قُتلت حتى اليوم خلال العام الجاري، وقبل انتهائه، 25 امرأة في إسرائيل. في قسم من الحالات اقترف المجرم جريمته بسلاح ناريّ. وسائل القتل هذه متوفّرة بسخاء في الفضاء المدني الإسرائيلي. بعضها بترخيص وبعضها الآخر بدون ترخيص، علماً أن غير المرخص منها كان بغالبيّته مرخّصاً قبل أن يتحوّل من أيدي الجيش الى أيدي الجريمة، المنظمة منها (المافيا) وغير المنظّمة.

في أواخر الشهر الفائت، تشرين الثاني، قام ائتلاف لعدة تنظيمات نسوية ونسائية ومنظمات مجتمع مدني، "في ظل ارتفاع حاد بحالات قتل النساء في العام 2018"، كما أكد، بخطوة إضافية على الطريق الشاق صعب العبور نحو تقليص انتشار أدوات القتل الناريّة، وهذه المرة خرج "الائتلاف" ليس في مواجهة القتَلة المباشرين الفعليين، بل في مواجهة حكومة ممثّلة بأحد وزرائها، قرّرت، بدلا من العمل للحدّ من السلاح، أن تفتح ثغرات جديدة لغمر المجتمع بمخاطره القاتلة أكثر فأكثر.

قدّم "الائتلاف" التماساً الى "محكمة العدل العليا" ضد قرار لوزير الأمن الداخلي غلعاد إردان "يوسّع دائرة استحقاق الحصول على السلاح، ويرفع عدد الرخص الممنوحة لحيازة الأسلحة النارية". خلفية هذا تعود إلى أواسط آب الماضي، حين "وسّعت وزارة الأمن الداخلي سياسة منح رخص الأسلحة، وفي إطارها يحق لألوف الأشخاص الذين خدموا في وحدات قتالية الحصول على رخصة سلاح. وزير الأمن الداخلي صادق على إجراء تعديلات بشأن حمل السلاح، تسمح لمليون مواطن آخر بالحصول على رخصة سلاح، بعد أن كانت هناك حاجة إلى استيفاء شروط كثيرة للحصول عليها" (موقع الوزارة).

في إطار هذه التعديلات، يمكن أن يحصل المتطوعون، أيضاً، في الوحدات الملائمة في الشرطة و"قوات الإنقاذ" على رخصة سلاح. إضافة إلى ذلك، قرر الوزير إردان أن لا داعي لقيام الضباط والعناصر الذين يخدمون خدمة دائمة في الجيش الإسرائيلي بإعادة السلاح الذي بحوزتهم بعد تسريحهم من "خدمة الاحتياط"، ويمكن أن يطلبوا السماح لهم بحمل السلاح بعد تسريحهم أيضا ونيل رخصة لذلك. ما المعنى الفعلي لهذا؟

"سياسي ديماغوغي لا يقوم بواجبه كمسؤول عن أمن وأمان المواطنين والمواطنات"!

تقول المنظمات مقدّمة الشكوى القضائية إن هذه المعايير الجديدة بمبادرة وزير الأمن الداخلي توسع بشكل متطرف منالية الأسلحة النارية وتكثف وجود السلاح في الحيّزين، العام والخاص. هذا القرار غير المسبوق واللامنطقي يزيد عدد المواطنين المخولين بحيازة سلاح خاص بأكثر من 600 ألف شخص (وفقاً لمعطيات وزاره الأمن الداخلي نفسها)، إذ أن كل جنديّ مسرح حصل على تدريب في الوحدات القتالية، ولو بعد مرور 50 عاماً على انتهاء خدمته العسكرية، يستحق وفقاً للمعايير الجديدة أن يحمل سلاحاً نارياً. للمقارنة، فإنه خلال ستة أشهر فقط (بين تشرين الأول 2015 الى أيار 2016)، تم منح تراخيص لـ 105 آلاف قطعة سلاح جديدة (معطيات نشرتها الوزارة).

تعليقاً على هذا جاء في نص الالتماس: "إن المعرفة التي بنيناها بواسطة بحث مكثف وبواسطة الرقابة المدنية على مدار ثماني سنوات من العمل الحثيث، تكشف بوضوح القاعدة الهشة والنوايا السيئة للوزير [إردان]، حيث نتحدّث عن سياسي ديماغوغي لا يقوم بواجبه كمسؤول عن أمن وأمان المواطنين والمواطنات".

