يسرد كتاب "رحلة في الربيع العربي: الجذور النظرية للهزة الشرق أوسطية في فكر الليبراليين العرب" (منشورات "ماغنس"، القدس، 2016) الذي كتبه سفير إسرائيل الحالي لدى مصر، دافيد جوفرين، قصة الليبراليين العرب التي تشكل تعبيراً وتجسيداً للمأساة التي تلازم العالم العربي ابتداء من أواخر عهد

الإمبراطورية العثمانية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر الماضي. إنها قصة فشل وإخفاق الحضارة العربية الإسلامية في الخروج من حالة الجمود التي ألمت بها في عهد الحكم العثماني طوال خمسمئة عام.

صحيح أنه ظهر إبان القرن العشرين - وحتى الآن - مفكرون عرب شتى بحثوا وجادلوا بلا توقف بشأن الحاجة إلى إجراء إصلاحات سياسية واجتماعية ودينية بغية إيجاد إطار لحكم ديمقراطي وإخراج العرب من تخلفهم المتراكم لكن دون جدوى، إذ أن الشريعة الإسلامية والقبلية العربية تغلبتا في نهاية المطاف.

هذا الكتاب يأتي في وقته، وذلك في أعقاب التقلبات التي شهدها العالم العربي والتي وصفت في البداية بـ "الربيع العربي" الذي ما لبث أن تحول إلى "شتاء إسلامي" (يصف جوفرين تلك التقلبات في كتابه بـ "الهزات")، والتي لم تحمل نتائجها حتى الآن ضمانة إيجابية للمستقبل المنظور.

ويتتبع جوفرين في كتابه، وهو عبارة عن إعادة صياغة لرسالة الدكتوراة خاصته، مسيرة الليبراليين العرب على اختلاف الأجيال، والطريقة التي فهموا بها مفاهيم الديمقراطية وحرية الفرد وحقوق الإنسان الأساسية وكذلك دعوتهم للتغيير، ويتناول عجزهم وإخفاقهم في دفع رؤيتهم قدما، قولا وعملا.

والسؤال هنا: هل ثمة دور أو مساهمة لتفكير هؤلاء الليبراليين العرب، الذين عملوا وما زالوا يعملون في الحيز الإسلامي، في بذر البذور التي أثمرت عن الهزة الحالية في العالم العربي، حتى وإن كانت لم تتكلل في هذه المرحلة بتحقيق النتائج المرجوة؟!

ذلك هو السؤال الذي يسعى المؤلف (دافيد جوفرين) للإجابة عنه، وهو دبلوماسي قديم عمل، من ضمن مناصب أخرى شغلها، مستشارا سياسيا للبعثة الإسرائيلية في الأمم المتحدة، ورئيسا لشعبة الأردن في وزارة الخارجية الإسرائيلية.

وقبل حوالي الشهرين تسلم جوفرين مهام منصبه كسفير لإسرائيل في القاهرة، والتي أشغل فيها فيما مضى مناصب دبلوماسية مختلفة.

ويحمل جوفرين لقب الدكتوراة الذي حصل عليه من الجامعة العبرية وقد درس وتخصص طوال مسيرته الأكاديمية في شؤون الشرق الأوسط.

الصدام بين الغرب والشرق

يرى جوفرين في إحتلال مصر من قبل نابليون في العام 1798 أول لقاء مصيري بين الشرق والغرب، أو حسب تعبيره "نقطة تحول ليس فقط في تاريخ مصر وإنما أيضا في تاريخ المنطقة برمتها... فقد كان الغزو بمثابة تصادم قوي بين ثقافة الغرب المسيحية والثقافة الإسلامية – العربية، والذي أدى في سياق عملية طويلة ومتواصلة، إلى بداية عملية "التمغرب" والتجدد (النسبية - ملاحظة الكاتب) للمنطقة بأسرها".

