذهب أبعد من ذلك حين أعلن عن نيّته دعوة دبيّ للمشاركة في الاحتفال المفترض، ومن دون أن تكون لديه صلاحية للقيام بذلك، كما علّق كاتب في صحيفة "هآرتس". أما لماذا دبيّ بالذات؟ فلأن هذا السياسي غير اللامع يحاول على الدوام، بمناسبة وبغير مناسبة، تسويق نفسه كمفتاح إسرائيل لدى من يسميها "أنظمة سنيّة معتدلة". وبالطبع فتعريف الاعتدال حين يتم بهكذا معايير يتحوّل الى نقيضه، في المضمون وفي المستوى!

بعد هذه المسرحية السياسية وغيرها، والتي يظهر فيها أن بعض الذين تحوّلوا الى جزء من متخذي القرار في إسرائيل قد فقدوا حتى القدرة الأساسية المحبّذة في السياسة على تغليف الفظاظة بأغطية من الكلام الدبلوماسي، وليس الزعيق بها كزمرة مراهقين يفتقرون لحدود ولياقة، علّق مصدر في اتحاد البث الأوروبي بالقول إن "القرارات التي اتخذها الوزيران حتى قبل سماع أي شيء عن استضافة اليوروفيجن غير مقبولة على أعضاء الاتحاد". في هذا السباق بين الوزيرين الشعبويين، لم تربح حكومة إسرائيل.

موقع اليمين المتدين "سروغيم" لا يتميّز جمهوره المحافِظ بحبّ جارف للغناء الحديث، كالذي أدته الفائزة الإسرائيلية في العاصمة البرتغالية. بل ترفض أقسام واسعة في اليمين المتدين اليهودي الاستماع الى الغناء الذي تؤديه نساء، وذلك باسم وانطلاقاً من المقولة الرجعية الشائعة (بالعبرية أيضاً!) ومفادها: "صوت المرأة عورة". وقد وصلت الأمور في هذه المسألة مراراً الى أزمات اشتعلت داخل مؤسسات إسرائيلية مشتركة لمتدينين وغير متدينين، مثل الجيش، حين قام ضباط وجنود من تيّار "المتدينين القوميين" (الذي يمثله حزب "البيت اليهودي") بمغادرة قاعات وباحات واحتفالات شاركت فيها جنديات ضمن جوقات الغناء العسكرية. بل إن حاخامي هذا التيّار الآخذ بالمغالاة والتطرّف بتسارع مضطرد بالتناسب مع السنوات التي يضيفها ويراكمها مشروع الاستيطان الكولونيالي، خرجوا مراراً داعين الى رفض الاختلاط بين الجنود والجنديات، ورفض حضور احتفالات تغني نساء فيها، وشمل هذا منابر متاحة لهم داخل الكليّات التحضيرية العسكرية نفسها.

إما أن تحتفلوا في "القدس  الموحدة" أو أن تنصرفوا...

لكن ذلك الموقع، "سروغيم"، بحث عن كوّة يدخل فيها هذا "الاحتفال القومي بالفوز" في اليوروفيجن، متغاضياً عمداً، وبشكل لا يخلو من رياء متفق عليه بالغمز، عن أنه يستند الى غناء فتاة. وكتب بتأثّر بالغ كيف أنه "في الصباح الاحتفالي الذي يحلّ فيه يوم القدس وبعد الفوز في نهائي اليوروفيجن، أدلت الوزيرة ميري ريغف بمقابلة لموقعنا ووضّحت فيه للمنظمين (منظمي المسابقة): إذا لم يجرِ حدث اليوروفيجن السنة القادمة في القدس – فهو لن يصل ليُستضاف في إسرائيل". وأسهبت في خطابها الشعبوي المعهود حتى الملل قائلة: "نحن امام أسبوع عظيم، بدأ بالفوز مع برزيلاي، ونقل السفارة الأميركية الى القدس، ثم سفارة غواتيمالا، فماذا سأقول؟ شكرا للباري. إنه أسبوع حافل بالسعادة والكرامة والفخر... بعون الرب السنة القادمة في القدس. سنبدأ منذ اليوم بالاستعداد والتنظّم في جميع النواحي الخاصة بالتمويل والميزانية لاستضافة اليوروفيجن".