تفيد استنتاجات الالتماس بأن تكثيف وجود الأسلحة الناريّة في الحيّز المدني يزيد من حالات القتل ويرفع الخطر المحدق بالنّساء بـ 3-5 أَضعاف. وبناء عليه يطالب المحكمة العليا بإصدار أمر مشروط يأمر بالتالي: إلغاء المعايير والشروط لحيازة أسلحة خاصة وفقاً للمنشور الذي أصدره وزير الأمن الداخلي في شهر آب من هذه السنة، وإعادة المعايير السابقة؛ إلغاء الأمر الطارئ الذي صدر في شهر أيار هذه السنة، والذي يتيح حيازة أسلحة لشركات الحراسة خارج ساعات ومكان الدوام؛ سن تشريعات قانونية تحدد المعايير المطلوبة للحصول على ترخيص للأسلحة بنوعيها: خاصة وتنظيمية (الذي يحمله أفراد ضمن العمل في منظمات)، وعدم الاكتفاء بتعليمات إدارية او منشورات وزارية.

يورد الائتلاف مقارنة دولية تشير الى أنه في العام 2014 نشرت وزاره الأمن الداخلي "مؤشر العنف الوطني للعام 2014"، وهو يشير الى معطيات ومعلومات خطيرة تدرج دولة إسرائيل في مرتبة فوق المعدل العام لمجموعة دول الـ OECD فيما يتعلق بحالات القتل بأسلحة نارية. فالمعدل الإسرائيلي لحالات القتل التي اقتُرفت بأسلحة نارية هو 40% بينما المعدل العام لدول الـ OECD هو 28%.

سياسة إشباع الحيز المدني بالأسلحة النارية، تتنافى مع وتناقض سياسات سابقي الوزير الحالي، اذ اعتمدت السلطات الإسرائيلية على مدار 20 سنة متتالية سياسة تقييديّة تهدف إلى التقليل من انتشار الأسلحة الناريّة في الحيّز المدنيّ لما يشكله من خطورة لحياة الأفراد والأمن الداخلي، نسبياً وعلى المستوى التصريحي على الأقل.

ليست وحدها معايير الوزير الجديدة التي يطالب "الائتلاف" بإلغائها، بل يندّد في الالتماس أيضاً بالتمديد المنهجي المتواصل منذ العام 2016 للأمر الطارئ و"المؤقت" الذي يتيح للعاملين في شركات الحراسة بحمل الأسلحة النارية خارج مكان وساعات العمل، وبشكل مناف لقانون صريح آخر هو قانون الأسلحة الناريّة (للعام 1949). ويقول الائتلاف في التماسه: "في العقدين الأخيرين تشكل وعي لمخاطر السلاح التنظيمي، وخاصة الحراسة الذي يتمّ جلبه إلى المنزل بشكل مناف للقانون، واتضحت العلاقة المباشرة الرابطة ما بين توفر الأسلحة الناريّة وبين سلسلة تزداد طولاً من حالات القتل والانتحار التي جرت في منازل العاملين في شركات الحراسة، والتي تم تنفيذها باستخدام أسلحتهم المخصصة للحراسة". هذه المعطيات تصرّ الحكومة الإسرائيلية ممثلة بوزير الأمن الداخلي على ضربها بعرض الحائط.

انخفاض منهجي في نسب قتل النّساء كلما وجدت ظروف رقابيّة مشدّدة

إن تقليص عدد الأسلحة الناريّة داخل العائلات يقّلل من عدد حالات القتل في هذه الحيّزات ويقّلص الخطر المحدق بالنّساء على وجه الخصوص- هذا ما يؤكده "الائتلاف" على هامش تحركه القضائي الراهن. وهو يشير الى أنه تمّت مراكمة واستيعاب هذه المعرفة خلال عمليّة جمع المعطيات المنهجيّة التي يعرضها الالتماس، وهي ما أدت الى تحريك المبادرة وتشكيل الائتلاف الرامي إلى نزع السّلاح من عشرات آلاف المنازل، وبذلك خففت من التّهديد المحلق فوق رؤوس آلاف النّساء والأطفال وعددٍ كبيرٍ من الرجال.

