"الانسحاب الإسرائيلي من الضفة الغربية، على أساس حدود الرابع من حزيران 1967، حتى لو كان مع بعض التعديلات في الكتل الاستيطانية الكبيرة، قد يعرّض دولة إسرائيل إلى خطر وجوديّ"– هذا هو الاستنتاج المركزي الذي تأتي لتأكيده كراسة جديدة أعدها الجنرال (احتياط) غرشون هكوهين، الباحث في "مركز بيغن ـ السادات للدراسات الاستراتيجية" في جامعة "بار إيلان" الإسرائيلية، وصدرت عن هذا المركز في أواخر شهر كانون الثاني الأخير.

وتبين قراءة في هذا الكراسة (77 صفحة) أن الادعاء المركزي الذي تطرحه، ويوصل بالضرورة إلى الاستنتاج المذكور، هو أن انسحاب القوات الإسرائيلية الشامل من مناطق الضفة الغربية (وهو ما تسميه الكراسة "الانفصال عن الفلسطينيين في يهودا والسامرة على أساس حدود 1967") لن يؤدي إلى محاصرة إسرائيل في حدود لا يمكن الدفاع عنها فقط، وإنما سيؤدي أيضا إلى نشوء "كيان إرهابي" ـ بحسب تعبيره ـ كما حصل في قطاع غزة إبان عملية أوسلو، مع فارق جوهري وحاسم هو: أن قرب مناطق الضفة الغربية من الموارد والمنشآت الأساسية الحيوية الإسرائيلية، على طول سواحل البحر المتوسط، يزيد حجم الخطر الذي ينطوي عليه هذا الانسحاب، أضعافاً مضاعفة.

رد على مقترحين

تكشف قراءة الكراسة عن أن إعدادها لم يكن صدفة وإنما جاء لطرح "مسار بديل" عن مسارين آخرين سبق أن طُرحا ضمن مقترحين سابقين مؤخرا: الأول، أصدره "معهد أبحاث الأمن القومي" بعنوان "مسار عمل استراتيجي للجبهة الإسرائيلية ـ الفلسطينية" والذي "لم يتجاهل هذا الخطر (الوجودي)، لكنه قدم له حلاً مؤقتا وجزئياً"؛ والثاني، المسار الذي تطرحه منظمة "قادة عسكريون من أجل أمن إسرائيل".

وتدعي الكراسة بأن المقترحين المذكورين لم يذوّتا بصورة نقدية التغيرات الدولية التي حصلت خلال العقدين الأخيرين في كل ما يتعلق بـ"ظاهرة الحرب"، وانطلقا من "تقديرات مبالغ فيها" بشأن قدرات الجيش الإسرائيلي في مدى الفاعلية والأهمية حيال التهديدات المتشكلة. وخلافاً للاعتقاد السائد، مثلا، فإن كتلة الاستيطان المدني في كامل الحيز الجغرافي "أصبحت أكثر مركزية، بل شرطاً ضروريا لضمان نجاعة العمل الأمني والعسكري".

مسوغات مختلفة ـ رفض الانسحاب وحل الدولتين

تشير الكراسة إلى أن مؤيدي "حل الدولتين" يؤسسون موقفهم هذا على مجموعتين من المسوغات المتوازية: سياسية ـ إيديولوجية واستراتيجية ـ عسكرية. في المستوى الأول، يدعي المؤيدون بأن استمرار السيطرة الإسرائيلية على المناطق التي احتلتها في "حرب الأيام الستة"، في حزيران 1967، يمس بطابع دولة إسرائيل الديمقراطي وبأن حلّ هذه الإشكالية بواسطة ضم هذه المناطق، بما عليها من ملايين السكان الفلسطينيين، سيؤدي إلى القضاء على دولة إسرائيل كدولة يهودية.

برغم أن هكوهين يحرص على تأكيد ادعائه بأن الكراسة لا تعالج البُعد السياسي ـ الإيديولوجي في حل النزاع الإسرائيلي ـ الفلسطيني، وإنما هي تعالج أبعاده الاستراتيجية ـ العسكرية فقط، إلا إنه يشدد على أن "إنهاء السيطرة على الفلسطينيين وإقامة دولة فلسطينية في حدود حزيران 1967 لا يجسدان، بالضرورة، الرؤية ذاتها ولا يؤديان إلى حل واحد فقط". ويورد لادعائه هذا إسناداً مما كان "في صلب رؤية رئيس الحكومة إسحاق رابين بالنسبة لعملية أوسلو"، إذ كان رابين يريد ـ كما يقول هكوهين ـ الفصل بين عنصرين: التمسك بإنهاء السيطرة الإسرائيلية على الفلسطينيين، إلى جانب رفض فكرة أن هذا المسار سيؤدي بالضرورة إلى الانسحاب الإسرائيلي إلى حدود حزيران 1967، ولا إلى إقامة دولة فلسطينية بالطبع.

