رفعت استطلاعات الرأي العام الإسرائيلية تقديراتها بالنسبة إلى حزب "يسرائيل بيتينو (إسرائيل بيتنا)" بزعامة أفيغدور ليبرمان، إلى ما بين 9 وحتى 10 مقاعد، بمعنى ضعفي المقاعد الـ 5 التي له اليوم. والخلفية الرئيسية لهذا الارتفاع، هي الخط المركزي في حملته الانتخابية، وترتكز على مبدأين: أولا أنه لن يقبل إلا بحكومة وحدة قومية، على أساس أن استطلاعات الرأي تتنبأ بأن يكون بيضة القبان في الانتخابات المقبلة. وثانيا، أنه يشن معركة من أجل فرض الخدمة العسكرية الإلزامية على الشبان المتدينين اليهود المتزمتين (الحريديم).

ولكن لا يمكن لليبرمان الارتكاز على استطلاعات الرأي، التي تسجل في كل واحدة من انتخابات العقد الأخير فشلا في رسم الخارطة البرلمانية. وأكبر هذه المفاجآت كانت في انتخابات نيسان، التي كانت نتيجتها مختلفة بقدر ليس بقليل عن استطلاعات الرأي. فعلى سبيل المثال، لم يتوقع أي استطلاع للرأي على مدى شهرين كاملين أن يحصل حزب الليكود على 35 مقعدا. كما تنبأت استطلاعات الرأي بفوز قائمة لأحزاب المستوطنين بعدد مضمون من المقاعد، فيما الثانية تتأرجح عند نسبة الحسم، وما حصل كان العكس تماما، بحيث أن القائمة "المضمونة" لم تجتز نسبة الحسم، فيما الثانية اجتازت وحصلت على 5 مقاعد. كذلك توقعت كل استطلاعات الرأي أن تحصل قائمة "زهوت (هوية)" بزعامة المتطرف موشيه فيغلين على ما بين 5 إلى 6 مقاعد، ولكنه في نهاية المطاف حصل على ما يعادل 3 مقاعد ولم يجتز نسبة الحسم. والفشل الآخر، كان في تقدير قوة شاس، التي تنبأت لها استطلاعات الرأي بأن تحصل على 4 إلى 5 مقاعد فحصلت على 8 مقاعد.

ولذا فإن ليبرمان يظهر في وسائل الإعلام كمن بات الحزب الذي سيمسك بخيوط الحكومة المقبلة، ويقرر مصير تركيبتها، وحتى أنه في الأيام الأخيرة شرع في حرب أعصاب ضد صديقه القديم وغريمه الحالي بنيامين نتنياهو، بأن أعلن أنه سيوصي رئيس الدولة بأن يكون رئيس الحكومة المقبلة شخصاً آخر من الليكود، وليس نتنياهو.

وكما يبدو، فعلت هذه المناورة فعلها، فظهر في وسائل الإعلام أنه تم استجواب أعضاء الكنيست في قائمة الليكود، وتبين أن 90% منهم متمسكون بترشيح نتنياهو لرئاسة الحكومة، بحسب ما قال النائب دافيد بيتان، يوم الأحد الفائت، وهو من أقرب المقربين لنتنياهو في الليكود، وهو أيضا متورط بقضايا فساد متشعبة، لم تحسم فيها بعد مسألة تقديمه للمحاكمة.

ولاحقا جرى إلزام المرشحين الـ 40 الأوائل في قائمة حزب الليكود للانتخابات القادمة بالتوقيع على تعهد بأن مرشح الحزب لتشكيل الحكومة هو بنيامين نتنياهو، وهو مشهد لم تعرفه السياسة الإسرائيلية في تاريخها، وهذا يعكس مدى سطوة نتنياهو على الحزب، وقد جعل شخصيات ذات وزن ما في الساحة الإسرائيلية مجرد دمى في لعبته السياسية.