الإشارة الى المبادرة التي حملت عنوان: "المسدّس على طاولة المطبخ". ومن أهم تأثيراتها أنه بعد تسليط الضوء على هذه الظاهرة، لم يعد يُنظر إلى حالات القتل والانتحار باعتبارها "مآسي شخصيّة ومتفرقة". صارت العلاقة أوضح للعيان والوعي بين هذه الظاهرة وبين السّياسة المستمرة المتمثّلة في عدم تطبيق القانون وإشباع الحيز المدني بالأسلحة. ويقدّر "الائتلاف" أنه كان لنشاط هذه المبادرة دورٌ أساس في لفت انتباه الجمهور وتعريفه بحقيقة وجود هذه الظاهرة أساساً، "والاعتراف بأنّ هذا شأن عام يستدعي ويسوّغ إجراء تغييرٍ في السّياسات. فقد جذّرت المبادرة داخل الوعي العامّ فهماً متزايداً مفاده أن وجود السّلاح الخفيف في الحيّز المنزليّ يضاعف عدة مرات المخاطر على النّساء بالذات، وتعريض النساء لخطر القتل، عبر زيادة احتمالات القتل وأعمال الانتحار بشكلٍ عامّ".

البحث المرافق للتحرّك القضائي كشف ورسّخ شهاداتٍ دامغةٍ تشير إلى الانخفاض المنهجي في نسب قتل النّساء داخل العائلة في العالم وفي إسرائيل أيضاً، كلما وجدت ظروف رقابيّة مشددة أكثر، وكلما تم تشديد القوانين المتعلقة بالسّلاح وتشديد تطبيقها.

رفض الادعاء "الأمني"

ورفض الائتلاف بشكل قطعي الادعاء "الأمني" الذي يعتمده وزير الأمن الداخلي لتسويغ توسيع دائرة الترخيص وتكثيف الأسلحة النارية في الحيز المدني. فهو يفترض أن زيادة التسليح تساهم في بث الأمن والأمان بين الجمهور. هذه فرضية نظرية فقط، يقول الملتمسون، حيث لم تثبت صحتها بسبب غياب أي معلومات دقيقة حول نجاعتها، بل إنها تتعارض مع توصيات وضعتها جهات مهنية تعمل منذ سنين في هذا الحقل، بينها: "اتحاد العمال الاجتماعيين" و "البرنامج الوطني للحد من حالات الانتحار". ويجزم الائتلاف ضد توسيع رقعة ترخيص السلاح أن "هذه السياسة لا تتعدى كونها استغلالا مضراً لمصطلح شعبوي وديماغوغي في حكومة تقدس كلمة "أمني" لتبرير أهداف غير شرعية".

وكتبت هذا الالتماس بجهد مشترك محاميات من عدة جمعيات وتنظيمات: المحامية أن سوشيو، جمعيه حقوق المواطن؛ المحامية عنات طهون- أشكنازي، جمعيه ايتاخ- معك؛ محاميات من أجل عدالة اجتماعية؛ المحامية سمدار بن نتان، مشروع المسدس على طاولة المطبخ التابع لـِ "امرأة لامرأة" – المركز النسويّ حيفا، الكاتبة ومؤسسة المبادرة ريلا مزالي. وشارك في العمل عليه وتقديمه أيضاً: لوبي النساء في إسرائيل، بروفايل جديد، أطباء لحقوق الإنسان، تنظيم عائلات القتلى والقتيلات، جمعية نعم- نساء عربيات في المركز، وجمعية نساء ضد العنف.

تؤكد هذه المنظمات "نقولها بوضوح إن الزيادة الطارئة على كميات الأسلحة الناريّة لا توفّر الأمان. الالتماس يلفت إلى الآثار الضارّة، القاتلة، والتي تنطوي على التهديد الكامن في الأسلحة الناريّة الموجودة في الحيّز المدنيّ، فهي التي تخرق، بل وتشلّ في بعض الأحيان، النّظم الاجتماعيّة القائمة. وعبر فحص مجموعة من الحالات التي تمّ التسبب فيها بالضرر لكل من المواطنات والمواطنين (بشكل أساس)، فإنّ هذا الالتماس يقوم باستحضار جزء من المخاطر والأضرار المرتبطة بحضور وانتشار الأسلحة الناريّة، ويعزز من الرّؤى التي تمّت صياغتها في الماضي من قبل دوائر صنع القرار وذوي المناصب العليا، الأمنيّة والمدنيّة، وهي رؤى تقول إن الحيّز المدنيّ في إسرائيل وفي المناطق التي تقع تحت سيطرتها، مشبع بكميات من الأسلحة بأكثر مما تستدعي الحاجة. وكما تشير استنتاجات الالتماس، فإنّ هذا التسلح الفائض عن الحاجة يترافق، بل ويجد دعامته، في النّقص الخطير الكامن في المعطيات والمعلومات وفي الرّقابة غير الصارمة على الأسلحة التي تقع ضمن نطاق مسؤوليّة إسرائيل".