في السنوات اللاحقة، وفي أعقاب ضعف الإمبراطورية العثمانية وتوسع الكولونيالية الغربية - مثل استعمار تونس من قبل فرنسا في العام 1881 واستعمار مصر من قبل بريطانيا في العام 1882 - نشأ لدى العرب "بُعد جديد لمفهوم التحدي الكامن في لقاء الثقافات بين الغرب والعالم الإسلامي؛ ليس فقط التحدي السياسي والعسكري، الفني والعلمي، وإنما أيضا التحدي الوجودي والتهديد الثقافي".

وقد أدى قيام الدولتان القوميتان العربيتان في سورية والعراق، بعد الحرب العالمية الأولى، برعاية القوتين العظميين المذكورتين (فرنسا وبريطانيا)، إلى تصعيد المجابهة بين القطبين (الشرق والغرب)، وذلك لأنه جرّ معه تسرب قيم الغرب إلى قلب الإسلام. وإزاء هذه السيرورات المصيرية الجسيمة، وبعدما أُلغي نظام الخلافة من جانب كمال أتاتورك في العام 1923، أقيمت حركة "الإخوان المسلمين" في مصر في العام 1928 وذلك بهدف إعادة المجد التليد، أي كبح تغلغل قيم الغرب في الحيز الإسلامي وتجديد نظام الخلافة على أساس الشريعة الدينية الإسلامية التي هي بمنزلة القانون الإلهي.

غير أنه كانت قد بدأت قبل ذلك، في نهاية القرن التاسع عشر، حركة نهضة فكرية – ثقافية كان روادها الرئيسيون مُلمين بالشريعة الإسلامية، وسعوا إلى العثور على إجابة ملائمة تستند إلى الدين الإسلامي ذاته، للتحدي الثقافي والتكنولوجي الذي وضعه الغرب. وقد كان من بين أوائل هؤلاء الرواد جمال الدين الأفغاني، المولود في باريس والذي نشط في مصر في شكل رئيس، والشيخ محمد عبده، المولود في مصر، والعلاّمة المسلم محمد رشيد رضا، المولود في مدينة طرابلس شمالي لبنان، والتي كانت تابعة وقتئذ لسورية العثمانية.

وقد سعى جمال الدين الأفغاني إلى تعزيز الشريعة الإسلامية حتى تتمكن من استيعاب علوم وتكنولوجيا الغرب، والتي رأى فيها الأفغاني عاملا مركزيا في تفوق دول الغرب. كذلك اعتقد، خلافا لعلماء الإسلام، بوجوب إشراك الجمهور في عمليات التشريع وذلك عن طريق إجراء إنتخابات للسلطة التشريعية.

وتبنى الشيخ محمد عبده فكرة الإصلاح في المؤسسات الدينية واعتماد قوانين أوروبية فيما يتعلق بإدارة الحكم ومكانة المرأة. وقد كان أول من اعتقد بأن المفاهيم الإسلامية يمكن أن تتواءم مع الأفكار الأوروبية: فنظام "الشورى" يمكن أن يكون هيئة موازية لبرلمان منتخب، كما أن "الإجماع" يشبه حسب رأيه ما يطلق عليه لدينا "الرأي العام". هذه الأفكار أضحت مقبولة حاليا لدى عدد من المثقفين الغربيين (المؤيدين للإسلام والعرب)، مثل جون أسبوزيتو، الذين يرون في الإسلام دينا ليبراليا أو ميالا إلى الليبرالية، على الرغم من أنه من الواضح أن ثمة هنا تشويها تاما للقرآن والشريعة الإسلامية.

