تكاثرت في الأيام الأخيرة استطلاعات الرأي العام الإسرائيلية، التي باتت تدمج اسم رئيس هيئة أركان الجيش الإسرائيلي السابق، الجنرال بيني غانتس، في سياق استشراف نتائج الانتخابات البرلمانية، في ما لو جرت هذه الأيام. غير أن غانتس ما هو إلا الشخصية المناوبة في استطلاعات الرأي العام، وذلك بعد سلسلة من الشخصيات المماثلة، التي تظهر وتختفي بالسرعة التي ظهرت فيها؛ في الوقت عينه فإن كمية المقاعد، التي تحصل عليها هذه الشخصيات أو الأحزاب المناوبة، تدل على حالة تخبط لدى قسم جدي من الجمهور الإسرائيلي، لا يرى بديلا مقنعا من بين القوى القائمة لحكم اليمين الاستيطاني- الديني.

 

وفي هذا الإطار نشرت صحيفة "يديعوت أحرونوت" استطلاعا للرأي العام، يتماشى مع نتائج سلسلة من استطلاعات الرأي، التي ظهرت في وسائل إعلام مختلفة خلال الأسابيع الأخيرة.

وكان استطلاع "يديعوت" بثلاثة سيناريوهات: الأول بحسب المشهد البرلماني القائم. والثاني في حال ترؤس غانتس (59 عاما) حزبا جديدا. والثالث في حال ترؤس غانتس قائمة "المعسكر الصهيوني"، التي تضم حزب العمل وحزب "الحركة" بزعامة تسيبي ليفني.

والمشترك في السيناريوهات الثلاثة أن اليمين الاستيطاني الحاكم حاليا، بزعامة رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، سيفوز بأغلبية مقاعد الكنيست، بحجم متفاوت.

ففي السيناريو الأول، القائم على أساس المشهد البرلماني الحالي، سيفوز الائتلاف بـ 64 مقعدا، منها 33 مقعدا لحزب الليكود، بدلا من 30 مقعدا اليوم. ولكن تضاف لهذا الائتلاف 5 مقاعد متوقعة لقائمة جديدة، تترأسها النائبة الحالية أورلي ليفي أبكسيس، المنشقة عن حزب "إسرائيل بيتنا".

وفي السيناريو الثاني، الذي يترأس فيها غانتس قائمة جديدة، يحصد الائتلاف 64 مقعدا، بعد ضم 4 مقاعد لأورلي ليفي أبكسيس، منها 29 مقعدا لحزب الليكود.

وفي السيناريو الثالث، الذي يترأس فيه غانتس "المعسكر الصهيوني"، يحصد الائتلاف الحاكم 65 مقعدا، بعد ضم 4 مقاعد لأبكسيس، منها 30 مقعدا لحزب الليكود.

والمشترك في السيناريوهات الثلاثة أن تحالف أحزاب المستوطنين "البيت اليهودي" يخسر مقعدا من قوته الحالية، وتصبح له 7 مقاعد، خلافا لسلسلة الاستطلاعات التي كانت تمنحه 12 مقعدا. كما أن حزب "كلنا" بزعامة وزير المالية موشيه كحلون يخسر 4 مقاعد، ويهبط إلى 6 مقاعد. كذلك فإن حزب "إسرائيل بيتنا" بزعامة وزير الدفاع أفيغدور ليبرمان يبقى عند قوته الحالية- 6 مقاعد. وحركة شاس للحريديم الشرقيين تخسر مقعدين وتصبح قوتها 5 مقاعد، في مقابل زيادة مقعد واحد للحريديم الغربيين- يهدوت هتوراة، وتصبح قوتهم 7 مقاعد. وتبيّن أيضا أن قائمة يترأسها موشيه يعلون، وزير الدفاع السابق، لن تعبر نسبة الحسم بعد أن كانت الاستطلاعات قبل عام تمنحه من 6 إلى 12 مقعدا.

كذلك فإن المشترك في سيناريوهات الاستطلاع الثلاثة أن حزب "يوجد مستقبل" بزعامة يائير لبيد، الذي كانت استطلاعات الرأي تتوقع مضاعفة قوته من 11 مقعدا اليوم إلى ما بين 21 وحتى 24 مقعدا، حصل على ما بين 14 إلى 18 مقعدا.

الشخصية المناوبة

درجت استطلاعات الرأي العام في إسرائيل، خلال السنوات الأخيرة، على طرح فرضيات كثيرة، في كل مرحلة عابرة. فمثلا قبل عامين، حينما أطاح بنيامين نتنياهو بوزير الدفاع يعلون من منصبه، في مقابل إدخال "إسرائيل بيتنا" إلى الائتلاف، وتولي زعيمه أفيغدور ليبرمان الحقيبة ذاتها، بدأت استطلاعات الرأي تمنح يعلون ما بين 7 إلى 12 مقعدا، وقسم من هذه المقاعد انتزعها من حزب الليكود. ولكن منذ عدة أشهر تلاشت قوته المفترضة.

