لم تفشل جولة الانتخابات الإسرائيلية التي تكررت للمرة الرابعة خلال نحو عامين، في إحداث التغيير المطلوب، وكسر الدائرة المفرغة وأزمة الحكم التي تعيشها المنظومة السياسية في إسرائيل، وتمنعها من تشكيل حكومة مستقرة فقط، بل إنها قضت أيضاً على ما سمي بـ"الأمل الجديد" الذي خرج من صفوف الليكود، وبشّر بإنهاء عهد نتنياهو.
حصل جدعون ساعر السياسي اليميني الذي انشق عن الليكود، وأسس حزبا أطلق عليه اسم "أمل جديد"، من أجل تحقيق هدف واحد، بات يشكل قاسما مشتركا لمعسكر عابر للأيديولوجيات وبديلا عن البرامج السياسية، ألا وهو إسقاط نتنياهو، في هذه الجولة على ستة مقاعد فقط، وهو ما جعله خيبة الأمل الأكثر مرارة لكل من طمح بإخراج نتنياهو من مكتب رئاسة الوزراء.
بين محطة انتخابية وأخرى، تصعد أسهم الأحزاب أو تهبط، تتباين النتائج عن الاستطلاعات والتوقعات أو تتفق معها، وتنشأ أحزاب وحركات جديدة وتندثر أخرى. ولكن في انتخابات الكنيست الرابع والعشرين التي جرت يوم الثلاثاء الماضي، ثمة حقيقة عارية لا يتكرر وقوعها كثيرا في حياة الأحزاب والأمم، ولا حتى في إسرائيل التي تجنح أكثر فأكثر ومع كل دورة انتخابية نحو اليمين والتطرف، فقد نجحت الكهانية المتجددة ممثلة بحزب "قوة يهودية" ("عوتسما يهوديت") برئاسة إيتمار بن غفير في الانتقال من الشارع ومن ميادين المواجهات الصاخبة والعنيفة مع الفلسطينيين أو مع الشرطة، إلى الكنيست من خلال حصول حزب "الصهيونية الدينية"، بمركباته الثلاثة وهي الاتحاد الوطني وحركتي "نوعم" و"قوة يهودية"، على ستة مقاعد.
أبقت الانتخابات البرلمانية الرابعة التي جرت يوم 23 آذار الجاري إسرائيل في دوامتها السياسية، القائمة منذ 23 شهرا، بحيث لم يحصل الليكود وحلفاؤه الفوريون على الأغلبية المطلقة، وإنما على 59 مقعدا من أصل 120 مقعدا، فيما حصلت باقي الكتل، على مختلف توجهاتها، على 61 مقعدا، وهذا لا يعني أنها كتل متماسكة في الموقف ضد استمرار حُكم بنيامين نتنياهو، لذا من السابق لأوانه الحديث عن انتخابات خامسة تجري في الصيف المقبل، على الرغم من أنها احتمال قائم حتى الآن.
بالرغم من الادعاء، الذي يتكرر في إسرائيل في الأشهر الأخيرة، بأنّ معركة الانتخابات الحالية للكنيست الإسرائيلي الـ 24 تنحصر بين معسكرين اثنين، هما معسكرا إمّا "نعم لبيبي" وإما "لا لبيبي" ـ أي، بين مؤيدي رئيس الحكومة الحالية ورئيس حزب الليكود، بنيامين نتنياهو، من جهة، وبين معارضيه من جهة أخرى، إلا أن الجمهور الإسرائيلي عموماً يؤكد أنه سيصوّت حسب المواقف والبرامج التي تطرحها الأحزاب السياسية والقوائم الانتخابية المختلفة المشاركة في الانتخابات، وليس حسب اعتبارات شخصية. هذا أحد الاستنتاجين المركزيين اللذين الذي يمكن استخلاصهما بوضوح من نتائج استطلاعيّ الرأي الأخيرين اللذين أجراهما "المعهد الإسرائيلي للديمقراطية" خلال الأسابيع الأخيرة، عشية الانتخابات التي ستجرى يوم غد الثلاثاء 23 آذار ـ استطلاع "الصوت الإسرائيلي لشهر شباط 2021"، الذي نُشرت نتائجه في مطلع آذار الجاري، ثم استطلاع رأي ثانٍ، استثنائيّ، نشرت نتائجه يوم 14 الجاري. أما الاستنتاج الثاني فهو أن ثمة مسافة غير قصيرة تفصل بين مواقف الأحزاب في القضايا المركزية وبين مواقف المصوتين لهذه الأحزاب، ما يعني أن لا تجانس ولا انسجام دائماً بين موقف الحزب في قضية معينة وموقف المصوتين له، أو بعضهم على الأقل.
تجري يوم غد الثلاثاء 23 آذار الانتخابات البرلمانية الإسرائيلية للكنيست الـ 24، وهي جولة الانتخابات الرابعة التي تجري في غضون 23 شهرا، بعد أن تعثر تشكيل حكومة ثابتة، بعد كل واحدة من الجولات الثلاث، إذ أن الحكومة التي تشكلت بعد الانتخابات الأخيرة، كانت حكومة قلاقل منذ يومها الأول ولم تصمد سوى 8 أشهر. وتتنافس في الانتخابات 37 قائمة، من بينها 13 قائمة مرشحة لتجاوز نسبة الحسم، والفوز بتمثيل برلماني، في حين تشير الاستطلاعات إلى تعزز قوة الليكود وحلفائه الفوريين، ما يتيح لبنيامين نتنياهو إمكانية تشكيل حكومة ثابتة، ولو بأغلبية هشة.
يكشف ملف اللاجئين الأفارقة في إسرائيل، الذي تجدّد الحديث عنه مؤخراً، عن العنصريّة المتجذّرة في المؤسسة الإسرائيليّة والتي تنطلِقُ من ادّعاءاتٍ مركزيّة حول طّبيعة الدّولة كدولة يهوديّة تعملُ وتُوجَدُ من أجل اليهود حصراً، وتضَعُ وتُصنّف غير اليهود في مكانة مُتدنّية عن اليهود. إلّا أنّ هناك مُفارقة، تصفُها النّاشطة روتم إيلان بالمفارقة المؤلمة بما يتعلّق بواقع اللاجئين الأفارقة في إسرائيل وتتلخّصُ في أنّ إسرائيل كانت الدّولة التي أصرّت على إعلان وتوقيع المعاهدة الدولية لحقوق اللاجئين في العام 1951 والتي تحظر إعادتهم إلى مكانٍ سيواجهون فيه خطراً على حياتهم. أصرّت إسرائيل، بصفتها ممثّلة ووارثة إرث الضحايا الأشهر للحرب العالميّة الثانية، وهم اليهود الذين حاول بعضهم الفرار من ألمانيا النازية ليجدوا أنفسهم، مثل حنّة آرندت، ضحايا معسكرات اعتقال أخرى في البلدان التي هربوا إليها؛ أصرّت على توقيعها لإلزام الدّول باستقبال طالبي اللجوء الموجودين في خطر يهدد حياتهم في حالة عودتهم إلى بلادهم في وقتٍ كان اليهود فيه لا يزالون يشعُرون بخطر عودة شبح النّازية، بينما الآن، تحاول إسرائيل التملّص من هذه المعاهدة بكلّ الطّرق الممكنة فيما يتعلّق باللاجئين الأفارقة في إسرائيل.
الصفحة 133 من 336