أصدرت منظمة "بتسيلممركز المعلومات الإسرائيلي لحقوق الإنسان في الأراضي المحتلّة، تقريراً جديداً بعنوان "عدالة زائفة: مسؤولية قضاة محكمة العدل العليا عن هدم منازل الفلسطينيين وسلبهم" أكدت فيه أنه عوضاً عن قيام هؤلاء القضاة بواجبهم والإقرار بأنّ سياسة إسرائيل مخالفة للقانون ومنعها من هدم المنازل، فإنهم يختارون مرّة تلو الأخرى منح هذه السياسة شرعيّة قانونيّة وشرعنتها على المستوييْن القانوني والجماهيري. وهكذا فإن القضاة لا يخونون وظيفتهم فحسب بل أيضاً يقومون بدور مركزي في تأصيل صناعة الاحتلال والاستيطان وكذلك تعميق سلب أراضي الفلسطينيين.

وفيما يلي أبرز ما جاء في هذا التقرير:

في بداية شهر أيلول عام 2018 وبعد سنوات من المداولات القضائيّة قرّر قضاة محكمة العدل العليا الإسرائيلية أنّه لا يوجد ما يمنع قانونيّاً هدم تجمّع خان الأحمر، بحجة أنّ البناء في المنطقة الواقعة على بُعد نحو كيلومترين جنوبيّ مستوطنة كفار أدوميم مخالف للقانون.

وحين تعتبر المحكمة في قرارها أنّ هدم القرية ليس سوى مسألة تتعلّق بـ"تطبيق القانون" فهي تنوب عن الدولة بأمانة تامّة، إذ تضع إسرائيل في هذا الإطار مجمل سياستها تجاه البناء الفلسطيني في أنحاء الضفّة الغربيّة طيلة سنوات. وعلى مستوى التصريحات تطرح السّلطات الإسرائيلية مسألة هدم منازل الفلسطينية على أنّها مجرّد مسألة بناء مخالف محض للقانون وكأنّما لا توجد لإسرائيل غايات بعيدة المدى في الضفة الغربية، وكأنّما لا توجد لهذه المسألة إسقاطات وآثار بعيدة المدى على حقوق الإنسان لمئات آلاف البشر وضمن ذلك على قدرتهم على المعيشة وكسب الرّزق وإدارة حياتهم.

تبنّت المحكمة العليا هذه الرؤية بتمامها. ففي آلاف القرارات والأحكام الصادرة خلال السنوات في ملفّات موضوعها هدم منازل الفلسطينيين في الضفة اعتبر القضاة سياسة التخطيط الإسرائيلية قانونيّة ولا تشوبها شائبة مسلّطين الضوء في جميع الحالات تقريباً على الجانب التقنيّ: هل يمتلك من قدّم الالتماس ضدّ الهدم رخصة بناء؟. ومراراً وتكراراً يغضّ القضاة الطرْف منذ البداية عن غايات وأهداف السياسة الإسرائيلية ويتجاهلون حقيقة أنّ إسرائيل تمنع البناء عن الفلسطينيّين بشكل شبه كلّي كما يتجاهلون عواقب ذلك: الحياة بالحدّ الأدنى من متطلّبات المعيشة وأحياناً بظروف بائسة ومشينة والاضطرار إلى بناء منازلهم دون ترخيص والقلق الدّائم نتيجة انعدام اليقين المخيّم على المستقبل.

سياسة التخطيط في الضفة الغربيّة

يعمل جهاز التخطيط الذي أقامته إسرائيل في الضفة الغربية لخدمة سياسة تعميق وتوسيع السيطرة الإسرائيليّة على الأراضي في أرجاء الضفة الغربية. وفيما يتعلّق بالتخطيط للفلسطينيّين تعمل الإدارة المدنيّة على منع أيّ تطوير وتقليص مسطّح البلدة وتكثيف البناء. الهدف من ذلك إبقاء أقصى ما يمكن من الأراضي احتياطيّاً لاحتياجات إسرائيل وعلى رأسها توسيع المستوطنات. أمّا حين يتعلّق الأمر بالمستوطنات - علماً أنّ إقامتها مخالفة للقانون أصلاً - فأداء الإدارة المدنيّة معاكس تماماً: يعكس التخطيط للمستوطنات احتياجاتها الحاليّة والمستقبليّة ومن هنا السّعي لإدخال أكبر مساحة ممكنة من الأراضي ضمن الخريطة الهيكليّة بهدف السيطرة على أقصى ما يمكن من مورد الأرض. وهذا التوجّه في التخطيط يؤدّي إلى الهدر في تطوير البنى التحتيّة وفقدان مناطق طبيعيّة والتخلّي عن مساحات مفتوحة.

