تثير لائحة الاتهام الجنائية الخطيرة التي قرر المستشار القانوني للحكومة الإسرائيلية، أفيحاي مندلبليت، تقديمها ضد رئيس الحكومة الحالي، بنيامين نتنياهو، جملة من المشكلات والأسئلة القانونية، السياسية ـ الحزبية، القانونية ـ الدستورية والشخصية الهامة جداً، والتي من شأنها إغراق إسرائيل في دوامة البحث والنقاش لفترة طويلة بحثاً عن إجابات وحلول لهذه المشكلات والأسئلة.

الملفات وبنود الاتهام

أعلن مندلبليت قراره هذا في مؤتمر صحافي خاص ومقتضب عقده مساء يوم الخميس الأخير، منهياً سنوات من التحقيقات الجنائية مع رئيس الحكومة إبان إشغاله منصبه. وأعلن مندلبليت أنه قرر تقديم لائحة اتهام في جميع الملفات التي جرى التحقيق فيها مع نتنياهو ليتحول من مشتبه به إلى متهم، في وضعية غير مسبوقة في تاريخ إسرائيل (رئيس حكومة متهم بمخالفات جنائية) يواجه ثلاثة بنود اتهام خطيرة هي: الرشوة، الغش وخيانة الأمانة، في ثلاثة ملفات هي: "ملف رقم 1000" ـ الحصول على عطايا شملت السيجار والنبيذ والشمبانيا والمجوهرات بقيمة تبلغ مئات آلاف الشواكل من رجليّ الأعمال أرنون ملتشين وجيمس باكر، على مدى نحو عشرين عاماً (الغش وخيانة الأمانة)؛ "ملف رقم 2000" ـ اللقاءات مع ناشر ومحرر صحيفة "يديعوت أحرونوت" وموقع "واي نت"، أرنون موزيس، والتي بحث الطرفان خلالها إمكانيات تدخل نتنياهو لتقليص توزيع وانتشار الصحيفة اليومية المجانية "يسرائيل هيوم" التي يصدرها ويمتلكها صديقه الأميركي، اليهودي، شيلدون إدلسون، نظراً لمنافستها صحيفة "يديعوت أحرونوت" وتكبيدها خسائر مالية فادحة، مقابل ضمان تغطية صحافية إيجابية، متعاطفة ومؤيدة لنتنياهو في صحيفة "يديعوت أحرونوت" وموقع "واي نت" (الغش وخيانة الأمانة)؛ "ملف رقم 4000" ـ وهو الأخطر من بين الثلاثة ويتعلق بصفقة الرشوة التي يبدو أن نتنياهو عقدها مع صاحب شركة "بيزك" للاتصالات وصاحب موقع "واللّا" الإخباري، شاؤول ألوفيتش، في مركزها اتخاذ نتنياهو، من خلال منصبه وزيراً للاتصالات ورئيساً للحكومة، قرارات إدارية وإجراءات عادت على ألوفيتش بأرباح بلغت قيمتها نحو ملياري شيكل، مقابل تغطية صحافية إيجابية ومتعاطفة، بل منحازة، لصالح نتنياهو وأفراد عائلته في موقع "واللا" (الغش وخيانة الأمانة والرشوة).

وإلى جانب نتنياهو، قرر مندلبليت أيضاً تقديم كل من أرنون موزيس وشاؤول ألوفيتش إلى المحاكمة بتهمة الرشى، علماً بأن العقوبة القصوى التي يفرضها القانون الجنائي الإسرائيلي على هذه التهمة (الرشى) هي 7 سنوات للراشي و10 سنوات للمرتشي. أما العقوبة القصوى على تهمة الغش وخيانة الأمانة فهي ثلاث سنوات.

