أظهر تقرير جديد أن نسبة عالية جدا من العائلات الإسرائيلية تنصح أبناءها بالتوجه إلى وحدات تكنولوجية عالية (الهايتك) في الخدمة العسكرية الإلزامية، من أجل ضمان مستقبلهم العملي، بما في ذلك وحدة النخبة الاستخباراتية "8200"، التي يتم استيعاب الخادمين فيها في سوق الهايتك بسرعة كبيرة.

 ويتضح أن هناك فجوة كبيرة جدا بين الذين يفضلون الهايتك لأبنائهم، ومن يفضلون الوحدات القتالية. كما بيّن استطلاع أن المحفز الأكبر للأهالي في ما يختارونه هو حياة أبنائهم العملية بعد الجيش، أكثر بما لا يقاس من "خدمة الدولة".

السعي لمستقبل عملي

وقد بيّن استطلاع للرأي أجراه أحد المعاهد لصحيفة "ذي ماركر"، أن نسبة عالية جدا من الأهالي يريدون لأبنائهم الانخراط في الوحدات التكنولوجية والتقنيات العالية، من أجل ضمان مستقبل عمل لهم، وليس من أجل خدمة "أمن إسرائيل". وشمل الاستطلاع شريحة نموذجية لأهال يهود لأبناء في عمر ما بين 15 إلى 18 عاما.

وقال 41% من المستطلعين إنه لو أن الأمر متعلق بهم، لكانوا وجّهوا أبناءهم للخدمة في الوحدات التكنولوجية، بينما 15% فقط قالوا إنهم كانوا سيوجهونهم للوحدات التقنية، في حين قال 15% آخرون إنهم كانوا سينصحون أبناءهم بعدم التجند في الجيش. وقال 18% إنهم سيتركون لأبنائهم ما يقررونه. وقال 11% إنهم كانوا سيختارون لأبنائهم الانخراط في مهمات الجبهة الداخلية، التي هي غالبا مهمات وظيفية وخدماتية، بعيدة عن ساحات القتال.

وقالت "ذي ماركر" إن الأسئلة صيغت بهدف معرفة مدى احتمالية تدخل الأهالي في مسارات خدمة أبنائهم الإلزامية في الجيش، ودوافع توجهات الأهالي. وقال 76% من الأهالي الذين سينصحون أبناءهم بالتوجه للوحدات القتالية، إن ذلك بهدف خدمة الدولة. في حين قال 51% من الأهالي الذين سينصحون أبناءهم بوحدات تكنولوجية، إن ذلك من أجل ضمان مستقبلهم العملي بعد الجيش، فخدمة كهذه تضمن له قفزة في حياتهم العملية. بينما قال 19% من شريحة الأهالي ذاتها، إن الخدمة في الوحدات التكنولوجية، من أجل خدمة الدولة. وقال 9% إنهم يختارون هذه الوحدة، لأنها أقل خطرا على حياة أبنائهم.

ولاحظ الاستطلاع أن أكثر من 55% من عائلات العلمانيين، الذين شملهم الاستطلاع، ينصحون ابناءهم بالوحدات التكنولوجية. وتنخفض النسبة إلى أقل من 26% لدى عائلات المتدينين، وإلى 14% لدى العائلات من الشريحة الاقتصادية الاجتماعية الضعيفة. ويتبين أن الشريحة الضعيفة اقتصاديا، من بين اليهود، ونسبة عالية منهم في الجنوب، تميل لأن يخدم أبناؤها في الوحدات القتالية، إذ قال 36% من هذه الشريحة إنهم يفضلون الوحدات القتالية، علما أن أنظمة عديدة صدرت في السنوات الأخيرة، منها مالية وغيرها، تهدف لتحفيز الشبان للخدمة في الوحدات القتالية.

وقال 34% من الأهالي، الذين شملهم الاستطلاع، إنهم يتخذون إجراءات عملية من أجل تحفيز أبنائهم على ما ينصحونه به، مثل استدعاء أشخاص لإقناع أبنائهم، أو استثمار علاقات شخصية للأهالي من أجل ضمان انخراط أبنائهم في الوحدات التي يتوقون لها.

الركض وراء "8200"

ويقول تقرير لصحيفة "ذي ماركر" إن الجيش يتخذ تدابير ومعايير عالية لتصنيف الشبان في الخدمة العسكرية الإلزامية، في وحدات التقنية العالية، وبالذات في وحدة النخبة الاستخباراتية 8200. وهذه الوحدة تجذب اليها ذوي القدرات في عالم التقنيات العالية "الهايتك"، ويتجه كثيرون ممن ينهون خدمتهم في هذه الوحدة فورا إلى عالم الاقتصاد، ويحصلون على وظائف رفيعة.

