لا يتطلّب الأمر أكثر من يومٍ واحد من العيش هنا لكي نحسّ ونفهم أنّ هذا المكان الذي هو وطني مصمّم طوال الوقت لأجل جماعة واحدة من البشر هم اليهود بينما نصف البشر الذين يعيشون هنا بين النهر والبحر فلسطينيّون. الهوّة السحيقة بين أحوال حياة هاتين الجماعتين - تلك التي أقيم المشروع لأجلها وتلك التي تُسحق لكي ينجح المشروع - حاضرة في كلّ مكان على هذه الأرض، تملأ الأجواء وتنزف.
يعكس مقال السفير ألان بيكر والذي نشره مؤخراً في موقع "المركز المقدسي لقضايا الجمهور والدولة"، الجدل الكبير والمبدئي المثار حول نشاط ومواقف منظمة "جي ستريت" اليهودية الليبرالية الأميركية في أوساط يهود الولايات المتحدة، لدى اليمين الإسرائيلي وامتداداته البنيوية والأيديولوجية من جهة، والتيارات الليبرالية في أروقة المنظمات المناصرة لإسرائيل في الولايات المتحدة على اختلاف توجهاتها من جهة أخرى.
أثارت تصريحات رئيس هيئة أركان الجيش الإسرائيلي، الجنرال أفيف كوخافي، خلال كلمته يوم 26/1/2021 في المؤتمر السنوي لمعهد أبحاث الأمن القومي، جملة من ردود الفعل التي مالت في معظمها إلى الاستياء من هذه اللغة، وما تنطوي عليه من خفّة واستفزاز، من قبل المؤسسة الإسرائيلية السياسية والأمنية الحاكمة تجاه قضايا وملفات دولية بالغة الحساسية، ولما يمكن أن تحدثه هذه التصريحات من إرباك لعلاقات إسرائيل بالإدارة الأميركية الجديدة. كوخافي الذي يعرف الجميع أنه لا يتحدث وفق اجتهاد شخصي بمعزل عن رأي الحكومة ورئيسها، ألمح إلى إمكانية قيام إسرائيل بعمل عسكري منفرد ضد إيران لمنعها من تحسين قدراتها في مجال إنتاج السلاح النووي الذي ما زال بعيدا، سواء من ناحية الفترة الزمنية اللازمة، أو من ناحية القدرات الفنية والتكنولوجية. ولا تكمن مشكلة هذه التصريحات في أنها تكشف ما هو مستور من قبيل خطط عسكرية مزعومة، بل في أنها عبرت عن الاستقبال الإسرائيلي، الفظ والاستفزازي، لإدارة الرئيس الأميركي الجديد جو بايدن ورغبة هذه الإدارة المعلنة في التوصل إلى اتفاق جديد مع إيران بشأن الملف النووي، وهو واحد من الملفات العديدة التي تسعى الإدارة الجديدة إلى تصويب وإصلاح ما ألحقه الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب بها.
انتهت فترة ولاية الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب من دون توجيه ضربة عسكرية إلى إيران، بعد أسابيع من التوتر العالي المتبادل بين البلدين بالإضافة لإسرائيل مرت خلال الذكرى الأولى لاغتيال قاسم سليماني، وسبقها بحوالي شهر اغتيال العالم النووي الإيراني محسن فخري زاده واتهام إسرائيل بالوقوف خلفه.
10 أيام فاصلة عن تقديم القوائم الانتخابية، يومي 3 و4 شباط المقبل، وما يزال الضباب يفرض ستارا شديد الكثافة على مصير التحالفات، فكثرة الأحزاب والتشكيلات الإسرائيلية التي تم الإعلان عنها حتى الآن، تتقلب في استطلاعات الرأي، صعودا يتلوه هبوط بعد هبوط. ومن وجدوا أنفسهم ذات يوم قريب، في مقدمة التوقعات، بات منهم من يتخبط ويصارع نسبة الحسم، وحتى الابتعاد عنها كثيرا. وإذا كانت هذه هي حال ما يسمى "الوسط- يسار"، فإنها باتت تطال أيضا أحزاب اليمين الاستيطاني المتشدد، ليبرز الليكود مجددا على رأس الاستطلاعات بفارق ضعفي مقاعد القائمة التالية من بعده، ولكنه ما يزال بعيدا عن دائرة الأمان، من حيث الاستمرار على رأس الحكم.
ثمة تراجع حاد وخطير في "الشعور بالتضامن الاجتماعي في المجتمع الإسرائيلي"، إذ سجل مؤشر هذا "الشعور" في سنة 2020 المنتهية النسبة الأدنى خلال العقد الأخير ـ هذه هي إحدى النتائج المركزية الأبرز التي أظهرها استطلاع "مؤشر الديمقراطية الإسرائيلية لسنة 2020" الذي أجراه "المعهد الإسرائيلي للديمقراطية" ونشر نتائجه التفصيلية عقب قيام رئيس المعهد، يوحنان بلسنر، ومديرة مركز "فيطربي" (مركز "غوطمان"، سابقاً) لدراسات الرأي العام والسياسات في المعهد، بتسليم نتائج الاستطلاع الكاملة والتفصيلية إلى رئيس الدولة الإسرائيلية، رؤوفين ريفلين، يوم 11 كانون الثاني/ يناير الجاري. كما بينت نتائج هذا الاستطلاع الأخير أن نحو ثلثيّ الجمهور الإسرائيلي يعتقد بأن النظام الديمقراطي في إسرائيل يواجه خطراً جدياً، بينما تعتقد نسبة مماثلة بأن "إسرائيل هي مكان جيد للعيش فيه"، من جهة، رغم الانخفاض الحاد جداً في ثقة الجمهور بمؤسسات الحكم الرسمية، جميعها، من جهة أخرى.
الصفحة 140 من 336