اليهود الشرقيون كمجموعة تُنمي ولاءات شخصية للزعيم!
تكونت في ظل حكم بنيامين نتنياهو الاستبدادي، على مر السنوات، مجموعة تُنمي الولاءات الشخصية للزعيم، ويحتل اليهود الشرقيون حيزا مهما في هذه المجموعة. وبدون هؤلاء لم ولن يستتب النظام الرئاسي لرئيس الحكومة والذي مضى عليه سنوات طوال.

إن بنية النظام النيو- ليبرالي اليميني الذي أوجده نتنياهو بالتعاون مع مجموعة من أساطين المال الجمهوريين الأميركيين وتيار الصهيونية الدينية الأشكنازية، أضحى مقبولا حاليا، ليس فقط لدى نشطاء وناخبي حزب السلطة الأبدي، وإنما أيضا في النشاطات العامة لليهود الشرقيين الذين لا يعتبرون أنفسهم من أنصار اليمين الإسرائيلي. ويناضل هؤلاء جنبا إلى جنب مع أشكنازيي السلطة ضد المجموعة التي فقدت السلطة ألا وهي الأشكنازيين من أتباع حزب "مباي". ويشكل الشرقيون (الذين ذوتوا تماما دور أو وظيفة العامَّة) في إطار هذه الشراكة السلطوية مع بنيامين نتنياهو، مثلما سبق أن شكلوا أيضا تحت حكم حزب "مباي"، "جماهير الشعب"، وقد أصبح هؤلاء أيضا يتقبلون الآن أشكنازيي الحكم وسلطتهم كزعماء طبيعيين، إذ لم تعد هناك أعمال تمرد ضد علاقات السيد والزبون كما كانت عليه الحال في الماضي، فيما نجد النخبة الجديدة – الصهيونية الدينية – تفتخر وتتباهى بانتصارها على طلائعيي "مباي" وذلك بواسطة اللقب الجديد: "القِيَميين" وذلك بغية التمييز بينهم وبين مؤيدي الليكود الشرقيين.

ما الذي جعل اليهود الشرقيين في بلد يشكل فيه الأصل العرقي المعيار الأعلى للمواطنة، يستسلمون بإخلاص وطواعية لزعيم سليل نازح من بولندا، يتمسك بمبادئ النظام التراتبي – الإثني، التي استوردتها الصهيونية من مسقط رأسها في أوروبا الشرقية؟! فهذه المبادئ من المفترض أن تكون مناقضة لمصلحة الأقلية الشرقية وذلك لكون هذه الأقلية في مكانة مواطنين من الدرجة الثانية. وكيف يمكن لأناس لا تنتمي غالبيتهم لطبقة الميسورين أن ينقادوا خلف زعيم شغله الشاغل ثراؤه وثراء مؤيديه من أصحاب رؤوس الأموال؟ زعيم يُعتبر هو وزوجته ممثلين مخلصين لشريحة الأثرياء التي تشكلت في إسرائيل بعد حرب "الأيام الستة"، حرب حزيران 1967؟

ذات مرة قال نتنياهو بثقة تامة، وكان ذلك في تسعينيات القرن الماضي، للبروفسور شلومو بن عامي، وهو مثقف ذو سمعة عالمية خبا نجمه في ذلك الوقت كمرشح شرقي بديل لرئاسة الحكومة، حينما دعيا معا إلى حفلة نظمها الحاخام حاييم بينتو: "هذا هو جمهوري!".

والسؤال هنا ما الذي جعل نتنياهو متيقنا إلى حد كبير بأن اليهود الشرقيين سوف ينقادون بشكل جماعي خلفه وليس خلف بن عامي ذي السلوك الأرستقراطي الذي ولد في طنجه (في المغرب)؟!

ويدور الحديث هنا في المحصلة عن رجل ينتمي إلى تيار المركز الاشتراكي – الديمقراطي، وسليل مباشر للزعامة اليهودية المعتدلة التي كانت فيما مضى في الوطن القديم! وفقا للإجابات الثابتة على هذا السؤال، فإن الحديث يدور على جماعة تائهة من الرعاع أَسَرَها سحر محتال، بروليتاري غير مكترث بالطبقة التي ينتمي اليها. ومن ناحية عملية، فإن إجابات الكثيرين من معارضي نتنياهو مشابهة لأفعال نتنياهو ذاته، والذي وضع الشرقيين في خانة أو دور القطيع الذي يسير خلف قيادته، واذا كان ثمة فرق أو اختلاف فهو يتلخص في أنهم يعتقدون أن القطيع ينساق خلف الزعيم غير الصحيح. بيد أن ثمة إمكانيات أخرى للإجابة.

