أصبح واضحاً للجميع الآن أن آثار جائحة كورونا على المجتمعات البشرية، منذ ظهورها في أواخر العام 2019 وحتى يومنا هذا مروراً بفترات تفاقمها التي لم تنته بعد، قد طالت مختلف مجالات الحياة ويبدو أن ما لم يظهر منها حتى الآن أكثر بكثير مما ظهر. ورغم أن الحديث عن هذه الجائحة يتركز، بصورة أساسية، في المجال الصحي/ الطبي وما أوقعته من أضرار جسيمة فيه، إلا إن دراسات الجائحة وآثارها وتداعياتها لم تقفز عن أي مجال من مجالات الحياة البشرية الحيوية، وفي مقدمتها الآثار الاقتصادية والاجتماعية بالطبع. ومن ضمن الآثار الاقتصادية والاجتماعية هذه، ثمة انشغال كبير وواسع في ما سببته الجائحة من زعزعة للاستقرار في أسواق العمل التي تعرضت لانتكاسات وتحولات فجائية حادة وعميقة ترتبت على الإغلاقات الشاملة لجميع مرافق الحياة في العديد من الدول والمجتمعات وما ترتب على ذلك من إخراج منظم وجارف للعمال في قطاعات العمل المختلفة إلى عطل إجبارية منظمة وطويلة المدى، ثم الانتقال تدريجياً إلى بديل العمل من المنزل وما تلا ذلك من استقالات واسعة وطرد جماعي من العمل وتقليصات في أجور العاملين وحقوقهم.
من الأمور التي أبرزتها الحرب الروسية على أوكرانيا بالنسبة إلى إسرائيل، تمسّك هذه الأخيرة بما يُعرف باسم "قانون العودة" والدفاع عن طابعه العنصري والتشبّث بأمراسه.
هذا الأمر تجسّد أكثر شيء في الإجراءات المتعلقة باستقبال الفارّين من جحيم الحرب في أوكرانيا الذين طلبوا حق اللجوء في إسرائيل، بقدر ما تجسّد في تصريحات المسؤولين الذين كرّروا أهمية القانون والخطورة المترتبة على عدم تطبيقه لمستقبل إسرائيل كدولة يهودية في المشرق العربي، ولا سيما في المنطقة الواقعة بين النهر والبحر، كما فعل مثلاً المسؤول عن سلطة السكان والهجرة التابعة لوزارة الداخلية، تومر موسكوفيتش، في سياق مقابلة أجرتها معه صحيفة "يديعوت أحرونوت" في نهاية الأسبوع الفائت اعتبر فيها نفسه أحد حراس حدود "الدولة اليهودية" التي لا وجود أي مستقبل لها من دون الالتزام الصارم بتطبيق "قانون العودة"، مشدّداً على أن إسرائيل أقيمت بالأساس من أجل هذه الغاية، ولا ينبغي أن تفقد بوصلتها.
من المرجّح أن ترافقنا فترة طويلة التحليلات المتعلقة بالتحوّلات السياسية التي ستسفر عنها الحرب الروسية ضد أوكرانيا أو ما بات يُعرف بـ"الأزمة الأوكرانية"، ولا سيما بعد أن تخفت حدّة ألسنة اللهب.
ومن المؤكد أن هذه التحولات ستنطوي على انعكاسات تتعلق بمنطقة الشرق الأوسط، وسيكون لها تأثير في إسرائيل.
ويبدو أن التأثير بالنسبة إلى إسرائيل سيكون إلى درجة كبيرة رهن سلوكها حيال الحرب وتداعياتها، ولا سيما موقفها من روسيا والذي لا ينطوي حتى الآن على جانب مُعلن من الصدامية، كي لا نقول إنه منطوٍ على قدرٍ من الممالأة.
فهمُ هذا الموقف الإسرائيلي يتطلّب قراءة مُجدّدة لتاريخ العلاقات بين الدولتين منذ انهيار الاتحاد السوفييتي العام 1991، كون قراءة كهذه قادرة على وضع الأمور في نصابها وسياقاتها. ومن أجل ذلك سنستعين بمواد نُشرت سابقاً في "المشهد الإسرائيلي".
بداية لا بُدّ من التذكير بأن العلاقات الثنائية بين البلدين شهدت تقلبات حادّة، بدأت مع دعم غير محدود قدمه الاتحاد السوفييتي السابق إلى دولة إسرائيل، عشية قيامها ولدى تأسيسها في العام 1948. ولكن رئيس الحكومة الأول في إسرائيل، ديفيد بن غوريون، اختار في بداية الخمسينيات اعتبار إسرائيل جزءا من "معسكر الدول الديمقراطية الغربية" فأخذت السياسة الإسرائيلية بالتقرب إلى الدول الغربية، وفي مقدمها الولايات المتحدة، والابتعاد عن الاتحاد السوفييتي تدريجياً، حتى الانحياز الإسرائيلي التام إلى المعسكر الغربي. وفي شباط 1953، وقعت عملية تفجيرية في الممثلية السوفييتية في تل أبيب، فكان الرد السوفييتي قطع العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل.
ما زالت هبّة أيار 2021 تأخذ مساحة من النقاشات الإسرائيلية، لا سيّما الأمنية- السياسية منها، حتى أنها تحولت إلى ظاهرة/ حالة تُثير الخوف، وتدفع في اتجاه العمل على تجنّبها لما أثبتته من قدرة على زعزعة الاستقرار الذي تسعى إسرائيل للحفاظ عليه والمتمثّل في الإبقاء على "الوضع الراهن"، وإضعاف قدرتها في إدارته والتحكّم فيه لصالح استمرار قطار الاستيطان والتهويد في الضفة والقدس؛ والإبقاء على هامش للمناورة في سياساتها مع قطاع غزة بشكل يمنع انفجار الأوضاع، وفي المقابل، محاولة الحفاظ على معادلة الردع التي ترى إسرائيل أنها لا تزال قائمة حتى بعد الحرب الأخيرة- ما يسمى "حارس الأسوار"- ومجرياتها ونتائجها، بالإضافة إلى استمرار إدارة العلاقة مع الفلسطينيين في الداخل بين سياسات التحريض والأسرلة.
الصفحة 172 من 880