المرة الأولى ـ وضعية غير مسبوقة

هذه هي المرة الأولى في تاريخ دولة إسرائيل، منذ تأسيسها، التي يجري فيها تقديم لائحة اتهام ضد رئيس الحكومة إبان إشغال منصبه هذا؛ وهي المرة الأولى التي تُقدَّم فيها لائحة اتهام بتهمة الرشوة ضد رئيس حكومة إبان إشغال منصبه، كما أنها المرة الأولى التي تتطرق فيها لائحة الاتهام إلى مخالفات جنائية جرى تنفيذها إبان فترة إشغال رئيس الحكومة منصبه ومن خلاله وخلال مزاولة مهام منصبه هذا رسمياً.

ولهذا كله، وعلى خلفية ما سيكون لهذا القرار من انعكاسات سياسية ـ حزبية، قانونية ـ دستورية وشخصية محتملة، وهي عديدة جداً ومتنوعة، ذهب كثيرون إلى اعتباره (القرار بتقديم لائحة الاتهام) بمثابة "هزة أرضية" حقيقية في تاريخ إسرائيل، السياسي والدستوري.

يشار فقط إلى أن المستشار القانوني للحكومة هو المخوّل الوحيد، حسب القانون الإسرائيلي، صلاحية تقديم رئيس الحكومة إلى محاكمة جنائية. وهو، في الغالب الأعم، قرار ذو أبعاد وإسقاطات خطيرة وعميقة الأثر، مما يجعل مجرد اتخاذه أمراً بالغ الحساسية والصعوبة والتعقيد، رغم كل ما يقال عن مبدأ "المساواة أمام القانون". ولئن كان تقديم لائحة اتهام جنائية يتطلب، في العادة إجمالاً، توفر "احتمال معقول للإدانة" فإن تقديم لائحة اتهام جنائية ضد رئيس حكومة خلال إشغال منصبه يتطلب، بالضرورة (إن لم يُعلن هذا جهراً) توفر "احتمال معقول جداً للإدانة".

سنحاول في هذه المعالجة، توضيح وشرح الإشكالات القانونية ـ الدستورية، بصورة أساسية، الناجمة عن قرار تقديم لائحة الاتهام الجنائية ضد نتنياهو بينما هو يشغل مهام مناصبه الحكومية والوزارية، وفي مركزها إشكاليتان اثنتان: الأولى ـ الاستقالة، أحكامها واحتمالاتها واستحقاقاتها، في ظل الوضع القانوني الناشئ؛ والثانية ـ الحصانة البرلمانية، أحكامها وشروطها وما يترتب عليها، تالياً، في كل ما يتعلق بتقديم لائحة الاتهام الجنائية وباحتمالات مثول نتنياهو للمحاكمة الجنائية فعلياً.

وبين هاتين الإشكاليتين ثمة إشكالية ثالثة، هامة أيضاً، تتمثل في الحقائب الوزارية التي يتولاها نتنياهو شخصياً (إضافة إلى رئاسة الحكومة بالطبع)، والتي سوف تلقي بظلالها وانعكاساتها على تركيبة الحكومة الإسرائيلية الحالية، علماً بأنها "حكومة انتقالية" من الناحية القانونية؛ تتبعها إشكالية رابعة، هامة هي أيضاً، تتمثل في أهلية نتنياهو القانونية ليكون مرشحاً لتشكيل حكومة قادمة في إسرائيل.

وجميعها أسئلة قانونية ـ دستورية ليست ثمة إجابات محددة وقاطعة عليها، لعدم توفر نصوص قانونية تعالجها، من جهة، ولعدم توفر قرارات حكم قضائية سابقة تتطرق إليها وتسدّ ما تركته النصوص القانونية الغائبة من ثغرات، من جهة أخرى.

رئيس حكومة،وزير وعضو كنيست

ليس ثمة نص قانوني أو سابقة قضائية تتعلق بإلزامية تقديم رئيس الحكومة في إسرائيل استقالته في حال تقديم لائحة اتهام جنائية ضده، كما ليس ثمة نص قانوني أو سابقة قضائية تلزمه بتقديم استقالته قبل انتهاء الإجراءات القضائية بحقه. ومعنى هذا أن رئيس الحكومة يستطيع، قانونياً وبالنص القانوني، مواصلة إشغال منصبه الرفيع هذا حتى بعد تقديم لائحة اتهام جنائية ضده، بل وحتى خلال كل الفترة التي تستغرقها مداولات المحكمة وجلساتها للنظر في لائحة الاتهام هذه، والتي قد تطول كثيراً جداً (بضع سنوات!)