في هذا المقال سنناقش السبب الاقتصادي، فالعامل المقرر للاختيار السياسي لدى معظم اليهود في إسرائيل هو الرغبة في الثراء والتقدم، وليس المواضيع والقضايا السياسية. على الرغم من ذلك فقد طرح موضوع أمن المواطنين اليهود كموضوع رئيسي ومصيري في جميع الدورات الانتخابية. وتتمسك العمومية الإسرائيلية برأي راسخ مؤداه أن مصير الحكومات لا يتوقف على المواضيع والقضايا الإقتصادية كما هي الحال في دول الغرب (حتى أن "انقلاب" العام 1977 الذي فاز فيه حزب الليكود لم يحدث عمليا بسبب الموضوع الاقتصادي).

لقد ضاق اليهود الشرقيون ذرعا إزاء فقرهم وإقصائهم إلى الطبقات الدنيا، وكذلك إزاء الطبقات العليا، إذ شعروا – وفقا لما أورده عالم الاجتماع شلومو سبيرسكي – أن حزب "مباي" لا يعطيهم أرباحا وقوة كافيين، مما جعلهم يلجأون في حينه إلى حزبي "الديمقراطية والتغيير - داش" و"الليكود".

على الرغم من ذلك، فقد رسخ في الوعي الإسرائيلي كما لو أن تغيير السلطة جرى من أجل دفع فكرة "أرض إسرائيل الكاملة" التي تبناها أتباع حركة "غوش إيمونيم". وقد تناول عالما الإجتماع د. نسيم ليئون وأوري كوهن في بحثهما المثير هذه الإزدواجية اللغوية، أو السفسطة الكلامية الصهيونية في ديناميكا حركة "حيروت" في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، حين سعى ناشطون شرقيون بصورة منهاجية الى دفع مركز الحزب لمناقشة وبحث "المشاكل الداخلية"، أي الوضع الاقتصادي – الاجتماعي، بينما أصر مناحم بيغن على أولوية "المشاكل السياسية"، أي "وحدة وسلامة أرض إسرائيل". ومع أن الشرقيين لعبوا دورا مهما ورئيسيا في حدث استبدال النخب ("انقلاب" العام 1977)، إلا أن الذين أثْروا وجنوا الفوائد هم أصحاب رؤوس الأموال والشركات الكبرى ورجالات الصناعات العسكرية (ومن ضمن ذلك صناعات الهاي تك) ومعهم رجالات وأتباع تيار الصهيونية الدينية، الذين انتقلوا من طبقات الهامش والوسط في المجتمع الإسرائيلي إلى الطبقات والشرائح العليا وإلى قيادة دفة الدولة.

هذه المكانة لم ينتقل إليها سوى قلائل من اليهود الشرقيين، ومن ناحية عملية فإن من يقف خلف الحديث عن أمن المواطنين اليهود في إسرائيل والدعوة إلى "استيطان أرض اسرائيل"، هي الصناعات العسكرية والأمنية، التي تشكل مصدرا مهما لثراء شريحة واسعة في إسرائيل بعد حرب العام 1967، ووفقا لشلومو سبيرسكي فقد حققت الصناعات العسكرية قفزة في الأوضاع والمكانة الاقتصادية للطبقة المتوسطة في إسرائيل، في حين ظلت مدن وبلدات التطوير في الخلف مع صناعات النسيج.

لقد تحولت إسرائيل إلى إمبراطورية عسكرية قوية (في الشرق الأوسط)، غير أن جيشها لم يقاتل، منذ حرب "يوم الغفران" (تشرين الأول 1973) في مواجهة جيش آخر، باستثناء ملحق الصدام المحدود مع الجيش السوري خلال حرب لبنان الأولى (حرب العام 1982). ولا تواجه إسرائيل أي تهديد على الإطلاق على الرغم من تصريحات التخويف التي يطلقها بنيامين نتنياهو من حين إلى آخر. مع ذلك تعتقد أكثرية الإسرائيليين، بتأثير وإيحاء من السلطة الحاكمة على الدوام، أن إسرائيل مهددة وضعيفة وأن "العالم كله ضدنا ويكرهنا"، بينما نجد في الواقع أن غالبية دول العالم تتملق إسرائيل وتسعى جاهدة إلى قمع منظمي حملة المقاطعة الدولية ضدها.