لعبة ليبرمان ضد المتدينين
بعد ظهور نتائج انتخابات نيسان، انتبه أفيغدور ليبرمان لحقيقة أن حزبه حصل على 5 مقاعد فقط. وكما يبدو فقد قرأ ليبرمان، أكثر، خارطة المصوتين له، وانتبه أكثر إلى كونه في تراجع مستمر في السنوات الأخيرة، ما يعني من ناحيته أنه في أي انتخابات مقبلة، سيدخل في دائرة الخطر، خاصة وأنه كانت أحاديث في حينه أن الولاية البرلمانية الـ 21 لن تعمّر طويلا، إذا ما تم اتخاذ قرار نهائي بتقديم نتنياهو للمحاكمة بقضايا فساد.

وعلى أساس هذا المشهد، رأى ليبرمان في ذات الوقت أنه مفتاح ثبات حكومة اليمين الاستيطاني برئاسة بنيامين نتنياهو، الذي أوصى ليبرمان به لتشكيل الحكومة. ومن أجل رفع أسهمه، فقد قفز ليبرمان على بالة الشوك، التي تقف في طريق الحكومة، وهي قانون فرض الخدمة العسكرية الإلزامية على شبان الحريديم، الذي كان أحد أسباب حل الكنيست في الشهر الأخير من العام الماضي، والتوجه إلى انتخابات مبكرة، تمت قبل موعدها الرسمي بسبعة أشهر. فالحريديم طالبوا بإجراء تعديلات على مشروع القانون الذي أقره الكنيست في شهر تشرين الثاني 2018 بالقراءة الأولى. وقد تمت صياغة القانون في قيادة الجيش. وكما يبدو، تلقى الحريديم وعودا بأن تتم تعديلات على القانون عند طرحه للقراءة النهائية. وهذا الوعد طُرح مجددا في المفاوضات لتشكيل حكومة نتنياهو بعد انتخابات نيسان. فرفض ليبرمان الصفقة، وتمسك بمقولة: "إقرار القانون كما صاغه الجيش"، ولهذه العبارة مكانة خاصة في الرأي العام، طالما أن الجيش هو الذي صاغ مشروع القانون.

ثم صعّد ليبرمان خطابه، وانسحب أيضا على قوانين الاكراه الديني، ورفع شعار: "رفض الجلوس في حكومة تحكمها الشريعة اليهودية". بمعنى أن ليبرمان قفز من قانون الخدمة العسكرية إلى كل قضية علاقة الدين بالدولة، رغم أن ليبرمان خان كل شعاراته العلمانية في كل واحدة من الحكومات التي شارك فيها.
وبهذا الشعار، فإنه لم يفتح جبهة ضد كتلتي المتدينين المتزمتين الحريديم، بل أيضا ضد ممثلي التيار الديني الصهيوني، وخاصة من بات وزيرا للمواصلات في الحكومة الانتقالية، بتسلئيل سموتريتش، الذي نادى في مطلع حزيران، وأيضا في مساء يوم الاثنين الأخير 5 آب، بتطبيق الشريعة اليهودية على الحكم الإسرائيلي، "كما كان في أيام داود وسليمان".

وتوسع ليبرمان أكثر لاحقا، بأن أعرب عن رفضه أن يكون في الحكومة المقبلة ممثلو حركة "عوتسما يهوديت (قوة يهودية)" المنبثقة عن حركة "كاخ" الإرهابية المحظورة في إسرائيل وفي دول عديدة في العالم بينها الولايات المتحدة الأميركية؛ وهذا على الرغم من تطرف ليبرمان.

وكانت الشعارات العلمانية في السنوات الماضية مصدر قوة انتخابية لليبرمان، عند جمهور المهاجرين من دول الاتحاد السوفييتي السابق في العقود الثلاثة الأخيرة، ولكن هذا الجمهور بدأ في التراجع عن دعم ليبرمان في العقد الأخير تدريجيا؛ أولا بسبب خيانة ليبرمان لشعاراته الانتخابية، وثانيا لأن هذا الجمهور الذي يحافظ على تكتله الاجتماعي بدأ ينخرط في سائر قطاعات الحلبة السياسية الإسرائيلية.