سياسة تكثيف ترخيص السلاح الحالية مناقضة لتوصيات خمس لجان وزارية إسرائيلية سابقة بين عامي 1990 و2000

منذ التسعينيات على الأقل، يقول الملتمسون، تشكل لدى الجهات المهنية ووزارات الحكومة ذات الصلة الاعتراف والمعرفة بأن منالية السلاح الناري في الحيّز المدني تفرض مخاطر جدية على حياة وأمن الجمهور، ومن هنا يجب اعتماد سياسة مقيّدة ومقلّصة لإعطاء أسلحة مدنيّة، أي غير تلك التي بحوزة منظمات عسكرية وأمنية.

كان هذا موقف خمس لجان وزارية جرت إقامتها بين عامي 1990 و2000 لغرض مراقبة وضبط وتنظيم ترخيص السلاح. إحدى هذه اللجان أقيمت بعد قتل عاملة اجتماعية بسلاح مرخص للحراسة عام 1992. وأكدت اللجنة على مخاطر اتساع نطاق السلاح، ومما قالته: "يجب الاستمرار في السياسة المقيّدة والمقلّصة". وفي العام 1998 نُشر تقرير إضافي صدر عن لجنة عامة كان عنوان وظيفتها "لجنة منع العنف في العائلة"، وهي الأخرى شددت على المخاطر الكامنة في وجود الأسلحة في الحيّز الشخصي والعام، وخصوصاً على جمهور النساء، وقد كتبت في تقريرها: "يجب مواصلة السياسة المقلّصة والمسؤولة بخصوص إعطاء الرخص الشخصية لتلقي السلاح".

وتعزّز هذه الفهم على امتداد السنين كلما ازدادت قائمة الأبرياء الذين يقتلون بسلاح مدني عموما وبسلاح حراسة على نحو خاص. فبين الأعوام 2002-2013 قُتل بالسلاح المخصص للحراسة 35 شخصاً على الأقل، معظمهم من النساء، داخل البيوت أو على مقربة منها. وإن 40% من جرائم القتل وقعت بسلاح ناري. واستخدمت الأسلحة النارية أيضاً على مر السنين كأداة رئيسة لتنفيذ انتحارات في المجتمع عموماً وفي الجيش خصوصاً.

وتشير المعطيات إلى أن سياسة تقليص وجود وحيازة السلاح في الحيز المدني أثّرت على نحو إيجابي فتراجعت حالات الانتحار وجرائم قتل النساء بسلاح الحراسة بصورة ملموسة وجدية. ويجزم الالتماس بأن هذه السياسة قد تجاوزت المجتمع العربي داخل إسرائيل، فلم تنفذ بشكل مشابه مثلما تم في المجتمع اليهودي، ولذلك نرى أن نطاق السلاح غير المرخص قد اتسع بشكل ضخم وكذلك الجرائم المنفّذة به عموما وجرائم قتل النساء بشكل خاص. لقد كانت نسبة جرائم إطلاق النار في المجتمع العربي أكبر بـ 5ر17 مرة منها في المجتمع اليهودي، كما أشار تقرير لمراقب الدولة في آب الماضي.