بدوره دعا رشيد رضا، الذي نشأ في أحضان التيار السلفي، على الرغم من قناعاته والتربية التي تلقاها (كان تلميذا للشيخ محمد عبده)، إلى "إضفاء العصرية على الإسلام وتبني توجه عقلي لتفسير القرآن وتطبيق الشريعة الإسلامية". كذلك تبنى رضا إجراء إصلاحات في القانون الإسلامي بغية الحد من تقديس السلطة. مع ذلك فقد اعتقد بوجوب تجديد نظام الخلافة. وقد ابتعد رضا على مر السنوات، بكونه شاهدا على تسلل قيم الغرب إلى الإسلام وظواهر العلمنة عبر الدول القومية الجديدة وظهور القومية العربية (التي تعتبر في حد ذاتها قيمة غربية)، عن آراء ورؤى معلمه وأيد الوهابية السعودية وطور موقفا مستقلا جوهره الحاجة إلى العودة إلى منابع الإسلام، وبذلك فقد أصبح أول أصولي إسلامي سبق عصره، و"الأب الروحي" المولد للحركات الإسلامية المتطرفة الحديثة، التي أقيمت وتطورت على أساس نظرية حركة "الإخوان المسلمين".

صحيح أن ثمة لما يسمى حاليا بالإسلام المتطرف أو الراديكالي آباء قدماء أكثر، إضافة الى أساس ثيولوجي راسخ ومتين، يسعى الغرب إلى تجاهله، وذلك ابتداء من حركة "الخوارج" التي أرست في القرن السابع الميلادي مصطلح "التكفير"، مرورا بـالإمام أحمد بن حنبل، أب المذهب الأكثر تشددا وتزمتا من بين مذاهب التفسير الأربعة للدين الإسلامي، وتقي الدين ابن تيمية، أحد كبار علماء الإسلام الذي دعا للعودة إلى التفسير الأول للقرآن والسُنة وأُعتبر على أنه أب التيار السلفي والوهابية والجهادية (وقد عارض ابن تيمية استنادا إلى تفسيره تقديس القدس من قبل الإسلام)، وانتهاء بسيد قطب، الثيولوج المركزي لـ "الإخوان المسلمين" والذي كرس فكره لحل وإنهاء مشكلة إعلان "التكفير" للمجتمع العربي الآثم والضال، واستخدام الجهاد لأجل فرض وتطبيق الإسلام الحقيقي، وفقا لفهمه، غير أن نظرية رضا، الذي عاصر الشيخ حسن البنا، هي التي شكلت الركيزة الرئيسة لهذا الأخير لدى تأسيسه لحركة "الإخوان المسلمين".

الدين يسيطر على كل شيء

ثمة أهمية لإستعراض تاريخ الإصلاحيين المسلمين الأوائل بغية فهم الإشكالية الكامنة في الصراع من أجل تحقيق الديمقراطية ودفع حقوق الفرد في الإسلام، بما في ذلك في الأجيال اللاحقة للإصلاحيين الليبراليين، وهم في جزء منهم من خريجي الجامعات الأوروبية والغرب. منذ تلك الفترة المبكرة، وفي مراحل لاحقة بشكل خاص، وجد "التوتر بين الثقافة العربية التي تؤكد على الجماعة أو المجموع، وعلى القبلية وصلة الدم، وبين الليبرالية الغربية" تعبيرا له، وفقما كتب جوفرين، مقتبسا خالد الدخيل، أحد المفكرين العرب المعاصرين، والذي لم يتورع عن الجزم بأن الليبرالية في الثقافة العربية ما زالت تُعتبر بمثابة أفكار دخيلة وغريبة يجري تداولها داخل نخبة ضيقة "عاجزة عن تحويلها إلى أيديولوجيا تشكل مصدرا للقيم، ترسم الرؤية النظرية وتوجه السلوك والممارسة". وبحسب هذا المفكر ذاته، فإنه لا يوجد "حيز أو مكان للفرد في المجتمع العربي القبلي والطائفي".

ومن أجل فهم نقاش الليبراليين العرب على مر السنوات وجدار الواقع الإسلامي الذي اصطدموا به، يخصص جوفرين مقدمة مسهبة جدا تبين مغزى المصطلحات والمفاهيم المتعلقة بأداء الديمقراطية في السياق الشرق أوسطي، والتوجهات الرئيسة لتفحص الدمقرطة في العالم العربي.

