أجّج إعلان رئيس الحكومة الإسرائيلية السابق إيهود باراك تشكيل حزب جديد باسم "إسرائيل الديمقراطية" لخوض الانتخابات المقبلة المنافسة على ترشيح الجنرالات، إذ بدأت ترِد أسماء جديدة للمنافسة، عدا تلك التي شهدناها في انتخابات نيسان الماضي، التي أفرزت أكبر عدد من الجنرالات في أي ولاية برلمانية، على مر السنين الماضية. فقد أعلن باراك عن ترشيح جنرال آخر في حزبه، في حين يتحدث حزب العمل عن احتمال ترشيح رئيس جهاز "الشاباك" الأسبق يوفال ديسكين في قائمته، ولكن هذه كلها تبقى ضمن التقديرات، حتى حسمها مع الأيام الأخيرة من الشهر الجاري.

ولكن دفق الجنرالات على القوائم الانتخابية، لم يثبت نفسه بهذا القدر الذي بالإمكان أن يغير دفة الحكم، خاصة وأن الاهتمامات الحالية أمام الشارع الإسرائيلي أبعدت الشأن الأمني، في ظل الهدوء النسبي القائم منذ سنوات. والاهتمام الأكبر هو في الشأن الاقتصادي. فالسياسة الاقتصادية في حكومات نتنياهو القائمة منذ العام 2009، رفعت بشكل كبير من مستوى معيشة الشريحة الوسطى، التي هي بغالبيتها الساحقة جدا من اليهود.

وعلى الرغم من الحديث عن غلاء كلفة المعيشة، إلا أن معدل الرواتب في ارتفاع مستمر، مقابل انخفاض البطالة إلى ما يلامس الصفر، من ناحية فعلية، في ما يتعلق بالشارع اليهودي بالذات. فحينما تقول الاحصائيات إن البطالة انخفضت في العام الأخير إلى 8ر3%، فهذا يعني أنها بين اليهود وحدهم هي في حدود 3%، والغالبية الساحقة من هذه البطالة هي مؤقتة، لأشخاص يتنقلون من مكان عمل إلى آخر، في حين أن البطالة اليهودية المزمنة (أكثر من عام للعامل) تقريبا ليست ملموسة.

وهذه هي الورقة الرابحة التي بيد نتنياهو، على الرغم من أن إسرائيل، كما يبدو، مقبلة على سلسلة ضربات اقتصادية، ستضرب بالذات الشرائح الفقيرة والضعيفة، التي غالبيتها من العرب. ولكن سيكون رفع ضرائب يطال الجميع. وهذا على ضوء تفاقم العجز في الموازنة العامة إلى نسبة 4%، بدلا من 9ر2% بموجب مخطط موازنة العام 2019.

وسيكون على الحكومة المقبلة توفير ما لا يقل عن 14 مليار شيكل (9ر3 مليار دولار)، لخفض العجز، والقسم الأكبر من هذا سيكون من خلال رفع ضرائب الدخل والمشتريات.

انتخابات نيسان

وبرز مشهد منافسة الجنرالات في انتخابات نيسان الماضي 2019، بعد أن تلاقى ثلاثة رؤساء أركان سابقون في إطار القائمة التحالفية "أزرق أبيض"، التي ضمت أيضا حزب "يوجد مستقبل" برئاسة يائير لبيد. وقد حقق هذا التحالف 35 مقعدا؛ وقسم كبير منها جاء على حساب حزب العمل، الذي تهاوى تمثيله ضمن تحالف "المعسكر الصهيوني" من 24 مقعدا في انتخابات 2015.

وقد رأينا في مقدمة القائمة رئيسها رئيس الأركان الأسبق بيني غانتس، ثم لبيد، وبعده رئيس الأركان الأسبق ووزير الدفاع الأسبق موشيه يعلون، فيما حلّ رابعا رئيس الأركان الأسبق غابي أشكنازي. ولكن لاحقا تبين أن القائمة تعج بالعساكر، وقادة المخابرات، مثل أول حاملة لقب لواء في الجيش الإسرائيلي أورنا بربيباي، التي حلت ثامنة في القائمة، واللواء إليعازر شطيرن، عن حزب "يوجد مستقبل" في هذا التحالف، والضابط الكبير السابق في الشرطة، ميكي ليفي، أيضا عن حزب "يوجد مستقبل"، ورام بن باراك، النائب الأسبق لرئيس جهاز المخابرات الخارجية الموساد، ويوآف سغلوفيتش وهو أيضا ضابط كبير في الشرطة.