ولكن ليس فقط الأهالي يسعون لأن يخدم أبناؤهم في هذه الوحدة، بل إن المؤسسة العسكرية معنية، وتشجع على انخراط الشبان في الوحدات التكنولوجية، وخاصة ذات الطابع الاستخباراتي منها. فقد قال تقرير سابق لصحيفة "كالكاليست" التابعة لصحيفة "يديعوت أحرونوت"، إن قيادة الجيش وضعت مع وزارة التعليم برنامجا تعليميا، يسعى إلى تحفيز طلاب متميزين في المرحلة الثانوية، ليلتحقوا ضمن الخدمة الالزامية، ولاحقا بوحدة الاستخبارات العسكرية، المعروفة باسم "8200".

ومن أبرز المغريات للطلاب أنهم سيتعلمون، لغرض عملهم في الوحدة، المواضيع ذات الصلة بالتقنيات العالية، مقابل عملهم لسنوات في الوحدة، ومن ثم تكون فرصهم هي الأكبر للانخراط في سوق العمل في مجالات التقنيات العالية. ويقول التقرير إن الجيش تحول إلى قناة تأهيل مركزية لقطاع التقنية العالية. ويعرف أهالي الجنود أن الجندي الذي وصل وهو ابن 18 عاما إلى وحدة تكنولوجية عالية، فإنه يفتح أمامه أبوابا كثيرة في عالم الهايتك.

ويقول ضابط احتياط برتبة عقيد، أنهى عمله قبل فترة قصيرة في وحدة "السايبر": "لقد جُنّت دولتنا، كل العائلات تريد أن يكون أبناؤها في اعمال البرمجة أو "الهاكر" في عالم الحاسوب، خلال خدمتهم العسكرية. لا يوجد ضابط برتبة عقيد وما فوق، لا يتلقى توجهات من أجل المساعدة في انخراط شبان في الوحدات العسكرية في "التقنية العالية". والحديث ليس فقط عن معارف يتصلون هاتفيا، فأيضا حينما يكون الضابط بزيه العسكري في السوبرماركت، يشعر أناس انه من المريح التوجه له، والتحدث اليه عما يمكن فعله هم وأبناؤهم من أجل الانخراط في وحدات الهايتك".

ويقول ضابط احتياط آخر برتبة رائد، كان قد غادر الجيش النظامي في العام الأخير، في حديث لصحيفة "ذي ماركر": "لقد تلقيت توجهات تقريبا بشكل يومي، من معارف، أو معارف لمعارف، طلبوا مني أن أرشد أبناءهم، بما يفعلونه من أجل تحسين احتمالات قبولهم لوحدات الهايتك، "8200"، ووحدة الحاسوب والرصد، ووحدة "السايبر"، ولكل ما هو باعتقادهم مرتبط بالتكنولوجيا العصرية".

ويتابع قائلا: إنني اليوم مرشد في دورات تحضيرية لامتحان القبول في الجامعات الإسرائيلية، "بسيخومتري". وقبل بدء كل واحدة من الدورات نوزع أسئلة على الطلاب، بهدف معرفة قدراتهم وتوجهاتهم، وأكثر من نصفهم يقولون إنهم يحاولون الوصول إلى واحدة من تلك الوحدات، لأن أهاليهم يضغطون عليهم، للتوجه إلى وظيفة تكنولوجية عالية في الجيش.

ويستدل من التقرير أن واحدة من أكبر القضايا التي تتكشف في هذا الملف، هو ابتعاد الشرائح الفقيرة والضعيفة اقتصاديا عن وحدات ومواضيع الهايتك، وتوجه انتقادات للجيش بأنه لا يقوم بما يستوجب، خلال مسارات تهيئة الشبان والشابات للخدمة العسكرية الإلزامية، في حين أن الجيش يوجه إصبع الاتهام لوزارة التعليم، التي لا ترصد موارد كافية لدمج أبناء هذه الشرائح في مسارات التقنية العالية، بما يقرّبهم مستقبلا إلى هذا المجال.

8200 ليست "هايتك" فقط!

ووحدة 8200 ليست فقط وحدة "هايتك"، بل هي وحدة تشارك في مهمات قتالية إجرامية، خطيرة، تكشف منها الكثير قبل أكثر من ثلاث سنوات.

وقد تفجرت قضية هذه الوحدة الاستخباراتية، على مستوى الرأي العام، حينما كشف 50 عسكريا من الضباط والجنود، قبل أكثر من ثلاث سنوات، عن أساليب عمل هذه الوحدة، برسالة جماعية أعلنوا فيها رفضهم الاستمرار في الخدمة في هذه الوحدة.

وجاء في الرسالة: "هناك تصور بأن الخدمة في سلاح الاستخبارات ليست فيها معضلات أخلاقية، وتسهم فقط في تخفيف رقعة العنف والمس بالأبرياء، لكننا تعلمنا خلال الخدمة أن الاستخبارات جزء لا ينفصل عن السيطرة العسكرية في المناطق (المحتلة منذ 67). والسكان الفلسطينيون الذين يخضعون لنظام عسكري معرضون تماما لتجسس الاستخبارات الإسرائيلية وتعقبها. وفي ضوء ذلك خلصنا إلى استنتاج أنه تُلقى علينا بصفتنا خدمنا في الوحدة 8200 المسؤولية عن الوضع وواجب العمل. ونحن ندعو جنود سلاح الاستخبارات في الحاضر والمستقبل، ومواطني إسرائيل جميعا، إلى إسماع أصواتهم اعتراضا على هذه المظالم وأن يعملوا لإنهائها. ونحن نؤمن بأن مستقبل دولة إسرائيل أيضا متعلق بذلك".

