تؤكد أغلبية التحليلات الإسرائيلية التي تتناول مسيرات العودة الفلسطينية في ما يُسمّى "منطقة الحدود مع قطاع غزة"، في شبه إجماع، أنها لا تشكّل خطراً أمنياً كبيراً على إسرائيل، إذا ما تمت مقاربتها بمعايير توازن القوى القائم بين الجانبين، وبالتالي فإن الحديث لا يدور حول مواجهة عسكرية صرفة وإنما حول معركة على الوعي يسعى الفلسطينيون من خلالها إلى إدراج موضوع الحصار الخانق الذي تفرضه إسرائيل على قطاع غزة في صدارة الأجندة الإقليمية والدولية، وكذلك في صدارة الأجندة الإسرائيلية الداخلية (الصحف الإسرائيلية، 8/4/2018).

وتضيف هذه التحليلات أن مبلغ نجاح الجانب الفلسطيني في هذه المعركة على الوعي يظلّ مرهوناً على نحو رئيس بردة الفعل الإسرائيلية التي اتسمت حتى الآن بعنف مُفرط تسبّب بمقتل ما لا يقل عن 32 فلسطينياً وإصابة المئات بنيران الجيش الإسرائيلي ولا سيما بنيران القناصّة.

وفي ضوء هذه القراءة سيركز التقرير على كيفية انعكاس هذه المعركة على السجال الإسرائيلي الداخليّ. ولعلّ أول ما يمكن ملاحظته بهذا الشأن أن ردة الفعل الإسرائيلية الرسمية على الاحتجاجات الداخلية حيال اللجوء إلى هذا العنف المُفرط، مالت هي أيضاً إلى الهجوم العنيف، كما تجسّد الأمر في التعقيب على موقف منظمات حقوق الإنسان، وعلى موقف بعض قوى المُعارضة، لكن في مقابل ذلك ادعت أنها ستحاول التقليل من عدد المصابين في التظاهرات المقبلة خشية ما وصفته بـ"تأليب الرأي العام والمجتمع الدولي على إسرائيل"، وأيضا لدرء احتمال التدهور نحو مواجهة عسكرية شاملة وواسعة في القطاع.

ورأى كثيرون أن الفلسطينيين أحرزوا إنجازات في هذه المعركة، في مقدمها أنه بعد أعوام من اختفاء الموضوع الفلسطيني من وسائل الإعلام العالمية عاد بقوة إليها.

"مفترق قرارات"

بموجب آخر التحليلات فإن إسرائيل وصلت إلى "مفترق قرارات"، وفقاً لمصطلح المحلل الأمني في صحيفة "معاريف" يوسي ميلمان (8/4/2018)، وهي لا تريد مواصلة نمط العمل الذي قد يتحوّل إلى روتين من المظاهرات وردود الفعل.

ويشير المحلل إلى أن المسؤولين في الجيش الإسرائيلي يوضحون أنهم لا ينوون مواصلة هذه اللعبة. وبكلمات أخرى فهم يدرسون عملية أوسع وأكثر عدوانية لمهاجمة مواقع ونقاط، وربما أيضاً لمهاجمة قادة "حماس"، إذا ما استمر تنظيم المظاهرات. لكنه أكد أن المشكلة الأساسية ما تزال كما هي، وفحواها أن حكومة إسرائيل ليس لديها إستراتيجية واضحة تجاه غزة وحكم "حماس" للقطاع. ومع ذلك فمن خطواتها التكتيكية يتسلل الخوف من إمكان أن تكون لديها سياسة خفية لا تجرؤ على الإعلان عنها، وهي التطلع بأن يجعل استمرار الضائقة الاقتصادية والاجتماعية السكان ينتفضون ويسقطون حكم "حماس".

ويعتقد ميلمان وغيره من محللي الشؤون الأمنية في وسائل الإعلام الإسرائيلية أن سياسة الجيش الإسرائيلي بقيت على حالها، وتنص على منع تسلل المتظاهرين بأي ثمن إلى المنطقة العازلة التي يبلغ عمقها ما بين 30 - 150 متراً داخل أراضي القطاع. وأشار إلى أنه لوحظ أن الجيش الإسرائيلي استعد هذه المرة بشكل أفضل للأحداث، حيث عدد القوات كان أقل لكن انتشارها على الأرض كان أكثر فاعلية، واهتم الجيش الإسرائيلي بإحضار قاذفات الماء ومراوح عملاقة لكي يمنع النار والدخان من الانتشار باتجاه أراضي إسرائيل. كذلك فإن حقيقة كون عدد المصابين أقل هذه المرة تؤكد برأيه أنه حتى وإن كانت أوامر إطلاق النار لم تتغير، فإن التعليمات التي أعطيت للقناصة حضّت على بذل جهد كبير "من أجل تقليص عدد المصابين".