كذلك في هذه الولاية البرلمانية حينما أعلنت النائبة المنشقة عن "إسرائيل بيتنا" أورلي ليفي أبكسيس تشكيل حزب جديد، منحتها الاستطلاعات في الأيام الأولى ما بين 8 إلى 9 مقاعد، أما في الاستطلاعات الأخيرة، فهي تصارع نسبة الحسم لأنها ستحصل على ما بين 4 إلى 5 مقاعد.

وثمة أمثلة أخرى، ففي الولاية البرلمانية السابقة كانت الشخصية المناوبة هي رئيس هيئة أركان الجيش الأسبق، الجنرال غابي أشكنازي، وأيضا في ذات السياقات، خوض الانتخابات بقائمة مستقلة، أو ترؤس حزب العمل، لكن أشكنازي لم يدخل السياسة مطلقا.

واليوم يتم استحضار غانتس، وهو عسكري طيلة حياته، تدرّج في المناصب العسكرية، حتى وصل إلى منصب رئيس هيئة الأركان، وسط أزمة عصفت بالجيش في حينه. فيومها لم يتم تعيينه مباشرة، بل تم تعيين الجنرال يوآف غالانت، الذي اتضح قبل أن يتولى منصبه أنه تجاوز قانون التنظيم والبناء واعتدى على أرض بملكية عامة، ما اضطر المسؤولين إلى إلغاء هذا التعيين، واستبداله بتعيين غانتس.

لم يكن غانتس خلال توليه مهمات منصبه شخصية ذات ملامح سياسية، ولم يدخل في صدام مع حكومته، طيلة السنوات الأربع لولايته، من العام 2011 إلى العام 2015. وحتى بعد أن غادر منصبه منذ ثلاث سنوات، لم يظهر بمواقف سياسية واضحة تحدد هويته السياسية، خلافا للعديد ممن سبقوه. وهذا يعني أنه شخص غامض سياسيا، أو بوصف آخر "رمادي" المواقف، وأمثال هؤلاء جاهزون لكل تحالف سياسي.

ويمكن القول إن استحضاره إلى استطلاعات الرأي العام، والتلاعب بمسألة رئاسته للـ"المعسكر الصهيوني"، جاءا على خلفية حالة الانهيار غير المسبوق في قوة حزب العمل، الذي حقق بتحالفه الانتخابي ضمن "المعسكر الصهيوني" في الانتخابات البرلمانية السابقة 24 مقعدا، منها 19 مقعدا لحزب العمل، وكانت هذه أكبر قوة انتخابية يحققها الحزب منذ انتخابات 1996.

أما استطلاعات العام ونصف العام الأخيرين، فهي تدل على انهيار قوة هذا التحالف ليهبط إلى ما بين 14 وحتى 10 مقاعد، باستثناء أسابيع قليلة جدا، جاءت في أعقاب انتخاب آفي غباي رئيسا لحزب العمل قبل عام بالضبط، بعد أن انتسب للحزب قبل 8 أشهر من تلك الانتخابات الداخلية. وكان خاض الانتخابات البرلمانية السابقة مع حزب "كلنا"، ولم ينجح في دخول الكنيست كونه في المقعد 11 بينما حزبه حصل على 10 مقاعد، إلا أن حزبه أسند له حقيبة شؤون البيئة، التي غادرها بعد عام واحد من دخوله الحكومة.

وبعد انتخاب غباي عاد "المعسكر الصهيوني" ليحافظ على قوته الحالية أو أقل بقليل، لكن ما هي إلا أسابيع قليلة، حتى تلاشى تأثير انتخاب غباي، وعاد التحالف يخسر بشكل كبير في قوته، ما يعني أن الحزب المؤسس لإسرائيل سيكون حزبا صغيرا هامشيا في الانتخابات المقبلة، في حال بقيت الأوضاع على ما هي عليه وفق الاستطلاعات. فحصول "المعسكر الصهيوني" على 10 مقاعد ستكون منها حصة لحزب "الحركة".

في إثر ذلك تعالت أصوات في حزب العمل لإجراء انتخابات جديدة لرئاسة الحزب، وبدأت بورصة الأسماء تتحرك من جديد، إلا أن أي تغيير، أو القبول برئاسة غانتس لقائمة "المعسكر الصهيوني"، سيحتاج إلى قرار من حزب العمل، ومن السابق لأوانه حسم مثل هذا السيناريو.

ولا بد من الإشارة هنا إلى أن حزب العمل لم يستثمر القوة، التي حققها في انتخابات 2015، لتكون رافعة له، وليطرح نفسه بديلا لحكومة الليكود، بمستوى مقنع للجمهور. وبدلا من هذا، فإنه منذ الانتخابات الأخيرة، زاد في زحفه نحو مواقف اليمين الاستيطاني.