هذه الوزيرة التي تعرف أن كل جملة إضافية من المغالاة القومجية ستعود عليها بمكاسب في صندوق اقتراع الليكود الداخلي، هاجمت إدارة المسابقة لأنها لم تذكر القدس تحديدا حين توجهت لمتحدثة إسرائيلية، بل ذكرت إسرائيل فقط. وأعلنت الوزيرة أنها ستتوجه "اليوم برسالة الى منظمي اليوروفيجن لنقول لهم إنه توجد لدولة إسرائيل عاصمة واحدة واسمها القدس". ثم، وكأنها ترفع سبابتها للتوبيخ والوعيد في وجوههم، حسمت: "اليوروفيجن سيكون إذا جرى في البلاد، في القدس فقط... إذا لم يرغبوا بالاستضافة حيث تقرر الدولة- فلن نستضيفهم في إسرائيل".

إذا كان اتحاد البث الأوروبي بحاجة الى أسباب تقوّي حججه ضد النزعة الاسرائيلية الرسمية المهووسة لتسييس المسابقة، بل استغلالها لتعميق الهيمنة على القدس المسمّاة "موحدة" على الألسنة الصهيونية المتشددة، فيمكنه الاعتماد على الوزيرة ميري ريغف. بوسعه نشر تصريحاتها فقط، ستكون هذه أنجح لائحة إقناع! وقد لمع نجمها أيضاً في القناة التلفزيونية 20 التي يحبها نتنياهو بخصوصية غير مخفيّة وتبادله هي أيضاً العواطف نفسها، إذ يخصّها بمقابلات تُحرم منها سائر القنوات التلفزيونية وأقسامها الإخبارية، ولا تتأخر تلك القناة من جهته في تلميعه (هو وزوجته) مهما علق به من غبار وسخام شبهات الفساد وملفاته متعددة التسميات والمواضيع والأرقام. هذه القناة أشبه بالبوق الخاص لليمين الاسرائيلي ولزعيم اليمين نتنياهو تحديداً، كما يكاد يجمع معلّقو كل القنوات الأخرى. وقد تم الإعلان فيها بنبرة احتفالية أن الوزيرة بدأت العمل على تشكيل لجنة توجيه بالاشتراك مع وزارة الاتصالات "لاستضافة يوروفيجن 2019 في القدس". واقتبست البيان الوزاري الخاص بهذا الشأن والذي جاء فيه: "إن الحدث سيمثل وجه البلاد الجميل وسيجلب ألوف معجبي المسابقة ومئات ملايين المشاهدين في كل أرجاء العالم".

بلا تكتّم ولا دبلوماسيّات

الهدف كسب نقاط بعملة المصالح السياسية وليس النوتات الموسيقية!

اليوروفيجن مسابقة غنائية ينظمها الاتحاد الإذاعي الأوروبي منذ عام 1956. وتعد المسابقة أكبر حدث غير رياضي من حيث عدد المشاهدين، فيقدر عدد مشاهديه بين 100 مليون إلى 600 مليون شخص حول العالم في السنوات الأخيرة. ومنذ عام 2000 تم بث المسابقة في الإنترنت أيضاً. كل مشارك يقدم أغنية ليؤديها مباشرة في الحفل الذي ينقل عبر التلفزيون ثم يتم التصويت للدول الأخرى وهكذا يحدد الفائز بالمسابقة. يشارك كل مغنٍ عن طريق المحطات المحلية التابعة للاتحاد الإذاعي الأوروبي، وغرضها اختيار المغني الذي سيمثل بلده دولياً في المسابقة. يعد البرنامج من أطول البرامج التي لا تزال تبث.

رافق المسابقة هذا العام عدد من المواقف الأممية الواضحة التي ترى أنه يجب التعامل بأدوات المقاطعة مع المشاركة الإسرائيلية ثم، لاحقاً، الاستضافة الإسرائيلية المفترضة. يأتي هذا بسبب الطابع الرسمي التمثيلي للمشاركة وللاستضافة، ما يجعلها تندرج ضمن الحالات التي تسري عليها معايير المقاطعة كموقف وفعل سياسي يسعى الى معاقبة الاحتلال الإسرائيلي بكل تجلياته.

مثلا، فور الإعلان عن احتمال عقد يوروفيجن القادم 2019 في إسرائيل، بدأ أكثر من ثمانية آلاف شخص في آيسلندا بحملة على الانترنت لمقاطعة المسابقة الموسم القادم، وذلك بعد أن بدأت التقارير والمعلومات والصور تنتشر عن القمع الدموي الاسرائيلي للمظاهرات في غزة ضمن مسيرة العودة. موقع "grapevine" قال في 15 أيار، إن المغني الآيسلندي الشهير هناك بال أوسكار طالب بلده بمقاطعة المسابقة أيضا بشكل رسمي.