ويضيف هكوهين زاعماً بأن "سعي رابين إلى إنهاء السيطرة الإسرائيلية على الفلسطينيين قد تحقق بالكامل، فعلاً"، وذلك بعد اغتياله، "حيث أصبح ما يزيد عن 90% من السكان الفلسطينيين في الضفة الغربية تحت سيطرة فلسطينية وليس تحت احتلال إسرائيلي"!

بكلمات أخرى ـ كما يضيف المؤلف ـ فإن الخلاف بين إسرائيل والفلسطينيين (وبين الإسرائيليين أنفسهم) "لم يعد يدور حول طريقة إنهاء الاحتلال وإنما حول مستقبل القدس الشرقية ومنطقة C (التي تضم جميع المستوطنات اليهودية في الضفة الغربية، معسكرات الجيش الإسرائيلي، الطرق الرئيسية، المناطق الحيوية والفضاء المفتوح على مشارف غور الأردن) وحول مدى الضرورة الأمنية لمواصلة السيطرة الإسرائيلية على هذا الفضاء".

يعرض الكاتب "الفرضيات الأساس المركزية الأربع" التي يؤسس عليها مؤيدو "الانسحاب من يهودا والسامرة وحل الدولتين" موقفهم، وفي مقدمتهم أيضا كبار المسؤولين الأمنيين السابقين، وهي: 1. الانفصال، بما يشمله من إخلاء واسع لمستوطنات يهودية، سيقرر الحدود، يقلص مساحات التماس والاحتكاك ويخلق واقعاً جديداً يقود نحو الاستقرار؛ 2. في حال زعزعة الاستقرار إلى درجة تشكيل تهديد أمني غير محتمل، سيكون بإمكان الحكومة الإسرائيلية اتخاذ القرار اللازم وإرسال الجيش الإسرائيلي لشنّ هجوم ينهي التهديد الصادر من مناطق الدولة الفلسطينية؛ 3. الجيش الإسرائيلي، بتفوقه العسكري الدائم والثابت، سيكون قادرا على إزالة أي تهديد أمني في غضون أيام قليلة؛ 4. الانسحاب من مناطق الضفة الغربية وإنهاء الاحتلال سيضمنان دعماً دوليا واسعا لأي عملية عسكرية كهذه تقدم عليها.

ويؤكد الكاتب رفضه لهذه الفرضيات الأربع كلها "من وجهة النظر العسكرية ـ الاستراتيجية"، بادعاء مركزي هو أنه "إزاء التغيرات الجوهرية في طابع الحروب والمجتمع الدولي (بما في ذلك الثورة في مجال الاتصالات) خلال القرن الحالي، فمن المؤكد أن يؤدي الانسحاب الإسرائيلي من يهودا والسامرة وغور الأردن وإقامة دولة فلسطينية في هذه المناطق إلى وضع دولة إسرائيل أمام تهديد أمني ـ استراتيجي غير مسبوق".

في تعليل رفضه لهذه الفرضيات، يطرح معد الكراسة الادعاءات التالية:
• منطق الحرب مع "حزب الله" ـ الذي تبنته حركة "حماس"، مع التعديلات اللازمة في قطاع غزة، والذي سيتم تبنيه بالتأكيد في الضفة الغربية عقب الانسحاب الإسرائيلي ـ يرسم خطوطا عريضة للسيناريو الأمني الأكثر خطورة الذي قد يتطور في داخل مناطق الدولة الفلسطينية الواقعة في قلب مناطق جبلية تشرف على المناطق الساحلية في دولة إسرائيل، والقريبة جدا من التجمعات السكنية المركزية فيها، كما تشرف على جميع الموارد والمنشآت الاستراتيجية الموجودة في المنطقة.
• سيتعاظم هذا الخطر بدرجة كبيرة في حال نشوب قتال متواز في الوقت ذاته على جبهات مختلفة، في قطاع غزة، وفي لبنان وربما في سورية أيضا (بعد إعادة تثبيت نظام الأسد، بدعم إيراني مستمر). وأصبح سيناريو القتال المتزامن في غزة ولبنان يعتبر، منذ الآن، احتمالا وارداً، فكم بالحري عندما يصبح قطاع غزة جزءا من الدولة الفلسطينية التي ستقام؟ مثل هذا السيناريو سيضع إمكانيات الرد من جانب الجيش الإسرائيلي في مأزق صعب، وبالأساس مأزق استراتيجي ـ عملاني قد يحول، جراء اعتبارات داخلية وعالمية، دون تركيز الجهود الكافية على حلبة الضفة الغربية، مما سيزيد من صعوبة إعادة احتلالها من جديد، بدرجة كبيرة.
• نزع سلاح الدولة الفلسطينية المستقبلية ـ وهو شرط أساس لإقامتها، حتى في منظور مؤيدي هذا الخيار، من اليمين ومن اليسار على حد سواء ـ غير قابل للتحقيق، كما أثبت، بصورة قاطعة، الفشل المدوي في نزع السلاح في قطاع غزة في إطار اتفاقيات أوسلو، بالرغم من تعهد منظمة التحرير الفلسطينية بهذا الإجراء، في عدد من الاتفاقيات التي تم التوقيع عليها.
• غياب التواجد والسيطرة الإسرائيليين في غور الأردن سيؤدي إلى نشوء اتصال جغرافي، على الأرض، بين الدولة الفلسطينية والعالم العربي الإسلامي في شرق الأردن (وهو الاحتمال الذي أثار قلق بن غوريون منذ العام 1948) وسيزيد كثيرا من صعوبة منع التسليح في تلك المناطق.