وليس ثمة جهة أو شخص في إسرائيل مخول صلاحية قانونية لعزل رئيس الحكومة عن منصبه. ويحدد "قانون أساس: الحكومة" (البند رقم 18 منه) حالتين ينبغي فيهما إنهاء ولاية رئيس حكومة في إسرائيل في أعقاب مخالفة جنائية، وكلتا الحالتين بعد صدور قرار حكم قضائي بإدانته جنائياً: الأولى ـ قرار يتخذه الكنيست بأغلبية أعضائه بعد أن تكون محكمة أولى قد قررت إدانة رئيس الحكومة بمخالفة جنائية فيها وصمة عار؛ والثانية ـ بعد صدور قرار حكم قضائي نهائي ومطلق (بعد استنفاد جميع إمكانيات الاستئناف) يتضمن إدانة رئيس الحكومة بارتكاب مخالفة جنائية.

غير أن السابقة القضائية التي سجلتها "محكمة العدل العليا" الإسرائيلية في العام 1993 قد تؤدي، في نهاية الأمر، إلى تغيير هذا الوضع القانوني في سياق الوضع المستجد بالنسبة لنتنياهو. نقول "قد" ولا يمكن الجزم بهذا إطلاقاً. والسابقة المقصودة هي التي أصدرت فيها المحكمة إياها قراراً يلزم رئيس الحكومة آنذاك، إسحاق رابين، بعزل اثنين من الوزراء في حكومته، هما أرييه درعي ورفائيل بنحاسي، في إثر تقديم لائحتي اتهام بحقهما بتهمة جنائية خطيرة (الارتشاء).

في قرارها ذاك، أكدت المحكمة العليا ـ في سابقتها القضائية ـ أن الوزير / نائب الوزير لا يستطيع مواصلة تقلد منصبه الوزاري عند تقديم لائحة اتهام جنائية ضده إلى المحكمة (حتى قبل انتهاء النظر في التهمة وقبل إدانته بها).

في حالة نتنياهو الوضع أكثر تعقيداً بكثير: فهو يشغل، إلى جانب رئاسة الحكومة، منصب الوزير في أربع وزارات حكومية هي: الصحة، العمل والرفاه الاجتماعي، الزراعة والشتات اليهودي، إضافة إلى عضويته في الكنيست أيضاً. وفي كل واحد من هذه المواقع/ المناصب ثمة لقرار تقديم لائحة الاتهام ضده آثار ومفاعيل محددة ومختلفة.

ينص "قانون أساس: الكنيست" على أن عضوية الكنيست تنتهي في اليوم الذي يصبح فيه قرار المحكمة إدانة عضو الكنيست بمخالفة جنائية (حتى لو ارتكبها قبل أن يصبح عضواً في الكنيست) فيها وصمة عار قراراً نهائياً ومطلقاً (لا إمكانية للاستئناف عليه). وإذا لم تقرر المحكمة شيئاً بشأن وصمة العار، بإمكان المستشار القانوني للحكومة الطلب من المحكمة فعل ذلك.

الأمر ذاته ينص عليه "قانون أساس: الحكومة" المعدّل من العام 2001 بالنسبة للوزراء. لكن الأمر الإضافي في مسألة الوزراء هو أن البند 22 من هذا القانون نفسه يخول رئيس الحكومة صلاحية عزل وزير عن منصبه، وهو البند الذي اعتمدت عليه "محكمة العدل العليا" في قرارها المذكور بشأن درعي وبنحاسي، والذي شكل سابقة قضائية.