وعلى سبيل المثال فإن الليبرالية المتبعة في الغرب، والتي أُعتبرت على أنها تحرير للفرد من تبعات تقديس السلطة، لها دلالات مختلفة في العالم العربي مرتبطة أكثر بالنضال من أجل التحرر من الحكم الأجنبي الذي خضعت له البلدان العربية في النصف الأول من القرن العشرين. وفيما يوجد لمصطلح حرية الفرد في الغرب فهم واضح، نجد أن المقصود به وفقا للتقاليد الإسلامية هو المغزى القانوني من قبيل الإعفاء من دفع الضرائب ومن قيود أخرى على أرضية مكانة اجتماعية. ووفقا للدين الإسلامي فإن مفهوم حرية الفرد يناقض سلطة الحاكم التي تعتبر غير محدودة، ومرتكزة على الشريعة الدينية والقانون الإلهي.

صحيح أنه جرى بمرور السنوات تمثل واستيعاب المعاني والدلالات الغربية لهذه المصطلحات في العالم العربي، ولكن ذلك تم في نطاق تحفظات وقيود غير قليلة تنبع من ثقافة سياسية مختلفة تماما عن ثقافة الغرب.

ويقتبس جوفرين في هذا السياق المستشرق إيلي كدوري، الذي خلص إلى القول بأنه "لا توجد في التقاليد السياسية العربية والإسلامية أفكار مشابهة لأفكار الحكم الدستوري والتمثيلي. ففكرة الدولة ككيان إقليمي يستند إلى سيادة الشعب والتمثيل في الانتخابات وحق الاقتراع للجميع والسلطة القضائية المستقلة والمجتمع المدني المؤلف من اتحادات ومنظمات ومجموعات مُسيرة ذاتيا، كل ذلك يعتبر أفكارا غريبة تماما عن تقاليد الإسلام".

في الفصل الأول من كتابه، والذي كُرس لتقديم عرض مقتضب للإسلام وجوهره السياسي، يوجز جوفرين الموضوع بقوله إن "المفهوم الأساس للإسلام يرتكز على التسليم بوحدانية الله (التوحيد) وإرادته التي تشكل أمرا وتوجيها للجميع. والسيادة المطلقة هي إرادة الله وحده بلا منازع ولا يجوز لأي إنسان أو طبقة أو مجموعة أو حتى عامة السكان، أن يطالبوا بهذا الحق. والقرآن هو أساس للفكر الإسلامي ولا وجود لنظرية سياسية مستقلة في الإسلام. فالدين يشمل مجمل نواحي حياة الفرد وهو المصدر للتماثل والشرعية".

هذا الإجمال المقتضب يبين بوضوح المصاعب التي واجهها وما زال يواجهها الليبراليون العرب الذين يحاولون ويسعون إلى دفع حرية الفرد والديمقراطية قدما في الإسلام.

وتتطرق غالبية فصول الكتاب إلى الليبراليين العرب على اختلاف أجيالهم، ولا سيما في مصر وكذلك أيضا في سورية والعراق، وسعيهم إلى بلورة نظرية أو صيغة قادرة على دفع الديمقراطية في العالم العربي قدما. وقد كرس هؤلاء جهودهم لتفحص مسألة كيف يمكن لحكم ديمقراطي يرتكز على فصل السلطات وتقييد صلاحيات الحاكم، وحرية الفرد وتجسيد حقوق الإنسان والمساواة الجندرية، أن يتسق، رغم كل ذلك، مع الإسلام. ومما لا شك فيه أن مهمة هؤلاء كانت وما زالت صعبة ومعقدة، كما أنهم لم يعثروا حتى الآن على صيغة توفيقية ملائمة.

من الواضح حاليا للجميع أن هناك حاجة لفصل الدين عن الدولة بغية تطبيق الديمقراطية على اختلاف قيمها، غير أن قلائل فقط هم من يقرون بذلك صراحة، ذلك لأن الأمر يشكل مسا بذات وكينونة الإسلام. وقد رأينا على سبيل المثال ما حدث في تسعينيات القرن الماضي في مصر للصحافي والكاتب فرج فودة الذي لقي حتفه في جريمة قتل، وما حدث للبروفسور في الفلسفة نصر أبو زيد الذي دعا إلى تفسير جديد للإسلام، وحوكم بتهمة الكفر وأُجبر على الطلاق من زوجته ثم هرب إلى هولندا.