الحملة بدأت مباشرة بعد أن بدأت نشرات الأخبار بنقل الأحداث التي وقعت في غزة وسقط فيها عشرات القتلى ونحو ألفين وثمانمئة جريح، الحملة موجهة للشبكة الوطنية للإذاعات RÚV، المشرفة على مشاركات آيسلندا في البرنامج. وجاء في نص العريضة "بسبب خرق حقوق الإنسان على أيدي جنود الجيش الإسرائيلي تجاه الفلسطينيين، فمن غير المنطقي المشاركة في المسابقة في ظل هذا العنف المستمر من قبل إسرائيل تجاه جيرانها... في الأشهر القليلة الماضية عشرات المدنيين قتلوا فقط بسبب مسيراتهم".

جمعية "آيسلندا - فلسطين" قالت في بيان لها وقعه سفين رونار هاوكسون رئيس الجمعية: "أوروبا لم تكتف بعدم دعم حقوق الإنسان هذه الليلة، بل وأكثر، فقد اختارت أن تقيم مسابقة اليوروفيجن في إسرائيل، وفي نفس الوقت فإن حكومة إسرائيل تعارض القوانين الدولية وتستمر بسلب الأرض، وحقوق الإنسان وتستمر بأعمال العنف تجاه الفلسطينيين". ومثله سيما إيرلا سيردار، مؤسِّسة منظمة سولاريس للمساعدات الإنسانية، التي وصفت الحالة بالمقززة. وطالب بورن أولافسيوتير، مؤسس منظمة أكيري الإنسانية، بمقاطعة المسابقة.

دعوات لرسميين وشبه أزمات دبلوماسية

كذلك فإن عمدة العاصمة الأيرلندية دبلن، مايكل ماك دونشا، دعا إلى مقاطعة المسابقة في إسرائيل 2019، بسبب سياستها ضد الفلسطينيين. وأكد أنه يؤيد مقاطعة إسرائيل، تضامناً مع الفلسطينيين بكل الطرق الممكنة، وقال: "أعتقد أن على أيرلندا الامتناع عن إرسال فرقة أو مجموعة غنائية لتمثيلها في المسابقة التي ستستضيفها إسرائيل في 2019".

ووصلت الأمور في بعض الحالات الى شبه أزمات دبلوماسية، إذ بعثت السفارة الإسرائيلية في هولندا برسالة إلى خارجيتها احتجت فيها على مشهد ساخر بثته قناة هولندية، ينتقد سياسة إسرائيل وممارسات الاحتلال، من خلال أغنية تقلد أغنية برزيلاي الفائزة بجائزة يوروفيجن. السفير الاسرائيلي لدى هولندا نظّر بالقول: "إن حرية التعبير وحرية الصحافة هي عناصر مهمة في مجتمع ديمقراطي وتعددي.. نحن نقدر ونحترم هذه المبادئ، لكنكم في هذا المشهد تجاوزتم الحدود. نحن مضطرون إلى محاربة النشاطات الإرهابية... وعندما يفقد الناس حياتهم، بغض النظر من أي جانب، نحن لا نضحك. وأنتم أيضا يجب أن لا تضحكوا". وكالمعتاد لمّح الى "عناصر لاساميّة" في أغنية المحاكاة الهولندية.

المشهد الذي عرضته القناة الهولندية، يظهر الممثلة الكوميدية سانيه ووليس دي فريس على المسرح وهي ترتدي لباسا شبيها بالملابس التي ارتدتها برزيلاي ومع تسريحة مشابهة لشعرها وأدت أغنية لأغنيتها ولكن مع استبدال كلماتها بأخرى تنتقد وجود الجيش الإسرائيلي على حدود غزة وفتح السفارة الأميركية في القدس. وتظهر في الخلفية المظاهرات الفلسطينية على حدود غزة في الأسابيع الماضية وصور سحب الدخان ومواطني غزة الذين يجري حملهم على نقالات.