الإمكانيات النظرية والعملية

مما سقناه أعلاه، يمكن تلخيص الإمكانيات المحتملة بما يلي: تنفيذاً لقرار المحكمة العليا وسابقتها القانونية المذكورة، سيكون نتنياهو ملزماً بالتخلي عن الحقائب الوزارية الأربع التي يشغلها بنفسه (الصحة، العمل والرفاه الاجتماعي، الزراعة ويهود الشتات) وتعيين أشخاص آخرين لإشغال هذه الحقائب الوزارية. لكن يبقى السؤال هنا: هل يعين نتنياهو أشخاصاً من بين الوزراء الحاليين لإشغال هذه الحقائب التي ستصبح شاغرة الآن، أم سيعمد إلى تعيين أشخاص جدد من خارج حكومته الانتقالية الحالية؟ وإذا ما ذهب إلى الخيار الثاني، فهل سيضمن أغلبية في الكنيست للمصادقة على هذه التعيينات أم سيخلق أزمة جديدة؟

أما عضويته في الكنيست، فسيواصل نتنياهو الاحتفاظ بها بشكل طبيعي وعادي، بل يستطيع أيضاً الترشح والفوز بعضوية الكنيست في أية انتخابات قادمة، طالما لم تنته لائحة الاتهام، التي لم تُقدّم ضده بعد، بإدانته بمخالفة جنائية فيها وصمة عار، كما سبق أن أوضحنا وفق ما ينص عليه القانون بهذا الصدد.

لا بل يستطيع نتنياهو، من الناحية القانونية، الفوز بتكليف رئيس الدولة لتشكيل حكومة جديدة، إذا ما أوصى بذلك 61 عضو كنيست، خلال مهلة الـ 21 يوماً المتاحة لهم الآن (ابتداء من يوم الخميس الأخير وحتى يوم 11 كانون الأول القريب)، بعد فشل كل من نتنياهو ثم بيني غانتس (زعيم حزب "أزرق أبيض") في تشكيل حكومة جديدة، في أعقاب انتخابات الكنيست الـ 22 التي جرت يوم 17 أيلول الأخير.

تبقى المعضلة الأكبر في منصب رئيس الحكومة. وعن هذا قلنا أعلاه إن المحكمة العليا "قد" تبني على سابقتها القضائية المذكورة بما يؤدي إلى تغيير الوضع. غير أن هذا ليس مؤكداً البتة. فثمة بين الخبراء القانونيين من يعتقد بأن سابقة درعي ـ بنحاسي المذكورة تتعلق بالوزراء ونواب الوزراء، بينما هي لا تصلح ولا تنطبق في حالة رئيس الحكومة، لأنّ ثمة أحكاما قانونية أخرى، خاصة ومحددة، بالنسبة له ينص عليها "قانون أساس: الحكومة".

في المقابل، ثمة خبراء قانونيون آخرون يرجحون استناد المحكمة العليا على سابقتها المذكورة وإصدار أمر مباشر لرئيس الحكومة، نتنياهو، بأن يستقيل من منصبه، بالرغم من النص القانوني الصريح المذكور في "قانون أساس: الحكومة"، وذلك من منطلق أنه إذا كان التفسير القضائي الذي تتضمنه السابقة القضائية المذكورة يسري على الوزراء، فمن باب أولى أن يسري على رئيس الحكومة أولاً. ويضيف هؤلاء ادعاء آخر يرجحون أن توليه المحكمة العليا أهمية كبرى هو: أن قرار رئيس الحكومة البقاء في منصبه بعد تقديم لائحة اتهام جنائية ضده وخلال فترة المحاكمة (التي ستكون طويلة جدا، دون شك) ينطوي على مس عميق وخطير بأدائه وقدرته على العمل المنتظم والسليم في خدمة الجمهور والدولة.