الحسابات قد تتقلب
حتى الآن يظهر ليبرمان كمن أصيب بنشوة زائدة، وهو يرى استطلاعات الرأي تغدق عليه عدد مقاعد يعيده إلى ما كان عليه حتى العام 2009، حينما حصل على 11 مقعدا، وفي العام 2006 حين حصل على 15 مقعدا. ولكن في هذه الأيام بدأت ماكنة الانتخابات الإعلامية تدور، وكل الأمور مرشحة للتقلبات، بمعنى أن يكون ليبرمان قد سجل حتى الآن ذروة في الاستطلاعات، ومن ثم سيبدأ في التراجع ليعود إلى حجمه الطبيعي.

وأمام ليبرمان تحديات ليست قليلة، أولها مدى تمسك الجمهور الذي أيده حتى الآن بأولوية فرض الخدمة العسكرية على الحريديم. فهذا الجمهور هو في الأساس من اليمين المتشدد، وحتى من اليمين الاستيطاني، لأن الجمهور العلماني ذا التوجهات "اليسارية الصهيونية" لن يرى بليبرمان عنوانا له، فالأحزاب التي يدعمها تؤيد هي أيضا فرض الخدمة العسكرية على الحريديم، تحت شعار ما يسمى "توزيع العبء".

بمعنى آخر، إذا ما رأى الجمهور اليميني العلماني أن ليبرمان الذي يصعّد خطابه ضد شخص نتنياهو، سيشكل خطرا على قيام حكومة يمين استيطاني برئاسة الليكود، فقد يبتعد عنه في يوم الانتخابات، وهذا احتمال وارد جدا، خاصة وأن الليكود وضع لنفسه خطة لضرب معاقل أصوات حزب "يسرائيل بيتينو" الذي يتزعمه ليبرمان.

وحتى الآن، نجح الليكود في تجنيد نائبين سابقين في حزب ليبرمان، هما روبرت إيلاطوف، والوزيرة السابقة صوفا لاندفر، من أجل مساعدة الليكود في كسب أصوات المهاجرين من دول الاتحاد السوفييتي السابق، الذين كان يرتكز عليهم ليبرمان كقاعدة انتخابية له. وعلى الأغلب فإن هذه الخطوة، التي رافقتها "ضجة إعلامية"، هي جزء من حرب أعصاب ضد ليبرمان، الذي رد عليها برفضه شخص نتنياهو لرئاسة الليكود في تشكيل الحكومة.

ما يمكن قراءته في استطلاعات الرأي العام حتى الآن هو أن اليمين الاستيطاني لن تكون له أغلبية 61 نائبا من دون حزب "يسرائيل بيتينو"، ولكن كل الاحتمالات مفتوحة، خاصة وأنه ما يزال 40 يوما حتى يوم الانتخابات.

وبالإمكان القول، استنادا لسلسلة استطلاعات الرأي، أنه حتى ولو حصل ليبرمان على عدد مقاعد أقل مما تبشره به استطلاعات الرأي، بمعنى أن يحصل على 6 إلى 7 مقاعد، بدلا من 10 في استطلاعات الرأي الأخيرة، فإنه قد يبقى بيضة القبان، ليكون نتنياهو أمام معضلة في تشكيل حكومته.

ولكن حتى ليبرمان، كما علمت التجربة، قد ينقلب على كل شعاراته، وينضم إلى حكومة نتنياهو بإغراءات، خاصة وأن كل سياسات ليبرمان قائمة على التحريض العنصري الشرس ضد العرب والشعب الفلسطيني برمته، وهو يرفض إقامة دولة فلسطينية، ويؤيد فرض ما يُسمى "السيادة الإسرائيلية" على كافة مستوطنات الضفة الغربية المحتلة.

الأربعاء, أغسطس 21, 2019

مركز مدار

المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية "مدار"، هو مركز بحثي مستقل متخصص بالشأن الإسرائيلي، مقره في مدينة رام الله. تأسس في  العام 2000، بمبادرة مجموعة من المثقفين والأكاديميين الفلسطينيين، من بينهم: الشاعر الكبير الراحل محمود درويش، د. ليلى فيضي، د. علي الجرباوي، د. أحمد حرب، وليد الأحمد، وأكرم هنية. تم تسجيل المركز كجمعية أهلية غير ربحية.

القائمة البريدية