تحقّق إسرائيل هذه الغاية بطرق عدّة، فأوّلاً هي تمنع الفلسطينيّين من البناء في نحو 60% من مناطق C (وتشكّل ما يقارب 36% من مجمل أراضي الضفّة الغربيّة) بواسطة منح مختلف التعريفات القانونيّة لمساحات شاسعة (وأحياناً يتطابق أكثر من تعريف على منطقة واحدة). وهذه التعريفات تُستخدم جميعها بهدف تقليص الحيّز المتاح للتطوير الفلسطينيّ إلى حدّ كبير.

وثانياً، غيّرت إسرائيل في قانون التخطيط الأردني السّاري في الضفة واستبدلت كثيراً من بنوده بأمر عسكريّ بحيث نقلت كلّ صلاحيّات التخطيط في الضفة إلى مجلس التخطيط الأعلى التابع للإدارة المدنيّة وألغت أيّ تمثيل فلسطينيّ في لجنة التخطيط. وهكذا أصبحت الإدارة المدنيّة المسؤول الوحيد عن التخطيط والتطوير في الضفة الغربية، سواء في البلدات الفلسطينية أو في المستوطنات.

وثالثاً، تستغلّ إسرائيل سيطرتها الحصريّة على جهاز التخطيط لتمنع التطوير الفلسطيني بشكل شبه تامّ ولكي تكثّف البناء حتى داخل الـ40% المتبقّية التي لا يُمنع الفلسطينيون مسبقاً من البناء فيها. وفي تشرين الأوّل 2018 قال رئيس الإدارة المدنيّة خلال جلسة في الكنيست إنّه لا يوجد اليوم أيّ تخطيط للفلسطينيّين وفقاً لتعليمات مسؤولين سياسيّين.

لكن كي تُظهر إسرائيل أنّ جهاز التخطيط يُدار على نحوٍ لائق تدّعي أنّ التخطيط في البلدات الفلسطينيّة يتمّ وفقاً لخرائط هيكليّة أعدّها الانتداب البريطاني في أربعينيّات القرن الماضي- تعرّف الاستخدامات المختلفة للأراضي في جميع أنحاء الضفة- علماً منها أنّ هذه الخرائط بعيدة كلّ البُعد عن تلبية الاحتياجات الحاليّة للسكّان الفلسطينيّين. صحيح أنّ الإدارة المدنيّة أعدّت مئات "الخرائط الهيكليّة الخاصّة" للبلدات الفلسطينيّة بزعم استبدال الخرائط الانتدابيّة لكنّ حتى هذه الخرائط الإسرائيليّة غايتها التضييق على الفلسطينيّين وتقييد البناء إذ إنّ جلّ ما تفعله هو تطويق البلدات عبر ترسيم حدود تتاخم المناطق العمرانيّة للبلدة (بموجب صور جوّيّة للبلدة).

وتنعكس نتائج هذه السياسة جلياً في المعطيات:
 طلبات رخص بناء: وفقاً لمعطيات الإدارة المدنيّة قدّم الفلسطينيّون 5475 طلبات ترخيص بناء في الفترة الواقعة بين عام 2000 ومنتصف عام 2016 وتمّت الموافقة على 226 طلباً فقط، أي نحو 4% من الطلبات.

 أوامر هدم: على مرّ السّنوات أصدرت الإدارة المدنيّة آلاف أوامر الهدم لمبانٍ فلسطينيّة. وفقاً لمعطيات الإدارة المدنيّة صدر 16796 أمر هدم في الفترة الواقعة بين عام 1988 وعام 2017، نُفّذ منها 3483 أمراً (نحو 20%) ولا يزال 3081 أمر هدم (نحو 18%) قيد المداولة القضائيّة. حتى عام 1995 (عام توقيع اتّفاقيّة المبادئ الانتقاليّة) أصدرت الإدارة أقل من 100 أمر هدم سنويّاً لكن منذ ذلك العام أخذ يتزايد تدريجيّاً إصدار أوامر الهدم حتى بلغ معدّل 1000 أمر سنويّاً منذ العام 2009.