غير أن ثمة فوارق جوهرية وكبيرة بين ما يخص الوزير وما يخص رئيس الحكومة. أولاً ـ خلافاً لأي وزير، عزل/ استقالة رئيس الحكومة يعني استقالة الحكومة كلها، بصورة أوتوماتيكية، الأمر الذي يقود إلى إجراء انتخابات برلمانية جديدة. ثانياً ـ الوزير الذي يتم عزله من منصبه بسبب تقديم لائحة اتهام جنائية ضده، يستطيع العودة إلى منصبه إذا ما تمت تبرئته في المحكمة. أما رئيس الحكومة، فلا يستطيع ذلك، لأن عليه خوض انتخابات جديدة والفوز بثقة الناخبين. ثالثاًـ رئيس الحكومة لا يخضع لأية جهة، باستثناء الكنيست. ولهذا، فليس ثمة طرف يمكن للمحكمة العليا أن تحمله المسؤولية وأن تدعي بأن امتناعه عن عزله من منصبه هو قرار يفتقر إلى المعقولية.

من الواضح، بالطبع، أن إصرار نتنياهو على عدم الاستقالة من منصب رئيس الحكومة، استنادا إلى القانون الذي لا يلزمه بذلك بالتأكيد، سوف يجر عدداً من الالتماسات إلى المحكمة العليا الإسرائيلية التي لا يمكن التكهن بالمنحى الذي ستختاره في معالجة هذه الإشكالية/ الأزمة وبالحلول التي يمكن أن تتوصل إلى طرحها على المتنازعين. وسيكون على المحكمة العليا التعمق في إشكاليات هذا الوضع الناشئ، من حيث كون رأس الهرم السياسي ـ الحكومي في الدولة متهماً بمخالفات جنائية خطيرة، بما يتطلبه هذا من وقت وطاقات وإمكانيات، ومدى قدرته على تأدية مهامه الجسام كرئيس للحكومة بصورة لائقة وناجعة في مثل هذه الظروف؛ كما سيكون عليها النظر في مسألة المس الخطير المترتب على هذه الوضعية بثقة الجمهور بسلطة القانون، وبما تنطوي عليه هذه الوضعية من تناقض حاد في المصالح، ما بين منصبه كرئيس للحكومة من جهة أولى، وكونه مسؤولاً عن الجهاز السلطوي الحاكم، من جهة ثانية، وبين أداء السلطات المختصة بتطبيق القانون وسعيها إلى القيام بواجباتها في استنفاد الوسائل القانونية ضده كمتهم جنائي.

الحصانة البرلمانية ـ ملاذ نتنياهو الأساسي!

في الوضع القانوني القائم في الحكومة والكنيست اليوم، ستكون مسألة الحصانة البرلمانية ملاذ نتنياهو الأساسي في "حربه" ضد قرار المستشار القانوني للحكومة تقديم لائحة اتهام جنائية ضده، لا سيما وأن موضوعة الحصانة في الظروف والمعطيات الراهنة تثير العديد من الأسئلة القانونية والبرلمانية التي لن يكون من السهل تقديم أجوبة شافية وقاطعة عليها وفي غضون فترة زمنية قصيرة.

كما هي الحال في البرلمانات الأخرى في العالم، كذلك في البرلمان الإسرائيلي (الكنيست)، يتمتع عضو البرلمان بحصانة يضمنها ويحددها قانون خاص هو "قانون حصانة أعضاء الكنيست، حقوقهم وواجباتهم".

والحصانة البرلمانية في إسرائيل نوعان: حصانة جوهرية وحصانة إجرائية ـ الأولى، هي حصانة لعضو الكنيست من تعرضه لأية إجراءات جنائية على خلفية نشاطه وأعماله "في إطار تأدية وظيفته كعضو في الكنيست". وهذه حصانة مطلقة لا يمكن رفعها وإلغاؤها. أما الثانية ـ فهي الخاصة بحال تقديم لائحة اتهام بمخالفة لا تسري عليها الحصانة الجوهرية (أي، "في نطاق تأدية وظيفته كعضو في الكنيست") بحق عضو الكنيست. في هذه الحالة (والمستشار القانوني للحكومة هو الوحيد المخول صلاحية اتخاذ قرار بتقديم لائحة اتهام ضد عضو الكنيست)، يستطيع عضو الكنيست التوجه إلى "لجنة الكنيست" البرلمانية والطلب منها أن تمنحه الحصانة التي تجنبه المحاكمة الجنائية وتحول دون تقديم المستشار القانوني لائحة اتهام جنائية ضده. وعلى عضو الكنيست، في هذه الحالة، تقديم طلبه هذا إلى "لجنة الكنيست" البرلمانية في مدة أقصاها 30 يوماً من يوم إبلاغه من قبل المستشار القانوني للحكومة بنيته/ قراره تقديم لائحة اتهام بحقه.

