مهما تكن الدلالات المترتبة على النتائج التي أسفرت عنها انتخابات الكنيست الإسرائيلي الـ21، التي جرت يوم 9 نيسان الحالي، فإن اثنتين منها تظلان في طليعة ما ينبغي أن نتوقف عنده: الأولى، دلالة هزيمة ما تواضعنا على تسميته بـ"اليسار الصهيوني"؛ الثانية، دلالة عدم طرح بديل سياسي لحكم اليمين وبنيامين نتنياهو من طرف القوى السياسية التي احتلت مكانة المُنافس الرئيس لهذا الحُكم وزعيمه.

 

بالنسبة إلى الدلالة الأولى، أثبتت النتائج ما كُنّا تطرقنا إليه في ما يشبه الاستحصال المسبق ضمن "كلمة" العدد السابق من "المشهد الإسرائيلي"، بما يسقط الحاجة إلى التفصيل أكثر فأكثر؛ ومؤداه أنه من ناحية عملية لم يعد هناك اليوم في المشهد السياسي الإسرائيلي شيء اسمه "يسار". فهذا المشهد يحتوي مُكوناً يمينياً مهماً، ومُكوناً وسطياً يفتقر في جوهره إلى إيديولوجيا أو رؤية معينة، ومُكوناً هزيلاً يسمي نفسه يساراً، لا توجد بينه وبين مصطلح "يسار" أي صلة أو علاقة.

أما بالنسبة إلى الدلالة الثانية فهي تبرهن في العمق على ما يمكن اعتباره تشكّل شبه إجماع إسرائيلي على المواقف التي يطرحها اليمين ولا سيما حيال السياسة الخارجية وفي صلبها السياسة ذات الصلة بالقضية الفلسطينية.

ولئن كان تحالف "أزرق أبيض" هو المقصود بعبارة المُنافس الرئيس لنتنياهو وحُكم اليمين الذي تجنّب طرح أدنى بديل سياسي، فإن الدليل الأبلغ على ذلك هو تهرّب رئيسه الجنرال احتياط بني غانتس، طوال الحملة الانتخابية وكذلك في سياق برنامجه الانتخابي، من إعطاء ردّ حازم يوضّح ما إذا كانت قائمة هذا التحالف تؤيد "حل الدولتين"، فضلاً عن تأكيده أنه لن يُجري أي حوار سياسي مع ممثلي الأحزاب العربية.

وقد تلقفت صحيفة "هآرتس" هاتين المسألتين وأنشأت افتتاحية خاصة، فتساءلت بخصوص الأولى: لماذا الشخص الذي يدّعي أنه يمثل البديل لحكم نتنياهو ليس مستعداً للكشف عن موقفه إزاء موضوع مصيريّ هو حلّ المشكلة الفلسطينية؛ لماذا لا يجرؤ من يدّعي أنه البديل لنتنياهو وأنه أكثر اعتدالاً منه، على التعبير عن تأييده لحل سبق حتى لنتنياهو أن أيّده (في الظاهر)؟ وبخصوص المسألة الثانية أكدت الصحيفة أن غانتس ينضم بذلك إلى اليمين الذي يعمل على نزع الشرعية عن التمثيل السياسي للمواطنين العرب في إسرائيل.

وخلصت الصحيفة إلى أن موقف غانتس حيال هاتين المسألتين هو "موقف انهزامي يتخلى مُسبقاً عن فرصة التغيير".

وربما من المنطقي أكثر في قراءتنا أن يُشار إلى أن موقفه هذه متماهٍ إلى حدّ كبير مع موقف اليمين.

ثمة نقطة أخرى لا بُدّ من الوقوف عندها فيما يختص بوقائع هذه الانتخابات وما أسفرت عنه من نتائج.

أعتقد أنه بالإضافة إلى حقيقة أن الانتخابات الحالية أعادت إلى الأذهان ما جرى عشية الانتخابات السابقة في العام 2015 وما تمخضت عنه، فإنها أيضاً أعادت التذكير بانتخابات العام 2006. ففي هذه الانتخابات حصل حزب الليكود برئاسة نتنياهو على 12 مقعداً، بعد أن "طفّش" ناخبي الحزب المؤيدين لـ"الانفصال" عن الفلسطينيين إلى حزب كديما البراغماتي برئاسة إيهود أولمرت. وكان نتنياهو آنذاك في خضم حملة التودّد إلى الفصائل المتشددة من الصهيونية الدينية والتخلي عما أسمته بعض التحليلات الإسرائيلية السياسية بـ"الجمهور اليميني المعتدل".