أما المحلل العسكري لصحيفة "هآرتس" عاموس هرئيل (8/4/2018) فيعتقد أنه بالإضافة إلى تسبّب المسيرات بالانشغال بالقضية الفلسطينية من جديد، فهي تسبّبت أيضاً بانتشار قوات كبيرة من الجيش الاسرائيلي على حدود القطاع، وهذا الأمر احتاج إلى إعطاء اهتمام كبير من القادة، وفيما بعد يمكنه التشويش على برنامج التدريبات الواسع لرئيس هيئة الأركان العامة غادي أيزنكوت. ولذا يعتقدون في هيئة الأركان أن فصائل المقاومة توصلت الى اكتشاف ناجع، وهم يبحثون عن وسيلة لجباية ثمن باهظ منها من أجل وقف تطور الأمر ليصل إلى حرب استنزاف تتمثل في احتجاجات وعمليات على طول الحدود. وبرأيه كل ذلك يجري إلى جانب عدم الرغبة الواضحة من جانب الطرفين بالوصول إلى مواجهة شاملة من شأنها أن تكون مدمرة بالأساس لغزة. لكن في هذه الأثناء فالأزمة الاجتماعية في القطاع هي العنصر المسيطر على صورة الوضع، وفي ظل غياب حل في الأفق، يبدو أن الصدامات الأسبوعية على طول الحدود يتوقع أن تستمر على الأقل لفترة زمنية معينة.

وبرأي المحلل العسكري لصحيفة "يديعوت أحرونوت" أليكس فيشمان (8/4/2018) فإن السبب الأساس في أن الجيش الاسرائيلي لم يضرب حتى الآن أهدافا نوعية لـ"حماس" في عمق القطاع لردعها عن مواصلة "الاستفزازات" على الجدار الحدودي كان عيد الفصح اليهودي. لكن الفصح بات الآن من خلفنا، وبذا يتعاظم الاحتمال بأن أي مظاهرات أخرى على الجدار ستؤدي إلى المساس بأهداف نوعية كهذه.

ضد القوة الإسرائيلية المفرطة

على المستوى الإسرائيلي الداخليّ برز، من بين مواقف منظمات حقوق الإنسان، موقف منظمة "بتسيلم" (مركز المعلومات الإسرائيلي لحقوق الإنسان في الأراضي المحتلة)، التي كررت هذا الأسبوع أن الجيش الإسرائيلي استخدم القوة المفرطة المميتة ضد المتظاهرين خلال مسيرات يوم الجمعة الفائت على حدود غزة من دون أي مبرّر. وأكدت أن جنود الجيش أطلقوا الرصاص الحيّ على المتظاهرين العزل الذين لا يشكلون أي خطر على أحد، وأن هذا حدث غير أخلاقي وغير قانوني حتى لو صدرت أوامر من قيادة الجيش بتنفيذ ذلك، ودعت إلى فتح تحقيق في تلك الجرائم.

كما أطلقت المنظمة حملة تُطالب من خلالها جنود الجيش الإسرائيلي برفض الانصياع لأوامر قادتهم العسكريين بإطلاق النار على المتظاهرين العزّل، وذلك في أعقاب المجزرة التي ارتكبها الجيش بحق الاعتصام الفلسطيني السلمي ومسيرة يوم الأرض ضمن فعاليات مسيرات العودة الكبرى بالقرب من الشريط الحدودي بين قطاع غزة المحاصر وإسرائيل.

وتحمل الحملة عنوان "آسف أيّها القائد لن أطلق النّار"، وشملت إعلانات في الصحف توضح للجنود أنّ عليهم رفض إطلاق النّار على المتظاهرين العزّل لكون ذلك مخالفاً للقانون ولكون الأمر بتنفيذه يستند إلى تعليمات مخالفة بوضوح للقانون.