نشير هنا إلى أن نص قانون الحصانة حتى العام 2005 كان يقضي بضمان هذه الحصانة من المحاكمة الجنائية بصورة أوتوماتيكية، وإذا ما أراد المستشار القانوني تقديم لائحة اتهام بحق عضو كنيست، كان عليه هو التوجه إلى "لجنة الكنيست" البرلمانية والطلب منها أن ترفع/ تزيل هذه الحصانة كي يتمكن من تقديم لائحة الاتهام. لكن في العام 2005 جرى تعديل القانون فأصبح ينص على أن هذه الحصانة غير مضمونة بصورة فورية، بل يستطيع عضو الكنيست المعني طلبها من "لجنة الكنيست" البرلمانية، إذا ما أبلغه المستشار القانوني للحكومة بنتيه/ قراره تقديم لائحة اتهام جنائية ضده.

يحدد القانون المذكور الأسباب التي يمكن أن تتيح قرار "لجنة الكنيست" منح الحصانة الإجرائية لعضو الكنيست. من أهم هذه الأسباب/ العلل، والتي يمكن أن يستخدمها نتنياهو الآن: 1. أن قرار تقديم لائحة الاتهام بحق عضو الكنيست لم يكن "بحُسن نية" (بدوافع انتقامية و/ أو سياسية ـ حزبية، مثلاً) أو "ينطوي على تمييز" (عدم تقديم لوائح اتهام في حالات مماثلة)؛ 2. إذا ما تقرر أن المخالفة الجنائية المتضمنة في لائحة الاتهام المعتزم تقديمها "هي جزء من مهام عضو الكنيست الجماهيرية"؛ 3. إذا كانت الإجراءات الجنائية ستسبب ضرراً جدياً لعمل الكنيست أو لتمثيل جمهور الناخبين؛ 4. إذا كان عدم إجراء المحاكمة الجنائية لا يعود بالضرر على المصلحة العامة، بالنظر إلى مدى خطورة المخالفة الجنائية.

لكن القضية المركزية، في مسألة الحصانة البرلمانية هذه هنا، في سياق لائحة الاتهام ضد نتنياهو، هي أنه ليست هناك "لجنة كنيست" الآن يمكن لنتنياهو التوجه إليها بطلب منحه الحصانة الإجرائية، كما يقتضي النص القانوني؛ ذلك أن الكنيست الـ 22، الذي تم انتخابه يوم 17 أيلول الماضي، لم ينتخب لجانه الثابتة بعد، لأنه لم يتشكل ائتلاف حكومي ولم تتشكل حكومة جديدة، حتى الآن. وكل ما هو قائم في الكنيست من لجان الآن هو "اللجنة المنظمة" فقط والتي هي ليست مخولة، قانونياً، صلاحية البحث في طلب نتنياهو لهذه الحصانة، ثم صلاحية منحه إياها. فإن "لجنة الكنيست" وحدها فقط هي المخولة هذه الصلاحية. وهذا ما أكده، أيضاً، المستشار القانوني للكنيست، المحامي إيال يانون، ضمن رأيه الاستشاري في قضية عضو الكنيست حاييم كاتس، قبل الانتخابات الأخيرة بأسبوع واحد.