 تنفيذ هدم: وفقاً لمعطيات "بتسيلم" منذ عام 2006 (العام الذي بدأت فيه "بتسيلم" بتوثيق هدم المنازل) وحتى نهاية عام 2018 هدمت إسرائيل على الأقلّ 1401 منزل فلسطينيّ في الضفة الغربية بدون القدس الشرقية. في أعقاب الهدم فقد على الأقل 6207 أشخاص منازلهم بينهم على الأقل 3134 قاصراً. وفي التجمّعات التي لا تعترف بها إسرائيل وجزء كبير منها مهدّد بالتهجير تهدم الدولة منازل السكّان مراراً وتكراراً. خلال هذه الفترة شرّدت إسرائيل مراراً في هذه التجمّعات 1014 فلسطينيّاً بينهم 485 قاصراً نتيجة لهدم منازلهم المتكرّر.

 التخطيط في المستوطنات صورة عكسية لما يحدث في البلدات الفلسطينيّة: ما عدا في مدينة الخليل أقيمت جميع المستوطنات في أراضٍ مفتوحة وأعدّت لجميعها تقريباً خرائط هيكليّة مفصّلة وسخيّة استبدلت الخرائط الانتدابيّة القديمة التي كانت سارية على تلك الأراضي. تشمل الخرائط الجديدة تفصيلاً لاستخدامات الأرض المختلفة بما يتلاءم مع احتياجات البلدة الحديثة وبضمنها المساحات العامّة والمساحات الخضراء ومساحات للتوسّع والتطوير المستقبليّ تتعدّى بكثير احتياجات التكاثر السكّانيّ الطبيعيّ. كذلك اهتمّت الإدارة المدنيّة بشقّ شبكة شوارع حديثة تصل المستوطنات بعضها ببعض وتصلها بالجانب الآخر من الخطّ الأخضر، وخلال ذلك طوّقت البلدات الفلسطينيّة وقيّدت إمكانيّات تطويرها.

قرارات المحكمة العليا شرعنة تامّة لجهاز التخطيط

قدّم الفلسطينيّون على مرّ السّنين مئات الالتماسات إلى محكمة العدل العليا مطالبين بإلغاء أوامر الهدم التي أصدرتها الإدارة المدنيّة. في معظم الحالات تُصدر المحكمة أمراً مؤقتاً بتجميد الهدم يمنع الدولة من تنفيذه إلى حين البتّ في القضيّة. لكن هذا التجميد يجبي في أحيان كثيرة ثمناً باهظاً من السكّان. فمثلما تمنع المحكمة الدولة من الهدم تمنع أيضاً السكّان الفلسطينيّين من بناء المنازل والمباني العامّة أو الاتّصال بشبكات البنى التحتية أو حتّى ترميم المباني القائمة، بما في ذلك الترميمات الضروريّة. بذلك يجد السكّان الفلسطينيّون أنفسهم خاضعين لفترات طويلة من التجميد وانعدام اليقين بخصوص مستقبلهم.

في نهاية الأمر ترفض المحكمة كثيراً من الالتماسات، حيث يرفض القضاة جميع الحجج المبدئيّة التي طرحها السكّان بخصوص سياسة التخطيط التي تطبّقها إسرائيل في الضفة بل هم يرفضون حتى النظر في بعض هذه الحجج. وهناك التماسات يسحبها الملتمسون أنفسهم، أحياناً في أعقاب تبليغ من الدولة بأنّها لا تعتزم تنفيذ أمر الهدم في هذه المرحلة وبعد أن التزمت تجاه الملتمسين بإخطارهم مسبقاً إذا غيّرت موقفها. ولكن بناءً على المعلومات المتوفّرة لدى "بتسيلم" لم يحدث ولو مرّة واحدة أن قبل القضاة التماساً قدّمه فلسطينيّون ضدّ هدم منزلهم.

ولا يرى القضاة أيّ غضاضة في الإعلان عن "أراضي دولة" أو عن "مناطق تدريبات" في الضفّة الغربيّة، ورغم تقديم حجج تطعن في قانونيّة هذه الإجراءات أمام القضاة قبل هؤلاء في كلّ مرّة ادّعاء الدّولة بأنّ البناء الفلسطينيّ مخالف للقانون وعليه يجب هدم المباني. ولطالما قبلت المحكمة العليا موقف الدولة القائل بأنّه لا يُسمح بأن يبني الفلسطينيّون على "أراضي الدّولة" علماً أنّ الأمر مسموح للمستوطنين.