وقالت المنظمة إن من يتحمّل المسؤولية عن إصدار هذه التعليمات المخالفة للقانون وعن النتائج الفتّاكة المترتّبة على تطبيقها هم واضعو السياسات، وعلى رأسهم رئيس الحكومة ووزير الدفاع وقائد هيئة الأركان، مثلما يقع عليهم واجب تعديل هذه التعليمات فوراً قبل المظاهرات المقبلة، التي من المتوقع أن تستمر حتى 15 أيار المقبل، وذلك لأجل تجنّب مقتل وإصابة المزيد من الناس. وأضافت أنه في الوقت نفسه فإن الانصياع لتعليمات مخالفة بوضوح للقانون تعتبر مخالفة جنائيّة، ولذلك إذا تلقى الجنود في الميدان أوامر بإطلاق الرصاص الحي على المواطنين العزل يقع عليهم واجب رفض الانصياع لها.

وقالت المنظمة إنه خلافاً لما يُفهَم من أقوال ضبّاط كبار في الجيش ووزراء في الحكومة، لا يحقّ للجيش أن يتصرّف تبعاً لأهوائه وإسرائيل ليست مخوّلة أن تحدّد بنفسها ما المسموح والممنوع في مواجهة المتظاهرين. فإسرائيل مثلها مثل أيّ دولة أخرى في العالم ملزَمة بالتصرّف بموجب أحكام القانون الدولي التي تقيّد استخدام السّلاح عموماً والنيران الحيّة خصوصاً وتسمح باستخدامه فقط ردّاً على خطر محقّق وداهم يهدّد حياة أيّ من الناس وفقط إذا انعدمت الوسائل الأخرى لدرء هذا الخطر. ولا تستطيع إسرائيل أن تقرّر لوحدها أنّ هذه الأحكام لا تسري عليها.

وختمت أن إطلاق النيران الحيّة محظور فكم بالحريّ عندما يطلقها جنود يتواجدون بعيداً جدَّا داخل إسرائيل على متظاهرين يتواجدون داخل قطاع غزّة في الجهة الأخرى من الجدار الحدودي. كذلك لا يجب إصدار الأوامر للجنود بإطلاق النّار على من يقتربون من الجدار أو يمسّون به أو حتّى يحاولون اجتيازه. وشدّدت على أنه بالطبع يمكن للجيش أن يمنع هذه الأفعال بل ويُسمح له باعتقال من يحاولون الإقدام عليها لكن في الوقت عينه هناك حظر قاطع يمنع إطلاق النّار لهذه الأسباب وحدها.

بموازاة هذا الموقف الذي اتخذته منظمة "بتسيلم" كتب الخبير القانونيّ الإسرائيلي البروفسور مردخاي كريمنيتسر، في أعقاب مسيرة 30 آذار الماضي، أنه إذا كان مجرّد اقتراب مواطنين متظاهرين عزّل من الجدار أو المسّ به مثلاً يُعتبر سلوكاً يبرّر إطلاق النيران الحيّة عليهم فهذه التعليمات تستدعي الإلغاء نظراً لعدم قانونيّتها. وإن كان الجدار الحدودي يرمز إلى الحدود فهو ليس أقدس من حياة الناس حتى لو كان هؤلاء فلسطينيون من سكّان غزة ("هآرتس"، 31/3/2018).

كما أنشأت "هآرتس" افتتاحية عشية تظاهرة يوم الجمعة الماضي، الثانية ضمن تظاهرات مسيرات العودة، قالت فيها إنه مرة أُخرى سيقف وجهاً لوجه متظاهرو غزة وجنود الجيش الإسرائيلي، وأكدت أن ما جرى يوم الجمعة الماضي يجب ألاّ يتكرر أيضاً. ففي ذلك اليوم أطلق الجيش نيرانه الحيّة على متظاهرين غير مسلحين لم يهددوا حياة أحد، وقتل 18 وجرح مئات. وقد أظهرت أشرطة الفيديو عمليات إطلاق نار على ظهور المتظاهرين، وعلى رأس متظاهر رافعاً يديه، أو إطلاق نار على متظاهر كان ينهض بعد إنهاء صلاته. تقريباً كل المنظومة السياسية أيّدت الجيش وحتى شجعته. وقال وزير الدفاع أفيغدور ليبرمان بعد ذلك إن كل من يقترب من السياج الحدودي يعرّض حياته للخطر. وهذا موقف لا إنساني ولا أخلاقي وغير قانوني.
وتابعت الصحيفة: المطلوب من الجيش الإسرائيلي المحافظة على سيادة دولة إسرائيل وعلى أمن مواطنيها. وهو لا يملك الصلاحية ولا يحق له إطلاق النار الحية على متظاهرين عُزل لم يتخطوا السياج الحدودي. وأيضاً انتماء جزء من المتظاهرين إلى "حماس" وإلى تنظيمات أُخرى لا يعني السماح للجيش الإسرائيلي بإطلاق النار عليهم إذا كانوا غير مسلحين ولا يشكلون تهديداً. لدى الجيش الإسرائيلي ما يكفي من الوسائل غير القاتلة التي تستطيع منع المتظاهرين من اجتياز السياج، ومن دون قتلهم وجرحهم بالنار الحية. وقد امتنع الجيش لسبب ما عن استخدام هذه الوسائل، والحرب ضد المتظاهرين خاضها الجنود بنيران القناصة.