في هذه الانتخابات لم يعد حتى مثل هذا العنوان البراغماتي قائماً، ففي البرنامج الانتخابي الذي أعلنته قائمة تحالف "ازرق أبيض" في أوائل آذار الفائت أكدت أنه لن يكون هناك انسحاب إسرائيلي أحادي الجانب مرة أُخرى من أراض فلسطينية محتلة، كما جرى العام 2005 حين انسحبت إسرائيل من قطاع غزة وشمال الضفة الغربية في إطار ما يُعرف باسم "خطة الانفصال". وتعهّدت القائمة بأن تكون أي عملية سلمية مع الفلسطينيين مرهونة بالمصادقة عليها في استفتاء شعبي عام. وامتنع البرنامج من ذكر أي تفاصيل بشأن تلك العملية السلمية، كما امتنع من ذكر حلّ الدولتين وكذلك من ذكر تعبير دولة فلسطينية. ووفقاً للبرنامج، ستعمل قائمة "أزرق أبيض" على تعزيز الكتل الاستيطانية في الضفة الغربية، والحفاظ على القدس الموحّدة كعاصمة أبدية لإسرائيل.

في المقابل أكد نتنياهو أنه سيعمل على تعزيز سياسة الضم في أراضي 1967 وهي لن تقتصر على الكتل الاستيطانية فقط بل أيضاً ستشمل البؤر الاستيطانية النائية، وفاز بأفضل نتيجة حققها حزب الليكود منذ العام 2003.

جلّ هذا العدد من "المشهد الإسرائيلي" مُخصّص لتحليل نتائج الانتخابات للكنيست الـ21، وعلى نحو خاص لاستعراض تركيبة نواب هذا الكنيست وأنماط تصويت الناخبين اليهود بشكل عام، بالإضافة إلى استعراض أبرز التحديات الأمنية والسياسية الخارجية التي ستكون ماثلة أمام حكومة نتنياهو الخامسة. وبخصوص بروفايل هذه الحكومة يشير د. نمرود غورن، رئيس "معهد ميتافيم للسياسات الخارجية الإقليمية" والأستاذ في "الجامعة العبرية" في القدس، إلى أن الانتخابات مهدت الطريق أمام نتنياهو لإقامة حكومة يمينية أخرى، ذات أغلبية أكثر استقراراً وبمشاركة أوساط يمينية متطرفة سيتم إسناد مناصب مركزية لها. ويُتوقع لمثل هذه الحكومة أن تواصل اعتماد السياسات الخارجية ذاتها التي سارت عليها سابقتها. أمّا نتنياهو، الذي دفع في العام 2009 "ضريبة كلامية" عن فكرة حل الدولتين، فهو يجاهر الآن بالحديث عن نيته ضم المستوطنات اليهودية في الضفة الغربية إلى السيادة الإسرائيلية. ومن المتوقع أن تعمق حكومته الجديدة السيطرة الإسرائيلية على الأراضي الفلسطينية وأن تعمل بصورة حثيثة لإجهاض أي احتمال مستقبلي لإقامة دولة فلسطينية.

يبقى أن نقول، بالانتقال إلى البُعد الخارجي، إنه فور انتهاء الانتخابات للكنيست بدأت الأنظار تتجّه نحو "خطة السلام الأميركية" المعروفة باسم "صفقة القرن"، والتي بالتأكيد ستكون مرتبطة بنتائج هذه الانتخابات، المتأثرة بدورها بالمُناخين الإقليمي والدولي وتحديداً من زاوية تنائيهما عن محاسبة إسرائيل وزعمائها، ما يحيل إلى أن إنجاز إسرائيل الحقيقيّ في الوقت الراهن هو قدرتها على أن تفعل كل ما تفعل من دون أن تتعرّض لمساءلة أو محاسبة، ومن دون أن تدفع جراء ذلك ثمناً دوليّاً والاحتفاظ مع هذا بلقب "ديمقراطيّة حيوية"، على حدّ ما يؤكد المدير العام لمنظمة "بتسيلم".

 

 

 

 

الأربعاء, أغسطس 21, 2019

مركز مدار

المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية "مدار"، هو مركز بحثي مستقل متخصص بالشأن الإسرائيلي، مقره في مدينة رام الله. تأسس في  العام 2000، بمبادرة مجموعة من المثقفين والأكاديميين الفلسطينيين، من بينهم: الشاعر الكبير الراحل محمود درويش، د. ليلى فيضي، د. علي الجرباوي، د. أحمد حرب، وليد الأحمد، وأكرم هنية. تم تسجيل المركز كجمعية أهلية غير ربحية.

القائمة البريدية