• الإخلاء الواسع لمستوطنات يهودية في الضفة الغربية لن يؤدي إلى تخفيف حدة الصراع، كما يدعي مؤيدو الانفصال، بل العكس هو الصحيح، كما يمكن الاستنتاج من سير العلاقات بين إسرائيل والفلسطينيين منذ بداية عملية أوسلو، وخاصة بعد الانفصال عن قطاع غزة. ففي النموذج الغزّيّ، الذي يمثل الانفصال التام، تطبيقا لشعار "نحن هنا وهم هناك"، يحتاج تفعيل القوة العسكرية إلى موارد هائلة: دبابات، طائرات حربية، قوات برية واسعة من حين إلى آخر، ناهيك عن الجهود الهائلة اللازمة لمقاومة الأنفاق ولبلورة طرق قتالية ملائمة لمواجهة التحديات المستجدة، مثل "إرهاب الطائرات الورقية والبالونات". في المقابل، فإن الانسحاب الجزئي (في مناطق A، B و C حيث التداخل العميق بين التجمعات السكانية الفلسطينية والإسرائيلية في مختلف البنى التحتية والعديد من مجالات الحياة المختلفة) يخلق توازنا هجينا يلغي الحاجة إلى عملية عسكرية مكثفة وقوية. لكن، في وضع لا تكون فيه ثمة مستوطنات يهودية متداخلة في الحيز، سيكون من الضروري تنفيذ أي عملية عسكرية لإحباط عمليات إرهابية أو تنظيمات معادية من خلال التحرك في قلب التجمعات السكانية الفلسطينية، مما قد يعرضها لمقاومة عنيفة تستوجب إدخال قوات عسكرية كبيرة جدا.
• إذا ما تحولت الدولة الفلسطينية إلى كيان إرهابي قوي، كما حصل في قطاع غزة، فستضطر إسرائيل إلى اللجوء إلى عمليات عسكرية واسعة جدا لإزالة التهديد وستكون هذه، بالضرورة، عمليات قاسية جدا وبأثمان باهظة. أما أولئك الذين يدّعون بأن الجيش الإسرائيلي قادر على إعطاء أجوبة مناسبة، نهائية وحاسمة، لهذه التحديات، فإنما يذرون الرمال في أعين الجمهور (سواء كان الأمر عن وعي وقصد أم نتيجة خداع ذاتي). وهذا من دون الأخذ في الحسبان سيناريوهات القتال المتزامن على عدة جبهات.
• بالنظر إلى تجارب الحروب الثلاثة الأخيرة بين إسرائيل وحركة "حماس" (2008، 2012 و2014)، يمكن التأكيد على أن إعادة احتلال مناطق الضفة الغربية ليس أنه لن يحظى بشرعية دولية فقط، بل إن إسرائيل ستتعرض بالتأكيد لضغوط دولية مكثفة من أجل سحب قواتها من هناك. وحتى روسيا، الدولة العظمى، لم تكن محصنة من العقوبات الدولية في أعقاب احتلالها شبه جزيرة القرم ـ التي تشكل جزءا صغيرا من أوكرانيا ـ فكم بالحري احتلال الضفة الغربية الذي سيشكل احتلالا لدولة سيادية كاملة؟

ختاماً، يشير مؤلف الكراسة إلى أن ما ورد فيها "لا يشكل توصيات لتبني هذا الحل أو سواه للصراع الإسرائيلي ـ العربي، ولا لتدمير السلطة الفلسطينية بالتأكيد. لكن تبني الرؤية الأمنية ـ الاستراتيجية التي تستند إليها سيكون ذا تأثير كبير على الخطوط العريضة لأي اتفاق سلام مستقبلي، بحيث يضمن استمرار السيطرة الأمنية ـ الاستراتيجية على منطقة C".

 

الثلاثاء, مارس 26, 2019

مركز مدار

المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية "مدار"، هو مركز بحثي مستقل متخصص بالشأن الإسرائيلي، مقره في مدينة رام الله. تأسس في  العام 2000، بمبادرة مجموعة من المثقفين والأكاديميين الفلسطينيين، من بينهم: الشاعر الكبير الراحل محمود درويش، د. ليلى فيضي، د. علي الجرباوي، د. أحمد حرب، وليد الأحمد، وأكرم هنية. تم تسجيل المركز كجمعية أهلية غير ربحية.

القائمة البريدية