وأقرّ القضاة أنّ التغيير الذي أجري على قانون التخطيط الأردنيّ قانونيّ وضروريّ، رغم أنّ القانون الإنسانيّ الدوليّ يمنع الدولة المحتلّة من إجراء تغييرات على القانون المحلّي عدا استثناءات لا تنطبق في الحالة التي أمامنا. بذلك تجاهل القضاة حقيقة أنّ هذا التغيير أتاح لإسرائيل أن تركّز في يديها مجمل جهاز التخطيط وأن تُخرج الفلسطينيّين من جميع لجان التخطيط وأن تمنعهم من المشاركة في تقرير مستقبلهم. هذا التغيير هو ما أتاح في السنوات اللّاحقة إقامة جهازي تخطيط متوازيين، واحد للفلسطينيّين وواحد للمستوطنين.

وتضفي المحكمة على سياسة الدولة طابع الشرعيّة القانونيّة بشكل ضمنيّ أيضاً وذلك عبر وسيلتين: تمويه الفروق بين أجهزة التخطيط المختلفة، والانتقائيّة في التعامل مع أحكام القانون الدوليّ.

عدلٌ زائف

تتعامل المحكمة العليا مع جهاز التخطيط الذي أقامته إسرائيل للسكّان الفلسطينيّين في الضفة وكأنّه جهاز تخطيط مماثل لذلك الذي أقامته للمستوطنين، برغم أنّ الفرق بين الجهازين شاسع. وقال القاضي حنان ملتسر، في إحدى جلسات النظر في التماسات خان الأحمر التي انعقدت خلال عام 2018، إن هناك "قانوناً واحداً للجميع" حين تطرّق إلى تطبيق قوانين التخطيط والبناء على الفلسطينيّين والمستوطنين سواءً بسواء. غير أنّ السياسة التي تتّبعها إسرائيل مع المستوطنين معاكسة لتلك التي تتّبعها مع الفلسطينيّين. ورغم صرخات ادعاء المظلوميّة التي تعلو من حين لآخر في أوساط المستوطنين يكفي النظر إلى الواقع كما هو لرؤية الفرق الشاسع بين التخطيط لأجل المستوطنين والتخطيط لأجل الفلسطينيّين. ففي الأعوام الخمسين الماضية أقامت الدولة نحو 250 مستوطنة جديدة يحظر القانوني الدولي إقامتها أصلاً، وفي الفترة نفسها أقامت بلدة فلسطينيّة واحدة فقط نُقل إليها تجمّع بدويّ كان قائماً في منطقة خصّصتها إسرائيل لتوسيع مستوطنة. وهكذا فحتى إقامة البلدة الوحيدة هذه جاءت لخدمة احتياجات إسرائيل. في المقابل أقامت إسرائيل جهازاً لا يتيح للفلسطينيّين الحصول على رخص بناء ويبذل جهوداً ملحوظة في فرض شروط مشدّدة على أيّ بناء يخدم السكّان الفلسطينيّين ومن ثمّ التشدّد في تطبيقها أيضاً.

إن الفجوة شاسعة بين هذا الواقع والواقع الذي تصفه آلاف قرارات المحكمة العليا، حيث يكتب القضاة عن "سلامة الأداء" وعن "استنفاد جميع الإجراءات" ويقبلون ادّعاءات الدولة بحرفيّتها حول التخطيط لأجل الفلسطينيّين، وفي النهاية يسمحون للدولة بهدم منازل مقدّمي الالتماس ويفرضون عليهم العيش في بؤس مستديم. صحيح أنّ المحكمة ليست من يسنّ القوانين ولا هي من يضع السياسة أو يطبّقها لكنّ من صلاحيّة قضاة المحكمة - ووظيفتهم - الإقرار بأنّ سياسة إسرائيل مخالفة للقانون ومنعها من هدم المنازل. وعوضاً عن القيام بواجبهم يختار القضاة مرّة تلو الأخرى منح هذه السياسة شرعيّة قانونيّة وشرعنتها على المستوييْن القانوني والجماهيري. وهكذا فإن القضاة لا يخونون وظيفتهم فحسب بل أيضاً يقومون بدور مركزي في تأصيل صناعة الاحتلال والاستيطان، وكذلك تعميق سلب أراضي الفلسطينيين.

 

 

الثلاثاء, مارس 26, 2019

مركز مدار

المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية "مدار"، هو مركز بحثي مستقل متخصص بالشأن الإسرائيلي، مقره في مدينة رام الله. تأسس في  العام 2000، بمبادرة مجموعة من المثقفين والأكاديميين الفلسطينيين، من بينهم: الشاعر الكبير الراحل محمود درويش، د. ليلى فيضي، د. علي الجرباوي، د. أحمد حرب، وليد الأحمد، وأكرم هنية. تم تسجيل المركز كجمعية أهلية غير ربحية.

القائمة البريدية