وحينما رأى حزب الليكود هذا المشهد، اهتم بأن يكون هناك موقع متقدم في قائمته للوزير السابق يوآف غالانت، الذي انتقل لحزب الليكود قبيل الانتخابات الأخيرة، قادما من حزب "كولانو (كلنا)"، وحلّ ثامنا في القائمة. كذلك فإن رئيس جهاز الشاباك الأسبق آفي ديختر، الذي حلّ في المرتبة 24 في قائمة الليكود في انتخابات 2015، حلّ في المكان الـ 11 في الانتخابات الأخيرة.

كذلك فإن حزب العمل الذي كان يترأسه آفي غباي في الانتخابات الأخيرة، طلب أن يكون المكان الثاني في القائمة بتعيين مباشر منه، واستحضر اللواء احتياط طال روسو، الذي كان قائد الجيش في الجنوب. إلا أن الأخير، وبعد أن حلّ الكنيست، ورأى هشاشة قوة حزب العمل، أعلن استقالته من الكنيست، وكما يبدو لن يخوض الانتخابات المقبلة.

والحال ذاتها رأيناها في تحالف أحزاب المستوطنين، "اتحاد أحزاب اليمين"، الذي اختار رئيسا له، رئيس حزب "البيت اليهودي" (المفدال)، وهو العميد رافي بيرتس، من كان الحاخام الأكبر للجيش، وبرز في تشدّده الديني.

وخلال المنافسة الانتخابية لانتخابات نيسان، كان تجمع الجنرالات في قائمة "أزرق أبيض" الهاجس الأكبر لبنيامين نتنياهو، الذي يتولى أيضاً منصب وزير الدفاع، إذ انعكس الأمر في تحرك غير عادي له، واهتم باختلاق ماض عسكري له، رغم أنه كان جنديا عاديا، ضمن وحدة النخبة العسكرية "دورية رئاسة الأركان"، خلال خدمته العسكرية الإلزامية. وقد سعى نتنياهو إلى إظهار مشاهد للجيش في حملته الدعائية، ما دعا المستشار القانوني للحكومة، أفيحاي مندلبليت، إلى أن يصدر أمراً يمنع إظهار جنود في الدعاية الانتخابية، تبعه قرار صادر عن رئيس لجنة الانتخابات المركزية الإسرائيلية، القاضي حنان ميلتسر، يحظر على حزب الليكود نشر صور لجنود الاحتلال ضمن الدعاية الانتخابية للحزب ورئيسه بنيامين نتنياهو.

ولم يترك نتنياهو هذه القضية جانبا، بل نشر شريط فيديو يتباهى فيه بقوة جيش الاحتلال، وقال فيه إنه يظهر في الشريط وحده "لأن هناك من قرر حظر نشر صور جنود، وأنا لا أفهم طبيعة هذا الحظر". وقد قال هذا بلهجة استخفافية.

كذلك فقد بادر نتنياهو خلال الحملة الانتخابية للمجاهرة بهجمات عدوانية على سورية، رغم أن الجيش لا يعترف دائما بهجماته، وكان هذا بغير رضى الجيش، بحسب ما كان ينشر في الصحافة الإسرائيلية.

انتخابات أيلول

على ضوء قرار كل الأحزاب تقريبا إبقاء قوائمها الانتخابية كما هي، وبالذات تحالف "أزرق أبيض" والليكودK مع تعديلات طفيفة لبعضها، فإن هذا يعني أن الجنرالات وقادة المخابرات في تلك القوائم قد ضمنوا مقاعدهم البرلمانية في الولاية المقبلة، لأنهم جميعا في أماكن متقدمة، أو أنها خارج نطاق الخطر، في حال خسرت القائمتان الأكبر "أزرق أبيض" والليكود بعض المقاعد، التي فازت بها في انتخابات نيسان.

وجديد الجنرالات اليوم هو انضمام إيهود باراك (77 عاما) للسباق الانتخابي، ولم يكفه ماضيه العسكري وحده، بل إن الشخصية الأولى التي اختارها باراك لتكون معه، هو النائب السابق لرئيس أركان الجيش، يائير غولان، الذي خلع البزة العسكرية في العام الماضي، بعد أن تولى عدة مناصب حساسة في الجيش.

كذلك فإن الصحافة الإسرائيلية تساءلت ما إذا كان رئيس الأركان الذي أنهى ولايته في الأشهر الأخيرة غادي أيزنكوت، سينضم هو أيضا للسباق الانتخابي ضمن تحالفات معارضة لنتنياهو. ولكن لا يبدو أن هذا سيكون حتى الآن.