حركة المقاطعة الدولية ضد اسرائيل (BDS)، كانت خرجت بحملة تدعو الأوروبيين من خلالها، إلى عدم التصويت للمتسابقة الإسرائيلية. وقالت حركة (BDS) إن المتسابقة الإسرائيلية "نيطع برزيلاي، تمثّل دولة تمارس سياسة فصل عنصري وقمع وحشي، ضد الشعب الفلسطيني". وهاجمت الحركة برزيلاي شخصيا، مشيرة إلى أنها "شريكة في هذه السياسة، ذلك لأنها عملت على رفع الروح المعنوية للجنود الإسرائيليين، أثناء الحرب على غزة في العام 2014، حينما غنّت لهم ووصفتهم بالملائكة الأبطال، في الفرقة الغنائية العسكرية التابعة لسلاح البحرية الإسرائيلي، الذي قصف مناطق مأهولة بالسكان وقتلت أطفالا في القطاع".

حركة المقاطعة أوضحت أن "المطربين الإسرائيليين المشاركين في سباق الأغنية الأوروبية لا يمثّلون أنفسهم فقط، وإنما يتلقون دعما هائلا من الحكومة الإسرائيلية، التي تهتم جدا بفوزهم بالمسابقات العالمية، لشرعنة سياساتها الوحشية والقمعية... إسرائيل تفعل ذلك، في الوقت الذي تُرسل فيه قناصة لقتل المتظاهرين العزل على الحدود مع قطاع غزة". وتابعت: "يجب على المواطنين الأوروبيين التوقف عن إعطاء نقاط لأغنية أرسلت من حكومة الأبارتهايد".

السياسة والثقافة: عن ميكانيكية الفصل!

الأصوات الإسرائيلية "الإجماعية" بمختلف تعريفتها من اليمين حتى اليسار مروراً بالمركز الصهيوني، تردّ كمن تعرّض للدغة حين تسمع عن دعوة لتنفيذ مقاطعة لحدث اسرائيلي ما. غالباً ما يكون الادعاء أنه من غير المفيد ولا اللائق "الخلط بين الأمور"، وأنه يجب إبقاء السياسة بعيداً عن الثقافة بشتى تجلياتها. وهناك من يدقّق أكثر فيقول: إن معاقبة نشاطات إسرائيلية ثقافية يصب في مصلحة الجهات المتشددة الحاكمة التي تستغل ذلك لتحشيد التأييد بخطابات شعبوية وقومجية. تلك الأصوات تتجاهل أن التوجه الرسمي والشعبي لأحداث كمسابقة اليوروفيجن، هو سياسيّ حتى الثمالة. هناك حسابات ورهانات على النقاط التي يمكن ويجب كسبها، بمفردات ومفاهيم السياسة. هذا ناهيك عن أن مقولة فصل السياسة عن الثقافة، هي ميكانيكية مسطحة بدرجات عالية. وكل رؤية وتحليل يعتمد النقد سيجد بسهولة مدى متانة ارتباط الناحيتين، وذلك انطلاقا من أن المسائل غير قابلة للتقسيم بهذه التعريفات الجامدة: سياسة مقابل ثقافة، لأن السؤال الحقيق هو: أية سياسة وأية ثقافة؟ أي مضمون وأية غايات وأية قيم تُعتمد؟
في خصوص هذه النقطة الأخيرة، يجب القول إن الادعاءات وكأنه "يجب فصل الفن عن السياسة"، بمعنى التعامل مع المشاركة الإسرائيلية في المسابقة الأوروبية "بروح رياضية" والتجرّد من هوامش السياسة، وبالمقابل التركيز على الشابة التي تغني شخصياً والتغاضي عن أنها تمثل دولة ومؤسسة، باحتلالها واستيطانها وعنصريتها وتعسفها الاجتماعي والطبقي – حتى لو كانت المغنية تفكر بشكل مختلف - هي ادعاءات تتقوّض من تلقاء نفسها أمام الحملة الإسرائيلية النشطة، قبل المسابقة خلالها وبعدها، من حيث التسييس الواضح واستغلال الحدث دون تكتّم ولا انضباط ولا دبلوماسيّات، لغرض كسب نقاط بعملة المصالح السياسية وليس النوتات الموسيقية!

 

الخميس, يونيو 27, 2019

مركز مدار

المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية "مدار"، هو مركز بحثي مستقل متخصص بالشأن الإسرائيلي، مقره في مدينة رام الله. تأسس في  العام 2000، بمبادرة مجموعة من المثقفين والأكاديميين الفلسطينيين، من بينهم: الشاعر الكبير الراحل محمود درويش، د. ليلى فيضي، د. علي الجرباوي، د. أحمد حرب، وليد الأحمد، وأكرم هنية. تم تسجيل المركز كجمعية أهلية غير ربحية.

القائمة البريدية