معنى هذا أنه لا تتوفر لنتنياهو الجهة الرسمية المخولة التي يمكنه تقديم طلبه للحصانة إليها. وهو ما يعني عدم قدرته على استنفاد حق قانوني أساسي، الأمر الذي يحول بالضرورة دون تقديم لائحة الاتهام ضده الآن. لكن هذا ليس كل ما في الأمر. فحتى لو انتظر إلى ما بعد الانتخابات القادمة للكنيست الـ 23 وإلى ما بعد تشكيل حكومة جديدة وائتلاف حكومي جديد، بما يضمن تشكيل لجان الكنيست الثابتة، وفي مقدمتها "لجنة الكنيست"، عندئذ تتاح له مهلة الـ 30 يوماً لتقديم طلبه المذكور إلى هذه اللجنة. ولكن، منذ لحظة تقديم هذا الطلب، في غضون المهلة الزمنية المحددة قانونياً، لا يستطيع المستشار القانوني تقديم لائحة الاتهام قبل أن تنهي اللجنة مداولاتها (التي يتوقع أن تستمر بضعة أسابيع، على الأقل) وتتخذ قرارها النهائي وقبل أن تنقله إلى الهيئة العامة للكنيست للمصادقة عليه نهائياً.

حتى بعد صدور قرار نهائي في الكنيست بشأن طلب نتنياهو منحه الحصانة من المحاكمة الجنائية، سواء كان القرار إيجابيا (منحه الحصانة) أم سلبيا (عدم منحه الحصانة)، ليس من المستبعد أن يُخضع القرار، أياً كان، للرقابة القضائية في المحكمة العليا، من خلال التماس أو أكثر يقدَّم إليها، وهو ما سيؤجل تقديم لائحة الاتهام ضد نتنياهو لفترة إضافية أخرى، حتى صدور قرار المحكمة العليا.

في الأثناء، قد تذهب إسرائيل إلى انتخابات برلمانية عامة ثالثة في غضون أقل من سنة واحدة، يرجح أن تجرى في شهر آذار من العام القادم، إذا ما انتهت مهلة الـ 21 يوماً في الكنيست دون التوصية بأحد أعضائها لتشكيل حكومة جديدة، ما يعني حل الكنيست بصورة فورية والذهاب إلى انتخابات جديدة في عضون فترة أقصاها 90 يوماً.

وفي سيناريو كهذا، قد يحصل نتنياهو على أغلبية (الليكود وأحزاب اليمين الأخرى) ـ وهو احتمال يبقى وارداً بقوة في إسرائيل طبعاً ـ يستغلها لتشريع "القانون الفرنسي" الذي يمنع تقديم رئيس حكومة إلى محاكمة جنائية طوال فترة إشغاله منصبه؛ وهو القانون الذي فحص أعضاء كنيست من الليكود إمكانيات تشريعه في السنوات الأخيرة، مراراً. وإذا ما تم ذلك، فعلاً، يكون نتنياهو قد تملص وأفلت من لائحة الاتهام الجنائية، لبضع سنوات على الأقل.

من الواضح، إذن، أن تنفيذ المستشار القانوني للحكومة، مندلبليت، قراره بشأن تقديم لائحة اتهام ضد نتنياهو لن يكون بالأمر السهل أو السريع، بل قد يتأجل لفترة زمنية طويلة، أو طويلة جداً حتى، إذا ما اختار نتنياهو خوض حربه الشخصية الضروس ضده، وهو ما تشير كل الدلائل إلى أنه سيكون خياره الأول والوحيد على الأغلب.

ملحق المشهد الإسرائيلي يصدر بالتعاون مع وزارة الخارجية النرويجية، محتوى المقالات لا يعكس بالضرورة موقف وزارة الخارجية النرويجية.

السبت, ديسمبر 07, 2019

مركز مدار

المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية "مدار"، هو مركز بحثي مستقل متخصص بالشأن الإسرائيلي، مقره في مدينة رام الله. تأسس في  العام 2000، بمبادرة مجموعة من المثقفين والأكاديميين الفلسطينيين، من بينهم: الشاعر الكبير الراحل محمود درويش، د. ليلى فيضي، د. علي الجرباوي، د. أحمد حرب، وليد الأحمد، وأكرم هنية. تم تسجيل المركز كجمعية أهلية غير ربحية.

القائمة البريدية