وعمليا فإن باراك الذي يهاجم بنيامين نتنياهو وسياساته بالذات في السنوات الأربع الأخيرة، يريد المنافسة على الخانة التي احتلها تحالف "أزرق أبيض". ولكن خوض باراك الانتخابات بقائمة مستقلة كلياً من شأنها أن تؤثر سلبا على حزب العمل. وقد بدأت اتصالات بين الجانبين في الأيام الأخيرة. ومن المفترض أن تنتهي باتفاق أو عدمه في بحر الأيام القليلة المقبلة، قبل موعد تقديم القوائم الانتخابية في 28 من الشهر الجاري تموز.

ونقطة الضعف لدى إيهود باراك الذي كرّس كل نشاطه السياسي في السنوات الأخيرة لمهاجمة سياسات بنيامين نتنياهو، أنه هو من أنقذ حكومة نتنياهو خلال 2009- 2013، وضمن ثباتها، بثمن انشقاق في حزب العمل بادر له باراك، رغم أنه كان رئيسا للحزب.

كذلك فإن سلسلة من المواقف اليمينية، أو التي شكلت مرتكزا لسياسات اليمين لاحقا، التي أطلقها باراك، مثل "لا يوجد شريك فلسطيني للسلام"، ستلاحقه في الحملة الانتخابية، في أوساط ما يسمى "معسكر اليسار الصهيوني".

أي وزن للجنرالات؟

في ما مضى كان الحزبان الأكبران، العمل خاصة بتسمياته السابقة، وحزب حيروت الذي أسس الليكود، يهتمان بأن يكون ضمن فريقهما البرلماني جنرالات بارزون. وذات يوم كان يطلق على حزب العمل حزب الجنرالات. ورأينا جنرالات آخرين يقيمون أحزابا وقوائم انتخابية لخوض الانتخابات. وهذا برز بشكل قوي في النصف الثاني من سنوات السبعين، واستمر حتى نهاية التسعينيات، ولكن عاد ليطل من جديد في العام الأخير.

ولكن الفارق هو أنه في السنوات الماضية، كانت إسرائيل غارقة في حروب وصدامات عسكرية عديدة، وكان هناك وزن للجيش والمؤسسة العسكرية وكبار الجنرالات. أما اليوم فإن هذا الوزن تراجع، وليس فقط بسبب الهدوء الأمني النسبي القائم، وإنما أيضاً لأنه منذ عودة نتنياهو إلى الحكم في العام 2009، عمل على تغييب قادة الجيش وأجهزة المخابرات عن المواجهة السياسية، وعن اللقاء المباشر مع وسائل الإعلام، خلافا لما كان في سنوات مضت.

وما يحدث في السنوات الأخيرة، أن فريق "أزرق أبيض" مؤلف من جنرالات بغالبيتهم الساحقة عينهم بنيامين نتنياهو في مناصبهم المختلفة، وعرفوا عن قرب طرق عمله، ورأوا فيها خطرا. وهذا برز بشكل خاص في العام 2011، حينما أنهى مهمات منصبه في سنة واحدة كل من رئيس جهاز الموساد مئير دغان، ورئيس جهاز "الشاباك" يوفال ديسكين، ورئيس أركان الجيش غابي أشكنازي، وثلاثتهم خرجوا للإعلام بخطابات وحملات انتقادية حادة جدا ضد نتنياهو وأساليب عمله، وحذروا من التقديرات العسكرية التي تصدر من محيطه، على كافة الجبهات، وبضمنها الشأن الإيراني.

إلا أنه منذ تلك الفترة، لم يتأثر نتنياهو إطلاقا بهذه الانتقادات. ولو كانت هذه الانتقادات في سنوات سابقة، لما بقي يوما واحدا في منصبه، لا بل إن نتنياهو خاض انتخابات 2013 و2015 و2019، محققا أغلبية لشركائه في الحكومة.

في كل الأحوال تبدو هذه الأسماء مقنعة أكثر لمن يريدون إسقاط نتنياهو عن الحكم، إلا أن انتخابات نيسان قالت إنهم ما زالوا أقلية في الشارع الإسرائيلي.

ملحق المشهد الإسرائيلي يصدر بالتعاون مع وزارة الخارجية النرويجية، محتوى المقالات لا يعكس بالضرورة موقف وزارة الخارجية النرويجية.

الجمعة, ديسمبر 13, 2019

مركز مدار

المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية "مدار"، هو مركز بحثي مستقل متخصص بالشأن الإسرائيلي، مقره في مدينة رام الله. تأسس في  العام 2000، بمبادرة مجموعة من المثقفين والأكاديميين الفلسطينيين، من بينهم: الشاعر الكبير الراحل محمود درويش، د. ليلى فيضي، د. علي الجرباوي، د. أحمد حرب، وليد الأحمد، وأكرم هنية. تم تسجيل المركز كجمعية أهلية غير ربحية.

القائمة البريدية