في العام الأخير وبعد زوال خطر التهديد الإيراني أعلن نتنياهو للمرة الأولى بأن إسرائيل أضحت قوة عظمى، وبطبيعة الحال كإنجاز حققه هو ذاته، وذلك بدون أن يقر بأن إسرائيل لم تعد تواجه تهديدا وجوديا. أي أن رئيس الوزراء احتفظ لنفسه بسلاح تخويف المواطنين. هذه العقدة سبق أن كتبت عنها فيما مضى، غير أن عقلية الضحية اليهودية تجد تعبيرا لها أيضا في موضوع الثراء. فالسلطة لا تصارح المواطنين أبدا بشأن مستوى ثراء إسرائيل وبالتالي من السهل جدا إقناع اليهود أنهم فقراء ومساكين ومهددون. وإذا ما سُئل مواطنون في الشارع فإنهم لن يقولوا، كحال سكان الولايات المتحدة مثلا، بأنهم يقيمون في دولة غنية وقوية، ذلك لأن التحدث عن ثراء أو غنى الدولة بصورة علنية يُعتبر إخلالا بشيفرات إسرائيلية، كما عبّر عن ذلك رون دريمر، مبعوث نتنياهو إلى الولايات المتحدة، والذي كان قد اشتكى من أن استخدام كلمة رأسمالي في إسرائيل يشكل شتيمة، تماما مثل استخدام كلمة "اشتراكي" في الولايات المتحدة. وفقط في السنوات الأخيرة أخذ يتسرب إلى وسائل الإعلام موضوع ثراء إسرائيل، وذلك في أعقاب حِراك الاحتجاج الاجتماعي في صيف العام 2011، لكن هذا الموضوع اقتصر وحول بصورة غير مباشرة في التصريحات والأقوال الانتقادية الموجهة للسلوك غير الأخلاقي والفاسد للشرائح العليا في المجتمع الإسرائيلي. ذلك لأنه إذا ما توفر وعي لدى السكان حول دولة غنية، فإنهم سيبدأون بالمطالبة بتوزيع عادل أكثر للثروة.

غايات التكتم على سر الثراء!

إن التكتم على سر الثراء من قبل المتنفذين في الحكم لا يشكل خدعة أو حيلة تقتصر على إسرائيل. ففي إنكلترا أيضا أكد اليمين المحافظ طوال عهد ديفيد كاميرون على ضرورة "التواضع" وإلا فإن الدولة ستعلن إفلاسها داعيا إلى إتباع سياسة التقشف، وذلك على الرغم من أن بريطانيا دولة غنية وقوة سياسية عظمى. مؤخرا أخذ رئيس الوزراء نتنياهو، الذي يتباهى كثيرا بالمنجزات الإقتصادية التي تحققت أثناء فترة حكمه، يتحدث بصورة غير مباشرة عن الثراء، غير أنه يراوغ دائما مقلصا هذا الثراء بقوله إن سياسته نجحت وإن إسرائيل تحولت بفضله إلى قوة اقتصادية عظمى. غير أن المواضيع العلنية والمعبِّئة المطروحة على الأجندة في إسرائيل ما زالت تتمثل في الولاء للصهيونية واليهودية وكيفية السيطرة على الفلسطينيين - تماما مثل جدل الصالونات في وارسو قبل مئة عام – وبما أن هذه هي الخيارات، فقد اختار اليهود الشرقيون التعاون مع سلطة القامع لهم أقل قليلا من السابق.

إن ما يساعد كثيرا سلطة اليمين يتمثل في نقطة المقارنة لليهود الشرقيين بين ما كانوا يمتلكونه حين وصلوا إلى البلاد في السنوات الأولى بعد قيام الدولة وبين ما يمتلكونه الآن. غير أن هذه الرؤية تشكل وجهة نظر مشتركة لسائر اليهود في إسرائيل تقريبا، فإذا ما نظرنا إلى توزيع المكانة والثراء الإثنيين، فسوف نجد أن الصهيونيين الأشكناز مروا بثورة لا مثيل لها من حيث السرعة في التاريخ البشري، إذ تحولوا بين ليلة وضُحاها من لاجئين ملاحقين من أوروبا الشرقية مروا بويلات فظيعة، إلى الطبقة المهيمنة في الدولة التي أقاموها مكتسبين ثراء وقوة هائلتين، كما أنهم تكيفوا بسرعة كبيرة جدا مع مصيرهم الجيد، وقد حدث لهم ما يوصف بصورة عامة في تجارب علم النفس الاجتماعي: فأولئك الذين يفوزون بمعظم النقاط في اللعبة (التي رُجحت الكفة فيها خلف الكواليس لصالحهم) يطورون قناعة مؤداها أن فوزهم كان لكونهم جيدين ومؤهلين أكثر من الآخرين. ولذلك ثمة تلاؤم بين وضعهم الاقتصادي والاجتماعي وبين تأييدهم المتعصب للصهيونية التي صنعت لهم معجزة وأنقذتهم.