مزاعم ينفيها الواقع حول جهود تقليص السلاح في المجتمع العربي

نشير إلى أن وزارة الأمن الداخلي خرجت بردّ متنصّل من المسؤولية، وعدّدت مزاعم حول جهودها لتقليص السلاح في المجتمع العربي، الأمر الذي ينفيه الواقع وتفنّده الوقائع.
ادّعت الوزارة في ردها أنها "تعطي أهمية كبرى لتعزيز تطبيق القانون وتوسيع خدمات الشرطة في البلدات العربية إلى جانب تعزيز الثقة بشرطة إسرائيل. تقدم الوزارة مع الشرطة برنامجا بتكلفة شاملة نحو مليار شيكل، يهدف لتعزيز الأمن الشخصي من خلال زيادة الحضور البوليسي في البلدات العربية، وذلك لمكافحة الجريمة، والعنف والقتل على الشوارع من أجل جعل المجتمع العربي يشعر بسيادة القانون والنظام، بما في ذلك منع استعمال السلاح غير المرخص". هذا ما يدحضه قادة المجتمع العربي تماماً، بل تشير الهيئات التمثيلية المختلفة إلى العكس تماماً – إلى تقاعس وإهمال إجرامي لمحاربة السلاح غير المرخص داخل البلدات العربية في طول البلاد وعرضها. مثلا، جزمت لجنة المتابعة العليا للمواطنين العرب أن "عدد ضحايا الجريمة منذ بداية عام 2018 هو 70 ضحية ومنهم 37 عربا، بمعنى آخر نحن نشكل 20% من مجموع السكان إلا أننا نشكل 52% من ضحايا جرائم القتل!"، وشددت على أن "المجرمين القتلة هم أعداء المجتمع، وإذا كانت التربية وتعزيز المنظومة الأخلاقية هي مسؤوليتنا، فإن مواجهة واجتثاث عصابات الجريمة هما مسؤولية الشرطة، ونحن نوجه أصابع الاتهام للشرطة التي بتواطؤها وبتخاذلها ساهمت في انتشار عصابات الجريمة وإغراق الشارع العربي بالسلاح. في أكثر من مناسبة الشرطة نفسها اعترفت بازدواجية التعاطي مع الحدث، فإذا كان الضحية عربياً يتم اعتبار القضية جنائية وإذا كان الضحية يهودياً يتم اعتبار القضية أمنية ويتم تجنيد كل الإمكانيات لكشف النقاب عن الجريمة ومعاقبة المجرم".

عن الحملة التي أسفرت عن جمع عدد ضئيل جدا من قطع السلاح

الوزارة تقول كذلك في معرض ردّها على تقرير المراقب إنه "بالنسبة لموضوع جمع الأسلحة، فقد قامت وزارة الأمن الداخلي والشرطة وبالتعاون مع السلطات المحلية العربية في الربع الأخير من العام 2017 بحملة واسعة لجمع السلاح غير المرخص الموجود بأيدي الجمهور. في نطاق هذه الحملة تقرر أن المواطنين الذين يسلمون السلاح ووسائل القتال خلال الحملة يحظون بحصانة ولا تقدم ضدهم لوائح اتهام بارتكاب مخالفة حيازة أسلحة ووسائل قتال غير مرخصة. ومن المقرر أن تجري حملة مشابهة العام 2018".

وقد اتضح لاحقاً أن هذه الحملة، التي حملت طابعاً إعلامياً أكثر منه عملياً، قد أسفرت عن جمع عدد ضئيل جدا من قطع السلاح. وبيان الشرطة في حينه (أيلول 2017) يكشف ما اعتبره مراقبون ومعلقون، بالعربية وبالعبرية أيضاً، بمثابة مهزلة. فقد جاء فيه (يتم إيراده حرفياً دون تنقيح!) أن "الحملة الخاصة جاءت عقب توجهات قيادات ورؤساء سلطات محلية عربية لقيادات الشرطة ووزارة الأمن الداخلي في مساهمة ومسعى إضافي مساند وراء تقليص ظاهرة السلاح والتسلح والعنف داخل الوسط العربي جنبا إلى جنب مواصلة الشرطة بذل جل جهودها الحثيثة العلنية الجلية والسرية الخفية المتواصلة في مكافحتها كافة جوانب هذه الظاهرة. هذه الحملة الخاصة كان أحد أسسها عدم تعريض المواطن العربي الذي يعيد سلاحه غير القانوني خلال فترة الحملة، للمساءلة القانونية ولا القضائية حول حيازتها". فعمّاذا أسفرت هذه الحملة؟ تمت إعادة مسدسين اثنين وبندقية وكمية من الذخيرة! ولا حاجة للتعليق.

التزامن الضروري ما بين التردي الأمني والتسليح المدني

إذا كانت وزارة الأمن الداخلي قد استندت إلى حالة سياسية- أمنية في قرار وزيرها فتح السدود ليغمر السلاح المجتمع والحيز المدني، فقد سبق هذه التزامن الضروري ما بين التردي الأمني والتسليح المدني مفترقات أخرى مشابهة. والالتماس يشير إلى أن قيادة الجيش الإسرائيلي طلبت في أواخر التسعينيات توسيع رقعة تطبيق المعايير التي تتيح لضباط مواصلة حمل رخصة حيازة السلاح الناري، بعد انقضاء فترة خدمتهم العسكرية أيضاً. وبالتزامن مع اندلاع الانتفاضة الثانية العام 2000 أقيمت لجنة وزارية جديدة لفحص الأمر وخرجت بقرارات في جوهرها تسهيل معايير مواصلة حيازة رخص السلاح لأصحاب رتب عسكرية وسطى فما فوق، وكذلك لعناصر عسكرية خدمت في وحدات قتالية. أي أن اللجنة أوصت بتقييد إعطاء الرخص إلا في حالة المجموعات المشار إليها أعلاه. لكن، كما ينوّه الالتماس "على الرغم من توصيات اللجان الوزارية بتقليص كمية قطع السلاح المرخصة الخاصة، وبتحسين الرقابة على حملة السلاح، ففي النصف الأول من سنوات الـ2000 طرأ ارتفاع كبير وجدي على عدد قطع السلاح التنظيمية (بأيدي عناصر حراسة وأمن مدنيين)".

