المشهد الإسرائيلي

ملحق أسبوعي يتضمن مقالات صحفية وتحليلات نقدية ومتابعات عن كثب لمستجدات المشهد الإسرائيلي.
تجدد العدوان على غزة: مشهد من النصيرات. (أ.ف.ب)
  • كلمة في البداية
  • 137
  • أنطوان شلحت

مع استئناف الحرب على غزة لوحظ أن أكثر ما يسكن تقديرات جلّ المحللين السياسيين والعسكريين في إسرائيل، ناهيك عن عدد كبير من القادة العسكريين السابقين، هي قناعة تامة بأن الحرب تخدم أولاً وقبل أي شيء رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو الذي يسعى للبقاء، ويعتمد بقاؤه على حلفائه المسيانيين الإشكاليين. ويسكن هذه التقديرات ثانياً نقطة انطلاق تنوّه بأن نتنياهو ما كان ليقدم على خطوة استئناف القتال، التي لا تحظى بإجماع إسرائيلي، من دون دعم إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي بدأ ولايته الرئاسية الثانية بالكشف عن أنيابه الحادّة.

ولعل أكثر ما يدمي قلب القائلين بأن استئناف الحرب يخدم غاية نتنياهو في البقاء السياسي، هو يقينهم شبه المؤكد بختل الادعاءات التي تروّجها الحكومة الإسرائيلية وفي مقدمها الادعاء بأنه يمكن إسقاط حُكم حركة حماس في قطاع غزة وفي الوقت نفسه إطلاق المختطفين الإسرائيليين الأسرى لديها، في حين أن الرأي السائد في أوساطهم هو أن الجمع بين هذين الخيارين مستحيل مثلما أثبتت مجريات الحرب على غزة منذ اندلاعها يوم 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023 وحتى الآن. كذلك يسود بينهم رأي مواز فحواه أن استئناف الحرب يشكّل مقامرة علنية بمصير المختطفين مثلما كتب المحلل العسكري رون بن يشاي ("يديعوت أحرونوت"، 18/3/2025)، في حين أن اللواء في الاحتياط يسرائيل زيف، الذي شغل مناصب الضابط الرئيسي في سلاحي البر والمظليين وقائد فرقة غزة ورئيس شعبة العمليات، جزم بأن نتنياهو يفتح "أبواب جهنم" على المختطفين (موقع قناة التلفزة الإسرائيلية 12، 19/3/2025).

وبالنسبة إلى سير القتال في قطاع غزة تحت وطأة استئناف الحرب، تشير التقارير الإسرائيلية إلى أن إسرائيل ركّزت حتى الآن على الهجمات الجوية، إلى جانب اقتحامات برية صغيرة في شمال القطاع، وفي الجزء الشرقي من ممر نيتساريم في وسط القطاع، وفي منطقة رفح جنوباً. ولكن المحلل العسكري لصحيفة "هآرتس" عاموس هرئيل (21/3/2025) يؤكد أنه في الوقت نفسه ما زالت هناك استعدادات تُجرى لتطبيق خطة كبيرة لرئيس هيئة الأركان العامة الجديد الجنرال إيال زامير، تقضي بهجوم بري واسع في القطاع وتجنيد عدة فرقة تشمل وحدات احتياط كثيرة. وقال زامير للوزراء بأنه يعتقد أن خطته قد تؤدي إلى تحقيق الهدف الذي لم تحققه إسرائيل خلال عام ونصف عام  من الحرب، وهو تدمير كلي لسلطة حماس ولقدراتها العسكرية. ويشدّد هرئيل على أن خطة نتنياهو طموحة جداً ولا تواجه تحفظات مهمة وواضحة من جانب كبار ضباط الجيش وجهاز الأمن العام ("الشاباك"). وتتجّه النية نحو استغلال العملية العسكرية التي سيتولى زامير قيادتها من أجل فرض حكم عسكري في القطاع، أو في جزء كبير منه، بموازاة نقل السيطرة على توزيع المساعدات الإنسانية إلى الجيش الإسرائيلي، الذي لا يمكن أن يعني سوى إقامة حكم عسكري إسرائيلي يكون مسؤولاً عن سكان مدنيين. ولفت هرئيل إلى أن الرئيس السابق لهيئة الأركان العامة، هرتسي هليفي، عارض ذلك بشدة، وحذر من أنه لا يجوز السماح بنشوء وضع يقتل فيه جنود إسرائيليون في أثناء توزيع الطحين على السكان المدنيين الفلسطينيين.

ما ينبغي أن يهمنا في الوقت عينه هو أن ثمة تأكيداً إسرائيلياً متواتراً على أن استئناف الحرب، الذي ينطوي على غاية فرض ضغط عسكري مكثف على حركة حماس، أتى بالتنسيق والتكامل مع الولايات المتحدة، وهو يستهدف أطرافاً أخرى أيضاً بينها الحوثيون في اليمن وإيران. وينبع هذا التنسيق مع الولايات المتحدة كذلك من رغبة الإدارة الأميركية في توجيه رسالة واضحة إلى الجهات الإقليمية، وكذلك إلى القوى العالمية الأُخرى، بأن تهديد دونالد ترامب بـ"فتح بوابات جهنم" لم يكن مجرد تصريح فارغ، بل يعكس خطوات عملية ستفرض ثمناً باهظاً على حماس والحوثيين، وحتى على إيران نفسها.