وأشارت إلى أن التوقع هو أن يستخلص الجيش الإسرائيلي من دروس الفشل من يوم الجمعة الماضي، وأن ينتهج أسلوباً آخر، فمقتل 18 متظاهراً وجرح مئات هو بالتأكيد فشل. إن أغلبية الذين يقفون في مواجهته ليسوا جنوداً ولا مخربين. هم مواطنون قرروا خوض نضال غير عنيف دفاعاً عن حريتهم. هذا من حقهم. ومن واجب الجيش الإسرائيلي أن يقوم بمهماته، لكن خنق هذا الاحتجاج ليس بينها.

وخلصت الصحيفة إلى القول: إن اختبار الجيش الإسرائيلي سيكون في تخفيض عدد المصابين إلى الحد الأدنى الممكن، لا في زيادة عددهم في أي حال من الأحوال. أيضاً في ظل حكومة يمينية وقومية لا تعتبر الفلسطينيين بشراً مساوين لها، يجب على الجيش الإسرائيلي المحافظة على صورته الإنسانية وعلى القانون الدولي. والقتل الكثيف للمتظاهرين مرة أخرى هو ليس فقط لا أخلاقي، بل يمكن أن يجرّ غزة وسائر المناطق المحتلة إلى مواجهة عنيفة ودموية. ومثل هذه المواجهة لن تساعد أحداً. ويجب على الجيش أن يفعل كل ما في وسعه لمنعها.
وتعرّض موقف "بتسيلم" هذا إلى هجوم عنيف من طرف المؤسسة الإسرائيلية الرسمية السياسية والعسكرية.

كما أن مطلب بعض قوى المعارضة الداعي إلى فتح تحقيق لتقصّي وقائع استخدام قوة مفرطة ضد متظاهرين عزّل جوبه بالرفض والهجوم من طرف هذه المؤسسة.

وهاجم وزير الدفاع الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان (رئيس حزب "إسرائيل بيتنا") عضو الكنيست تمار زاندبرغ، الرئيسة الجديدة لحزب ميرتس، التي انضمت إلى الدعوات إلى فتح تحقيق، واتهم ميرتس بتمثيل المصالح الفلسطينية بدلاً من الإسرائيلية. وقال إن إسرائيل جربت السبل الدبلوماسية للسلام في مناسبتين، اتفاقية أوسلو خلال التسعينيات، والانسحاب الإسرائيلي الأحادي الجانب من قطاع غزة تحت قيادة رئيس الحكومة الأسبق أريئيل شارون عام 2005، لكن حركة "حماس" ردت باستثمار الملايين في إنتاج الصواريخ والأنفاق.

كما توالت تصريحات كثيرة صادرة عن جهات رسميّة إسرائيلية تهدّد باستخدام العنف ردّاً على المظاهرات، من خلال تجاهل الكارثة الإنسانية التي يقع قطاع غزّة تحت وطأتها وتجاهل مسؤوليّة إسرائيل عنها، وتعتبر المظاهرات "تهديداً أمنيّاً" والمتظاهرين "مخرّبين" وقطاع غزّة "ساحة حرب".

 

الخميس, يوليو 19, 2018

مركز مدار

المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية "مدار"، هو مركز بحثي مستقل متخصص بالشأن الإسرائيلي، مقره في مدينة رام الله. تأسس في  العام 2000، بمبادرة مجموعة من المثقفين والأكاديميين الفلسطينيين، من بينهم: الشاعر الكبير الراحل محمود درويش، د. ليلى فيضي، د. علي الجرباوي، د. أحمد حرب، وليد الأحمد، وأكرم هنية. تم تسجيل المركز كجمعية أهلية غير ربحية.

القائمة البريدية