إن مهمة الليبراليين العرب وجهودهم تشكل مثالا مأساويا مستمرا على مجهود سيزيفي ليس له سوى أمل ضئيل في الوصول إلى قمة الجبل.

شباب "التحرير" ليسوا الشعب المصري

على الرغم من ذلك وفي مقابل أحداث مؤسسة في أنحاء العالم أو الدول العربية، أخذت تظهر مجددا أفواج من الليبراليين العرب. وفي أعقاب تحرر الدول القومية العربية، مصر وسورية والعراق، من نير الإستعمار، ظهرت أيضا بوادر ديمقراطية. وقد أقيمت في هذه الدول برعاية القوى الإستعمارية، وفي محاكاة للغرب، أحزاب سياسية وأجريت انتخابات أدت إلى إنشاء برلمانات. في تلك السنوات هبت أيضا رياح تغيير طفيفة، غير أن التقاليد العربية والإسلامية سرعان ما تغلبت، إذ نشأت وتطورت حركات قومية عربية متطرفة، وفي الوقت ذاته ظهرت في المقابل حركات إسلامية، كانت تلك الدول ذاتها ضحيتها الأولى. كما جرت انقلابات عسكرية في كل من سورية والعراق ومصر وليبيا هدفها المزعوم مكافحة الفساد والمحسوبية، غير أنها أدخلت العالم العربي في دوامة من الكراهية والحروب الأهلية، وأضرت بالتنمية الاقتصادية وكبحت أي تقدم نحو الديمقراطية والتطور.

إلى ذلك فإن هزيمة العرب في حرب العام 1967 وحروب الخليج التي تغلغلت خلالها قوات أجنبية إلى العديد من الدول العربية ملحقة الهزيمة بجيوشها، وبعد إنهيار الإتحاد السوفييتي وظهور العولمة في وسائل الإعلام والإتصال الإلكترونية والإنترنت، كل هذه الأحداث والتطورات تظهر العالم العربي كحيز متخلف، غير أنها تحفز وتلهم أيضا عددا كبيرا من المثقفين العرب لطرح اقتراحات وأفكار تساهم في دفع العصرنة.

ويتوقف جوفرين في كتابه مطولا أمام الليبراليين المصريين والسوريين والعراقيين الجدد المعاصرين، الذين يشكلون مجموعة متنوعة يقسمها إلى ليبراليين مؤسسيين وشبه مؤسسيين ومستقلين. ويعتقد جوفرين أنه كان لهؤلاء على امتداد السنوات دور ومساهمة في صحوة ويقظة الجماهير في دولهم وفهم أوضاعها والمطالبة بإجراء إصلاحات، وحثها (أي الجماهير) على الخروج ضد أنظمة الحكم السائدة. كما يشير إلى وسائل الإعلام الجديدة وقنوات التلفزة الفضائية وشبكات التواصل الإجتماعي، التي مكنت الجمهور من معرفة ما يحدث في المجالات الاجتماعية والاقتصادية وتنظيم إضرابات وإحتجاجات في سائر أنحاء العالم العربي، مما شكل مصدر إلهام ونموذجا يحتذى.

مع ذلك يحذر جوفرين من مغبة تشويه الواقع ويؤكد على أن التغطية الإعلامية خلقت انطباعا خاطئا كما لو أن شباب "ميدان التحرير" (في القاهرة)، الذين يمتلكون وعيا سياسيا متقدما، يمثلون غالبية الجمهور المصري المثقف والمتنور، الذي ينتمي إلى جيل الفيسبوك والتويتر. فمعظم المصريين يقيمون في مدن الهامش في ظروف فقر وضائقة ولا يمتلكون إمكانية الوصول إلى الإنترنت، كما أنهم يعتمدون على منظمات إعانة إسلامية تستغل الفراغ الذي تركته الدولة. ولعل ذلك هو ما يفسر فوز أحزاب "الإخوان المسلمين" في الانتخابات الأولى بعد الإطاحة بزعماء الدول في تونس ومصر وليبيا.