وكشف عدد من المشاركين عن الأسباب التي دفعتهم إلى هذه الخطوة، إذ تبين أن سياسة الاغتيالات ونتائجها "تتبوأ مكانا مركزيا في عذابات ضمائر الموقعين بسبب حقيقة أنه تتم أكثر من مرة أخطاء تودي بحياة أبرياء بل وأولاد صغار أحيانا".

لكن الجرائم لا تتوقف عند عناصر الفصائل المسلحة، بل تصل إلى استغلال حياة الناس الخاصة، بتفاصيلها الدقيقة، بهدف ابتزاز الناس في قضاياها المؤلمة، أو في قضاياها الحساسة التي قد تسبب لهم الحرج في المجتمع.

وقال موقعون على الرسالة، في أحاديث إعلامية، إن جزءا كبيرا من الأهداف التي يتم تعقبها، هم أشخاص أبرياء ليست لهم صلة البتة بنشاط عسكري، وتهتم الجهات الاستخبارية بهم لأسباب أخرى. ولا يخطر ببال أولئك الاشخاص البتة أنهم هدف استخباري، ويشهد الموقعون على أن النظرة إليهم لا تختلف عن النظرة إلى مقاتلين.

وتقول إحدى المجندات "قالوا لنا في القاعدة إننا إذا كشفنا عن معلومة "فاضحة"، فهي شيء من المهم توثيقه، كوضع اقتصادي صعب مثلا أو ميول جنسية أو مرض عضال لهم أو لقريب، أو علاجات طبية يحتاجون اليها". وتقول: "أسمعوني ذات مرة حديثا بين رجل أمن إسرائيلي حاول تجنيد فلسطيني. ويقول الإسرائيلي للفلسطيني إن "شقيق زوجتك مريض بالسرطان"، فيجيبه الفلسطيني "وليكن"، ويقول "تعلم أن المستشفيات عندنا جيدة". وكان واضحا أنه يعرض شيئا ما على الفلسطيني أو يهدده".

ويسعى الجيش لتهيئة الطلاب للعمل في الوحدات الاستخباراتية، ليس فقط من خلال موضوع التقنية العالية، بل أيضا في مواضيع أخرى وأبرزها، اللغة العربية، إذ أكد بحث إسرائيلي على أن إسرائيل تدرّس اللغة العربية في مدارسها اليهودية بمفاهيم عسكرية، وتحريض على العرب، بهدف خلق قاعدة واسعة لاحقا من الشبان والشابات، القادرين على الانخراط في الوحدات الاستخباراتية العسكرية.

وجاء في مقدمة منهاج تدريس اللغة العربية في المرحلة الاعدادية: "كطلاب تدرسون اللغة العربية، نحن بحاجة إلى مساعدتكم في احباط عملية تفجيرية، تلقينا انذارات دقيقة بشأنها". ويقول معدو المنهاج إن هدفهم من هذه النصوص التحريضية، هو لفت نظر طلابهم الذين يتلقون تعليمهم على أيدي جنود الاحتلال، إلى أهمية دراسة اللغة العربية. ويقول البروفسور رؤوفين سنير، عميد كلية العلوم الاجتماعية، ومن المحاضرين باللغة العربية وآدابها، إن الجيش يسعى إلى تهيئة شبان وشابات للخدمة في جهاز المخابرات العسكرية.

ويقول البحث إن أحد دروس اللغة العربية أعده عاملون في وحدة التنصت في المخابرات العسكرية "8200"، وقيل عن الدرس إنه مخصص لطلاب صفوف الثامن والتاسع، وحتى بالإمكان تدريسه للصف السابع، وتضمن الدرس تمارين، منها تعبئة مربعات بشأن معلومات عن عملية تفجيرية متوقعة، وتمرين آخر لجمع تفاصيل عن "مخرب" (مقاتل فلسطيني) ذي شارب وملامح بشرة حادة، وشعره أسود، وترجمة محادثة باللغة العربية، تتعلق بحوار حول نقل أسلحة. وإذا ما أنجز الطلاب حل التمرين، سيجدون عبارة تقول لهم إنهم نجحوا في إنقاذ طلاب في مدرستهم من عملية تفجيرية.

الخميس, مارس 21, 2019

مركز مدار

المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية "مدار"، هو مركز بحثي مستقل متخصص بالشأن الإسرائيلي، مقره في مدينة رام الله. تأسس في  العام 2000، بمبادرة مجموعة من المثقفين والأكاديميين الفلسطينيين، من بينهم: الشاعر الكبير الراحل محمود درويش، د. ليلى فيضي، د. علي الجرباوي، د. أحمد حرب، وليد الأحمد، وأكرم هنية. تم تسجيل المركز كجمعية أهلية غير ربحية.

القائمة البريدية