كلما اقتربنا من الانتخابات الإسرائيلية للكنيست الـ22، التي ستجري يوم 17 أيلول المقبل، كلما يتضح أكثر فأكثر أنها تدور بالأساس حول محور يكاد يكون وحيداً، هو إسقاط حكم بنيامين نتنياهو أو استمراره، لا حول ضرورة طرح بديل للسياسة العامة التي انتهجها هذا الحكم ولا يزال على المستويات كافة.
وإذا ما بدأنا بالمستوى الخاص بالسياسة الاقتصادية- الاجتماعية، لا بُدّ من أن نشير إلى أحد التحليلات بهذا الشأن الذي يؤكد أنه لدى استحصال المشهد العام على أعتاب الجولة الثانية من انتخابات 2019، لا يظهر في الوقت الحالي أي مرشح أو حزب في إسرائيل يقدم خياراً اقتصادياً- اجتماعياً بديلاً لخيار الليكود ونتنياهو .

وينسحب هذا التقويم على المستوى السياسي أيضاً، ولا سيما فيما يرتبط بالانعكاس المرتقب أو المُفترض إمّا لسقوط نتنياهو وحزبه أو لفوز القوى المنافسة له، على مسار القضية الفلسطينية ومستقبلها، ومحاولات اليمين الإسرائيلي إبقاء هذا المسار واقعاً تحت وطأة الانهماك بـ"صفقة القرن"، التي يصفها أحد الخبراء الإسرائيليين المتخصصين في الشؤون الفلسطينية بأنها "غلطة القرن"، وتحت وطأة سياسة ضم الأراضي المحتلة منذ 1967، التي يحذّر مسؤولون إسرائيليون سابقون من احتمال ذهاب حكم اليمين في اتجاهها كما أعلن نتنياهو بنفسه عياناً بياناً.

من الطبيعي والحال هذه أن يبقى يشغلنا السؤال الآتي: ماذا سيعني سقوط حكم نتنياهو في حال حدوثه؟
لعلّ قدراً كبيراً من تفاصيل الجواب عن سؤال ماذا قد يعني سقوط حكم نتنياهو يمكن أن يتأتى من الجواب عن سؤال موازٍ هو: ما الذي يعنيه استمرار حكمه؟.

أولاً وقبل أي شيء سيعني استمرار حكمه مواصلة الهجوم على الجهاز القضائي وفي مقدمه المحكمة العليا، بما يكمنه هذا الهجوم من استخفاف بأحكام القانون واستباحة لهذه الأحكام. وهذا ما توضحه بجلاء هوية وزير العدل المؤقت الذي عينه نتنياهو في الحكومة الانتقالية.

وما عاد خافياً على أحد، بما في ذلك على أوساط إسرائيلية واسعة، أن مسألة كون جوهر الدولة هو، أولاً وقبل أي شيء آخر، سلطة القانون، جرى تشويشها إلى حدّ كبير في الأعوام القليلة الفائتة وخصوصاً في ضوء لهاث رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو وراء غاية تجنّب تقديمه إلى المحاكمة بشبهات ارتكاب مخالفات جنائية، والذي ينطوي على نتائج بعيدة المدى فيما يخص الحُكم والنظام في إسرائيل المُختليْن أصلاً، كما نوهنا في مقام سابق. وهذا اللهاث جعل نتنياهو الذي يريد التهرب من القانون يُقدّم إلى المتطرفين مفاتيح الدولة على طبق من فضّة، كما تبرهن الوقائع يوماً بعد يوم.

وبدلاً من إعلاء شأن سلطة القانون بتنا نرى قباطنة اليمين، كما كتب البعض، يمجدّون "مبدأ الحوكمة" ويهلّلون له، كما لو أنّ مهمة الدولة الرئيسة هي الحكم، بأي ثمن ومهما يحصل، علماً بأنه من بين السلطات الثلاث التي تتكون منها الدولة ـ السلطة التشريعية والسلطة القضائية والسلطة التنفيذية ـ يشكّل القانون مهمة السلطتين الأولى والثانية، وليس الأمر صدفة أو عبثاً، فنظام القانون هو الذي ينظم إدارة الدولة وهو الذي يسبغ الشرعية على أعمالها ونشاطاتها. ووفقاً لما كتب أحد أساتذة العلوم السياسية فإن مصدر كلمة "شرعية" هو من الكلمة اللاتينية "قانون" (lex). وأولئك الذين يتحدثون باسم "مبدأ الحوكمة" يدّعون عملياً بأن السلطتين اللتين تحفظان نظام القانون يجب أن تكونا في خدمة السلطة الثالثة، التنفيذية. وهو مبدأ مشوّه، يتكئ عليه أي نظام دكتاتوري.

كما أنه من نافل القول إن سقوط نتنياهو من شأنه أن تترتب عليه تفاعلات وديناميكيات يُحتمل أن تؤثر في السياسة الإسرائيلية العامة، داخلياً وخارجياً، ولكن يظل من السابق لأوانه الحديث عنها وعما قد تحيل إليه من تداعيات مستقبلية، في النقطة الزمنية الراهنة.

 

الأربعاء, أغسطس 21, 2019

مركز مدار

المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية "مدار"، هو مركز بحثي مستقل متخصص بالشأن الإسرائيلي، مقره في مدينة رام الله. تأسس في  العام 2000، بمبادرة مجموعة من المثقفين والأكاديميين الفلسطينيين، من بينهم: الشاعر الكبير الراحل محمود درويش، د. ليلى فيضي، د. علي الجرباوي، د. أحمد حرب، وليد الأحمد، وأكرم هنية. تم تسجيل المركز كجمعية أهلية غير ربحية.

القائمة البريدية