ومثلما كتب اللواء في الاحتياط تامير هايمن، الرئيس السابق لشعبة الاستخبارات العسكرية ("أمان") والرئيس الحالي لـ"معهد أبحاث الأمن القومي" في جامعة تل أبيب، فإن عدم العودة إلى القتال في قطاع غزة أدى إلى ظهور رئيس الولايات المتحدة في مظهر الضعيف، حيث أنه وعد مرتين بـ"فتح أبواب جهنم"، وهو يدعم إسرائيل بالكامل، وتم الحفاظ على الهدوء على الرغم من ذلك. وفي ضوء هذا، تخدم العودة إلى القتال في غزة والمعركة ضد الحوثيين صورة ترامب على أنه الرجل القوي، وهذا ما يريد إرساءه (موقع قناة التلفزة الإسرائيلية 12، 18/3/2025).

وبموجب ما يشير رون بن يشاي، الذي سبقت الإشارة إليه، فإنه من الناحية العملية انتقلت إدارة ترامب إلى ما يصفها بـ "استراتيجيا الردع الهجومي العنيف"، بدلاً من استراتيجيا ردة الفعل الدفاعية التي انتهجتها إدارة الرئيس الأميركي السابق جو بايدن، وهو تغيير مشابه لِما طرأ على العقيدة الأمنية للجيش الإسرائيلي في الحرب الحالية. وبرأيه، هذا التغيير في سياسة إدارة ترامب، مقارنةً بما انتهجه الرئيس السابق بايدن، يهدف إلى معاقبة الحوثيين على إطلاق الصواريخ مباشرةً في اتجاه السفن التابعة للأساطيل الغربية في البحر الأحمر، وكذلك لممارسة ضغط غير مباشر على طهران بشأن برنامجها النووي، في ظل رفض إيران، حتى الآن، الدخول في مفاوضات مع ترامب تحت تهديداته وعقوباته. كما تهدف الضربات إلى دفع الإيرانيين "إلى التوقف عن تشغيل وكلائهم في منطقة الشرق الأوسط". كذلك فإن المبادرة الأميركية لديها أيضاً دوافع اقتصادية، إذ تسعى واشنطن لضمان حرية الملاحة لناقلات النفط من الخليج العربي إلى أوروبا.

وتؤكد تحليلات إسرائيلية متطابقة أن إدارة بايدن نفّذت بدورها ضربات ضد الحوثيين في اليمن، ولكنها تجنبت تبنّي سياسة هجومية استباقية ضدهم، خوفاً من اندلاع حرب إقليمية. وفي المقابل، فإن إدارة ترامب، وبعد انهيار "المحور الإيراني" (مع توجيه ضربة قوية إلى حزب الله في لبنان وسقوط نظام الأسد في سورية)، لا تخشى اندلاع حرب إقليمية. كما تلمّح هذه التحليلات إلى أنه حالياً، وبناءً على نصيحة إسرائيل وبتنسيق مع جهات عربيّة (يُشار بالأساس إلى السعودية ومصر، إذ إن قناة السويس، التي تُعدّ حيوية للاقتصاد المصري، باتت شبه معطلة بسبب هجمات الحوثيين)، تتحرك الإدارة الأميركية بشكل مباشر واستباقي بغية تقويض قدرات الحوثيين على تهديد الملاحة وتعطيلها في مضيق باب المندب وفي البحر الأحمر.

ويخلص البروفيسور أبراهام بن تسفي إلى أن ترامب يطرح سياسة مغايرة لمقولة كارل فون كلاوزفيتز  الذاهبة إلى أن "الحرب هي استمرار مباشر للسياسة بطرق أخرى". ويلخص مؤدى سياسة ترامب هذه بأن استخدام العنف، أو التهديد باستخدام العنف عبر استراتيجيا "شحذ السيوف"، من شأنهما التأدية إلى تسوية نزاعات دولية مشتعلة وإحلال منظومة علاقات عالمية مستقرة ("يسرائيل هيوم"، 24/3/2025).

ويتفق مع هذا الرأي العميد في الاحتياط تسفيكا حايموفيتش، القائد السابق للدفاع الجوي في الجيش الإسرائيلي، الذي قال إن التحالف الدولي الداعم لإسرائيل، بقيادة الولايات المتحدة، تبنّى بالأساس سياسات ذات طابع دفاعي، وغيّر قليلاً في سياساته خلال العام الأخير من ولاية إدارة بايدن. غير أن العملية التي بدأت بقيادة الولايات المتحدة في يوم 15 آذار الحالي، هي بمثابة تغيير واضح وخيار استراتيجي هجومي أكبر كثيراً، وأهداف هذا التغيير واسعة ومستمرة وقتاً طويلاً، ونتائجها قاتلة، وذلك بالتعاون الفعّال مع كل من مصر والسعودية. كما أنه يوجّه رسالة مهمة إلى المنطقة عموماً، وإلى إسرائيل بشكل خاص (موقع قناة التلفزة الإسرائيلية 12، 16/3/2025).

المشهد الإسرائيلي

أحدث المقالات