من جهة أخرى يقول جوفرين إن حاجز خوف المواطنين من الحكم والسلطة قد كُسر، ولعل ذلك هو السمة الأبرز لما يسمى بـ "الربيع العربي"، والذي يمكن له أن يتيح فسحة معينة للتفاؤل تجاه المستقبل. غير أن السؤال لم يزل مفتوحا بطبيعة الحال في ضوء ما يحدث حاليا في الدول العربية. كذلك فقد فند "الربيع العربي" الإدعاء بأن النزاع الإسرائيلي – الفلسطيني هو المشكلة المركزية في العالم العربي. وقد نُحي في هذه الأثناء الانشغال بهذا الموضوع من مركز الأجندة العربية، غير أنه يمكن أن يعود إلى مكانته هذه في أعقاب أحداث غير متوقعة أو قرارات للحكام العرب. ويُشار إلى أن معظم الليبراليين العرب لا يرون في النزاع مع إسرائيل عاملا يمكن له أن يعيق أو يعطل عملية الدمقرطة في العالم العربي، وإنما يرونه كموضوع جرى استغلاله من قبل الحكام العرب لصرف أنظار شعوبهم عن الواقع الأعوج والسيء في دولهم.

أوروبا في "دائرة الخطـر"!

يُعتبر كتاب جوفرين مهما في إسرائيل وفي الغرب على حد سواء.

ففي الوقت الذي تشهد فيه المنطقة حروبا طاحنة بين السُنة والسُنة وبين الشيعة والسُنة، وبعدما انهارت وتفككت ما لا يقل عن خمس دول عربية (سورية، العراق، اليمن، ليبيا والصومال) وصار القتلى يُعدون بمئات الآلاف، هناك حاجة لفهم ما يحدث والأسباب التي أدت إلى هذا الوضع الكارثي، الذي لم يتكهن به حتى الليبراليون العرب المتشائمون.

ويعرض جوفرين صورة شاملة، تتيح لنا إلقاء نظرة على المشاكل المركبة في الإسلام وذلك عبر صراع المفكرين الليبراليين على اختلاف أجيالهم ضد منظومة الحضارة التي ترفض بحكم طبيعتها أي تجديد.

وكما تدل مسيرة كفاح هؤلاء الليبراليين العرب فإن منظومة الشريعة الإسلامية المسيطرة، المكونة من القرآن والسُنة، لن تتغير في المستقبل المنظور، فضلا عن ذلك يبدو أن تواجد الإسلام في أوروبا الغربية سيشهد مزيدا من التمدد والاتساع، الأمر الذي سيعزز من قوة ونفوذ المؤمنين به، الذين يتطلعون إلى تطبيق الشريعة الإسلامية في وطنهم الجديد.

_________________________

(*) الكاتب مستشرق ودبلوماسي إسرائيلي أشغل منصب سفير إسرائيل في كل من مصر ورومانيا والسويد، وهو حاليا باحث زميل في "معهد القدس لشؤون الجمهور والدولة".

الأربعاء, يوليو 24, 2019

مركز مدار

المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية "مدار"، هو مركز بحثي مستقل متخصص بالشأن الإسرائيلي، مقره في مدينة رام الله. تأسس في  العام 2000، بمبادرة مجموعة من المثقفين والأكاديميين الفلسطينيين، من بينهم: الشاعر الكبير الراحل محمود درويش، د. ليلى فيضي، د. علي الجرباوي، د. أحمد حرب، وليد الأحمد، وأكرم هنية. تم تسجيل المركز كجمعية أهلية غير ربحية.

القائمة البريدية