في المقابل فقد أُقتلع اليهود الشرقيون من بلدانهم برعاية وتحت غطاء الصهيونية ذاتها واضطرت غالبيتهم للتخلي عن ممتلكاتها ومكانتها الاجتماعية ليتحول هؤلاء اليهود الشرقيون إلى فقراء. ولقد كان هؤلاء يخضعون في إسرائيل لنظام حكم متشدد، كان فيه وجودهم أو بقاؤهم منوطا بالاقتصاد المركزي وبمنظمات حزب السلطة مثل الهستدروت على سبيل المثال.

هناك ميل لدى الطبقة السياسية الإسرائيلية نحو مناقشة مسألة لماذا لا يصوت الشرقيون لأحزاب غايتها تحقيق العدالة الاجتماعية. فالشرقيون ما زالوا يتموضعون جزئيا في الطبقات الدنيا جنبا إلى جنب مع العرب والمتدينين المتزمتين "الحريديم" والمهاجرين الجدد من أثيوبيا ودول الإتحاد السوفييتي سابقا. ويميل التفكير الانتقادي للشرقيين في الطبقات الدنيا إلى الاعتقاد بأن اليهود الشرقيين سوف يتطلعون، بسبب تموضعهم في المجتمع الإسرائيلي، بصورة أوتوماتيكية إلى تحقيق العدالة الإجتماعية وليس إلى تكريس النظام الرأسمالي. غير أن إسرائيل ليس فقط لا يوجد فيها حزب يهودي غير نيو- ليبرالي، بل إن الذين يزعمون بهذا الادعاء يصدقون ترهات الأحزاب التي تدعو نفسها "يسار"، هذا بينما لا يصدق اليهود الشرقيون ذلك.

إن الأحزاب العربية المتماهية مع العدالة الاجتماعية ليست صهيونية وإنما متماثلة مع المواطنين العرب، ولا وجود في التاريخ لمثال يتعاون بموجبه مستضعفون مع مستضعفين آخرين، ولا سيما في دولة تعاقب بموجب قوانينها حتى على الانحراف عن أيديولوجيتها. هذا الفهم المغلوط ينبع بالنسبة لمعظم الأشكناز بل وبالنسبة للكثيرين من اليهود الشرقيين الذين نشأوا وتربوا في إسرائيل، من جهلِ تاريخي أساسي. فقد رسخت في إسرائيل الرؤية القائلة بأن حياة البؤس والفقر التي عاشها اليهود الشرقيون في عهد المعسكرات المؤقتة ("المعبروت") هي الوضع الطبيعي الذي عاشوه على مر الأجيال في الشرق إبان القرون الوسطى، وقد أقام فيما وراء جبال الظلمة، يهود شرقيون فقراء وجهلة عملوا في الزراعة إلى أن أتت الصهيونية الأشكنازية والمحاربة وأنقذتهم في عمليات من طراز "عملية عنتيبة" وارتقت بهم إلى العصرية. ولذلك إذا كان الشرقيون هم "الفقراء" فإن من المتوقع منهم ألا يصوتوا لحزب يؤيد الأغنياء علنا. غير أنه اتضح، وبعد قرابة سبعين عاما في إسرائيل، بأنه لم تتوطد بعد لدى اليهود الشرقيين وجهة نظر أو رؤية طبقية بروليتارية. وعلى الرغم من أن أكثرية الشرقيين التي نشأت وترعرعت في إسرائيل، قبلت في نهاية المطاف وجهة النظر الصهيونية بشأن التفوق الأشكنازي، إلا أن روح المبادرة والتجارة التي وسمتهم في وطنهم القديم لم تخب أو تذوي داخلهم حتى الآن.

_________________________

(*) كاتبة المقال صحافية وسيناريست ومعدة برامج في التلفزيون الإسرائيلي. كما أنها من مؤسسي حركة "القوس الشرقي" الديمقراطية التي تعنى بقضايا وأوضاع اليهود الشرقيين في اسرائيل. المصدر: شبكة الانترنت.

الأربعاء, أبريل 24, 2019

مركز مدار

المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية "مدار"، هو مركز بحثي مستقل متخصص بالشأن الإسرائيلي، مقره في مدينة رام الله. تأسس في  العام 2000، بمبادرة مجموعة من المثقفين والأكاديميين الفلسطينيين، من بينهم: الشاعر الكبير الراحل محمود درويش، د. ليلى فيضي، د. علي الجرباوي، د. أحمد حرب، وليد الأحمد، وأكرم هنية. تم تسجيل المركز كجمعية أهلية غير ربحية.

القائمة البريدية