هنا يتطرق الالتماس إلى أن أغلبيّة الأسلحة الناريّة غير القانونيّة كانت مرخّصة في الماضي. إنّ ترسانة الأسلحة القانونيّة هي المصدر الأساس الذي يؤول إلى تحوُّله إلى سلاحٍ غير قانونيّ في إسرائيل، مما يجعل سياسة الوزير إردان مصدراً لسلاح غير قانوني إضافي في المجتمع الفلسطيني. يشير الالتماس هنا إلى ما سجّله مراقب الدولة الإسرائيلية في تقريره الخاص بهذا الصدد، وتشديده على أن "انعدام التنسيق والتعاون بين وحدات الشرطة وبين قوّات الأمن والشرطة" هو بين النواقص الأساسيّة التي خلص إليها، حيث أن معظم الأسلحة تصل إلى المجتمع العربيّ من ثلاثة مصادر رئيسة: السرقات من الجيش الإسرائيليّ، التهريب من الأردنّ والتصنيع في الضفة الغربية. كما تصل أسلحة أخرى مصدرها السرقات من المنازل والسيّارات.

انتشار السلاح غير القانونيّ بين العرب مرتبطٌ بزيادة الأسلحة بين اليهود

تجدر الإشارة إلى أنه اتُّفق في حزيران 2017 على تشكيل وحدة مشتركة للشرطة العسكريّة وشرطة إسرائيل للقضاء على ظاهرة سرقة الأسلحة من الجيش الإسرائيليّ. وحتّى شباط 2018 لم يكتمل تشكيل هذه الوحدة بعدُ، كما يؤكد تقرير المراقب. فالتعاون بين جميع الجهات ذات العلاقة في الشرطة في موضوع الأسلحة في المجتمع العربيّ تشوبه النواقص والعيوب، فمثلاً يعمل كلّ لواء على هذا الموضوع بشكل منفصل؛ ليس هناك نقل منظّم للمعلومات بين الوحدات المركزيّة في الألوية وبين مراكز الشرطة؛ ليس هناك نقل منظّم للمعلومات الاستخباراتيّة بين الوحدات المركزيّة نفسها وبين الوحدة المركزيّة في لواء يهودا والسامرة (الضفة الغربية) على الرغم من أنّه قد تمّ تعريفه على أنّه "مصدر للإجرام". و"يؤدّي انعدام التعاون التامّ إلى فقدان المعلومات الاستخباراتيّة، كما أنّ هناك حالات تعاملت فيها وحدات شرطة مختلفة مع الأهداف الاستخباراتيّة نفسها وفي الوقت نفسه".

بناء على ذلك، يقول الائتلاف: إن قائمة مصادر السّلاح غير القانونيّ تظهر بشكل واضح من خلال مجموعة متعددة من الوثائق وهي تشمل أيضا شركات الحراسة الخاصّة ومخازن السّلاح العسكريّة. إنّ هذا الانتشار المتزايد للسلاح غير القانونيّ، والذي تمّ توثيقه بشكلٍ واسعٍ في التجمّعات السكانيّة الفلسطينيّة في إسرائيل، مرتبطٌ ارتباطا وثيقا بزيادة الأسلحة في أوساط اليهود الإسرائيليين كنهج عام. وهذا ما تعزّزه بشدة وخطورة سياسة وزارة الأمن الداخلي في حكومة اليمين الحالية.

 

الثلاثاء, يونيو 18, 2019

مركز مدار

المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية "مدار"، هو مركز بحثي مستقل متخصص بالشأن الإسرائيلي، مقره في مدينة رام الله. تأسس في  العام 2000، بمبادرة مجموعة من المثقفين والأكاديميين الفلسطينيين، من بينهم: الشاعر الكبير الراحل محمود درويش، د. ليلى فيضي، د. علي الجرباوي، د. أحمد حرب، وليد الأحمد، وأكرم هنية. تم تسجيل المركز كجمعية أهلية غير ربحية.

القائمة البريدية