ويبدو أن هذه الحال تُعزّز من حالة التخبط في حزب العمل، الذي بدأت شخصيات أو مجموعات نواب منه تبحث عن حبال خلاص سياسية، وكان هروبها نحو مواقف اليمين الاستيطاني. وهذا ظهر، على سبيل المثال، في تعديل برنامج الحزب في مطلع العام 2016، بعد 9 أشهر من الانتخابات الأخيرة، ليدعو الحزب إلى انفصال أحادي الجانب عن تجمعات سكانية في الضفة، ستصبح كانتونات مغلقة على نفسها، وأن يتم تأجيل أي مفاوضات لعشر سنوات أو أكثر. وتبعت هذا برامج أشد تطرفا، كالذي طرحه عضو الكنيست إيتان كابل، في نهاية أيار الماضي، وكالتي طرحته مجموعة نواب أخرى بالتزامن مع برنامج كابل.

وينضم إلى هذا ازدياد دعم "المعسكر الصهيوني" بشقيه لقسم كبير من القوانين الداعمة للاحتلال والاستيطان، والقوانين التي تستهدف السلطة الفلسطينية، مثل الدعم الجارف لقانون سلب أموال الضرائب الفلسطينية، بقدر ما تدفعه السلطة والجهات الفلسطينية ذات الشأن للأسرى وعائلاتهم وللأسرى المحررين وعائلات الشهداء.

وفي حالات كثيرة فإن عدد أعضاء الكنيست من "المعسكر الصهيوني" المعارض، الذي يدعم هذه القوانين، إما مساو لعدد نواب الليكود أو حتى يتجاوزه، بمعنى أنه توجد حالة تعبئة في الكتلة للتماثل كليا مع مواقف ومبادرات اليمين الاستيطاني.

جمهور إسرائيلي "عائم" واسع

في أي مكان في العالم، وفي كل عملية انتخابات سياسية، برلمانية أو رئاسية، يكون هناك قسم من الجمهور يتم تعريفه بأنه "أصوات عائمة"، أي متقلب في قراره. ولدى الجمهور الإسرائيلي فإن الغالبية الساحقة من هذا الجمهور هي بالذات التي لا ترى في اليمين الاستيطاني المتطرف- الديني عنوانا لها. وقد تكون وفق التعريفات الإسرائيلية "يمينية معتدلة" أو "وسطا" أو "يسارية صهيونية".

ومنذ انتخابات 1996 وحتى الانتخابات الأخيرة في العام 2015، رأينا أن قوة اليمين شبه ثابتة، أو بشكل أدق أن النواة الصلبة لليمين الاستيطاني أكبر بما لا يقاس من القوى الأخرى. وهذا مشهد تعزز منذ انتخابات 2009 ولاحقا.

وعلى هذا الأساس لوحظ أن الأحزاب والقوائم العابرة في الحلبة السياسية تنقض في غالبيتها على أصوات "اليمين المعتدل" وحتى "اليسار الصهيوني" وما بينهما. وهذا ينطبق مثلاً على حزب "المركز" في العام 1999، الذي كان بقيادة شخصيات سياسية وعسكرية، وعلى حزب "شينوي" في العامين 1999 و2003، الذي كان بزعامة يوسف (طومي) لبيد، وينطبق على حزب "يوجد مستقبل" في العامين 2013 و2015، بزعامة نجله يائير لبيد، وعلى حزب "كلنا" في العام 2015 بزعامة موشيه كحلون. أما حزب "كديما" المنشق عن حزب الليكود، والذي استقطب قوى أخرى في انتخابات 2006 و2009 و2013، فهو حالة أخرى.

وكل واحد من هذه الأحزاب، باستثناء حزب "المركز"، اتضح بعد يوم واحد من الانتخابات أنه غارق في مواقف اليمين المتشدد واليمين الاستيطاني، وكان ينقلب على شعاراته السياسية، ومنها من انقلب على شعاراته الاقتصادية الاجتماعية. وهذه الحال مستمرة حتى الآن، وسببها أن هذا الجمهور يدخل في حالة تخبط، لأنه لا يرى عنوانا سياسيا بديلا مقنعا له، في مقابل حكم اليمين الاستيطاني. ولذا نرى أن هذا الجمهور يتحرك بسرعة من حزب إلى آخر، وخاصة يلجأ إلى قوائم جديدة. والخيار الآخر هو الامتناع عن التصويت، وهذا ما يفسر انخفاض نسب التصويت في منطقة الوسط، بمعنى المنطقة التي تُعد معقل "اليسار الصهيوني" و"الوسط".

ولا شك في أن الرابح الوحيد من هذه الحال السياسية هو اليمين الاستيطاني، الذي يحافظ على قوته من انتخابات إلى أخرى.

 

الأربعاء, نوفمبر 14, 2018

مركز مدار

المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية "مدار"، هو مركز بحثي مستقل متخصص بالشأن الإسرائيلي، مقره في مدينة رام الله. تأسس في  العام 2000، بمبادرة مجموعة من المثقفين والأكاديميين الفلسطينيين، من بينهم: الشاعر الكبير الراحل محمود درويش، د. ليلى فيضي، د. علي الجرباوي، د. أحمد حرب، وليد الأحمد، وأكرم هنية. تم تسجيل المركز كجمعية أهلية غير ربحية.

القائمة البريدية