في صبيحة 23 كانون الثاني الماضي، أعلن الجيش الإسرائيلي عن مقتل 21 جندياً وضابطاً من قوات الاحتياط بعد استهدافهم من قِبَل المقاومة بصواريخ قرب المنطقة الحدودية (على بُعد 600 متر من كيسوفيم). وبحسب البيان الرسمي للجيش الإسرائيلي، فإن هذه القوة كانت تعمل في المنطقة على تفخيخ وتفجير المنازل الفلسطينية القريبة من الجدار العازل. هذه الحادثة، كشفت- من ضمن حوادث أخرى كثيرة على طول الحدود مع القطاع- عن بدء الجيش الإسرائيلي بإقامة "المنطقة العازلة" أو "الحزام الأمني" داخل حدود القطاع، والذي بات من الواضح أنه يندرج في إطار ترتيبات إسرائيل لما بات يُعرف بـ"اليوم التالي" في قطاع غزة.
الرد الإسرائيلي الرسمي، حتى الآن، على قرار المحكمة العدل الدولية في لاهاي من يوم 26 كانون الثاني الحالي بشأن الدعوى التي عرضتها أمامها جمهورية جنوب أفريقيا يوم 29 كانون الأول 2023، هو "التعبير عن الارتياح" من هذا القرار، بل الاحتفاء به وكأنه يشكل انتصاراً بشكل ما، من جهة، ولكن ممزوجاً بقلق خفيّ جدّي من عواقب وتداعيات لن يكون بالإمكان منعها أو تجنب تأثيراتها، من جهة أخرى؛ وهو ما عكسه هجوم رئيس الحكومة وعدد من وزرائها ضد المحكمة الدولية حدّ اتهامها بمعاداة الساميّة ثم إصدار مكتب رئاسة الحكومة الإسرائيلية تعليمات إلى جميع الوزراء والمسؤولين الحكوميين الآخرين بالامتناع عن إصدار أية بيانات أو إطلاق أية تصريحات علنية في التعقيب على قرار المحكمة.
"موضوع الأمان على الطرق يحمل أخباراً غير جيدة"- هذا ما قاله رئيس "لجنة الاقتصاد للنهوض بالأمان على الطرق" في الكنيست، خلال جلسة عقدتها بتاريخ 24/1/2024. وقد لا يكون الوصف كافياً لتصوير خطورة المعطيات من زاوية نظر الأطفال العرب؛ إذ تبيّن من المعطيات التي وُضعت أمام اللجنة أن 62% من الأطفال حتى جيل 14 عاما الذين قتلوا في حوادث طرق العام 2023 كانوا من المجتمع العربي.
يتصاعد الجدل، في الشارع الإسرائيلي، حول مجريات الحرب من عدة جوانب، وفي اتجاهين مركزيين: أصوات التطرف الداعية لاستمرار الحرب، وتعزيز الضربات، وتشديدها أكثر على قطاع غزة، وهي الأقوى، وثانيا حملة عائلات الرهائن في قطاع غزة، المتصاعدة هي أيضا، وممكن الافتراض أن جمهور مؤيدي هذه الحملة في الأساس، هم من معارضي حكومة بنيامين نتنياهو، بمعنى الجمهور الذي يرتكز عليه أيضا التحالف الانتخابي الذي يقوده بيني غانتس، "المعسكر الرسمي"، واختار الانضمام إلى حكومة الحرب، التي طال عمرها، مع إطالة الحرب، التي لا يلوح في الأفق أي سيناريو لوقفها، ما يعني استمرار "حالة الحرب"؛ وبموجب الاتفاقية مع كتلة غانتس فإن حكومة الحرب تستمر طالما استمرت حالة الحرب.
في مساء يوم الأحد 28 كانون الثاني الحالي، انعقد مؤتمر استيطاني حضره وزراء إسرائيليون، وآلاف الناشطين اليمينيين، وعشرات المنظمات المدنية، ومجالس المستوطنات. وبينما أن التيار الاستيطاني في إسرائيل بدا في العقود الأخيرة تياراً توراتياً (أي: توراة إسرائيل تدعو إلى الاستيطان)، فإن هذا المؤتمر يشير إلى تحول نحو الخطاب القديم- الجديد الذي يعرفه الشارع الإسرائيلي منذ العام 1967 (أي: أمن دولة إسرائيل داخل 1948 يتحقق من خلال الاستيطان المدني).
مع استمرار امتناع بنيامين نتنياهو عن مناقشة ما بات يُعرف إسرائيلياً بـ "اليوم التالي للحرب"، يزداد الاهتمام الإسرائيلي الداخلي بمناقشة السيناريوهات والتصورات الإسرائيلية لمستقبل قطاع غزة وفق التصورات الإسرائيلية. من ناحية، هناك توجه يدفع باتجاه السعي لإخراج إسرائيل من "الورطة" أو "المصيدة" باللجوء إلى إنهاء القتال والتوصل إلى صفقة تبادل أسرى بما يضمن المصالح الإسرائيلية على كافة المستويات. من ناحية ثانية، يُصرّ التوجه السائد على ضرورة استمرار العمليات العسكرية في قطاع غزة حتى تحقيق أهداف إسرائيل العسكرية والسياسية مع تبنّي نهج تفضيلي بين جنوب وشمال القطاع.
الصفحة 40 من 336