صادق الكنيست الإسرائيلي بالقراءتين الثانية والثالثة ليلة 30 أيار الجاري على مشروع قانون حله وإجراء انتخابات عامة مبكرة، وذلك قبل دقائق من انقضاء المهلة التي منحها رئيس الدولة إلى بنيامين نتنياهو من أجل تأليف حكومة جديدة، وبعد أقل من شهرين على إجراء الانتخابات العامة الأخيرة يوم 9 نيسان الفائت. وأيّد مشروع القانون 74 عضو كنيست وعارضه 45 عضواً. ومن المتوقع أن تجري الانتخابات العامة المقبلة يوم 17 أيلول 2019.

وجاءت المصادقة على مشروع قانون حلّ الكنيست الـ21 بعد أن وصلت مفاوضات اللحظة الأخيرة بين رئيس الحكومة ورئيس حزب "إسرائيل بيتنا" عضو الكنيست أفيغدور ليبرمان إلى طريق مسدود، حيث رفض هذا الأخير قبول اقتراحات حل وسط مختلفة وأكد أنها لا تختلف عما تم اقتراحه سابقاً. وحاول نتنياهو التوفيق بين مطلب "إسرائيل بيتنا" تمرير "قانون التجنيد" الذي لا يستثني الشبان اليهود الحريديم (المتشددون دينياً) من الخدمة الإلزامية في الجيش الإسرائيلي، وبين مطلب حزب يهدوت هتوراه الحريدي الذي يصر على إعفائهم.

سنعالج في هذا التقرير ثلاث مسائل كانت جزءاً من المداولات التي رافقت عملية تأليف الحكومة الإسرائيلية الجديدة وإخفاقها، وتحديداً قانون تجنيد الشبان اليهود الحريديم، وقانون الحصانة، وقانون الحدّ من صلاحيات السلطة القضائية.

 

ولا بدّ أولاً من رؤية أن هذه القوانين هي جزء من محاولة اليمين الإسرائيلي الهادفة إلى إحكام سيطرته على الحكم، وأن النقاش الداخلي حول "قانون التجنيد" يهدف إلى إغلاق هذا الملف داخل أوساط اليمين، لا سيما وأن هناك تحولات مهمة تجري في المجتمع اليهودي المتدين نحو الاقتراب من الصهيونية الدينية، واقتراب الصهيونية الدينية من المنظومة الحريدية. ويمكن القول إن قضايا الدين والدولة، لا سيما مسألة تجنيد المتدينين، هي محل خلاف (شكلي وليس جوهري) بين كتل اليمين، فحتى الكتل الحريدية نفسها تعرف أنها لا يمكن أن تمنع تجنيد شباب متدين للجيش بشكل تامّ، كما أن الكتل الأخرى تدرك أنها لا تستطيع فرض تجنيد إجباري على الحريديم كما هو في صفوف المجموعات الأخرى.

ويشير التقرير، كما سيبيّن لاحقا، إلى العلاقة المباشرة بين هذه القوانين الثلاثة وإلى ارتباطها ببعضها البعض.

قانون الحصانة

يواجه رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو لوائح اتهام بانتظار مرحلة الرد الأولي أمام المستشار القانوني للحكومة؛ الأولى القضية رقم 1000 وهي شبهة تلقيه "هدايا" أو "عطايا" من رجل الأعمال اليهودي أرنون ميلتشين وغيره، والثانية القضية رقم 2000 والتي تدور حول الجلسات التي عقدت بين نتنياهو ومالك صحيفة "يديعوت أحرونوت" أرنون موزيس وإمكانية وجود شبهة تلقي رشوة بين الطرفين، والقضية رقم 4000 وهي قضية فساد تتعلق بموقع "واللا" الإخباري.

وفي واقع الأمر ليس هناك شيء اسمه قانون الحصانة، فالحصانة هي جزء من قانون أساس الكنيست الذي يفسرها خلال بنوده. والتداول الإعلامي حول ما يسمى "قانون الحصانة" يعني تعديل بنود القانون المتعلقة بالحصانة.

بداية لا بد من توضيح هذه المسألة قانونيا، إذ يحظى أعضاء الكنيست بحكم وظيفتهم بمكانة خاصة خلافاً للمواطنين العاديين، وذلك من خلال تمتعهم بالحصانة البرلمانية، فهي تمنح أعضاء الكنيست حماية خاصة تهدف إلى تمكينهم من أداء عملهم دون أن يخشوا من تقديمهم للمحاكمة أو المضايقات. ويميز القانون بين نوعين من الحصانة: الحصانة الموضوعية (أو الجوهرية) والتي تعمل على حماية عضو الكنيست من المسؤولية الجنائية أو المدنية بسبب أدائه عمله، أو أقوال صرح بها تعبر عن مواقفه السياسية. وهناك الحصانة الشخصية، وهي تقدم حماية واسعة النطاق من الاعتقال أو التعرض للإجراءات القضائية ومن التفتيش أو مصادرة وثائق في حوزته. ويمنح القانون صلاحية رفع الحصانة عن عضو كنيست من أجل محاكمته في حال ارتكاب عضو الكنيست مخالفات مثل الحصول على رشوة، السرقة، أو خيانة الدولة، أو مخالفات جنائية كبيرة.

ويحق لكل عضو كنيست أو الحكومة التوجه إلى المستشار القانوني للحكومة بتوصية من أجل رفع الحصانة عن عضو كنيست معين، كما حصل مع النائب باسل غطاس من التجمع الوطني الديمقراطي، عندما تم رفع الحصانة عنه بعد اتهامه بتهريب أجهزة خليوية للأسرى السياسيين الفلسطينيين. ويمتلك المستشار القانوني الصلاحية المطلقة بشأن اتخاذ القرار في تقديم طلب رفع الحصانة أولا، وإذا قرر المستشار القيام بذلك فإنه يقدم طلبا للجنة الكنيست، التي تطلب تفسيرا لطلب رفع الحصانة، وبعد النقاش داخل اللجنة يجري التصويت على رفع الحصانة، وإذا اقتنعت اللجنة بضرورة رفع الحصانة فإنها بدورها تقترح ذلك على الكنيست، ولا تناقش الكنيست مسألة رفع الحصانة إلا بعد أن تعطي عضو الكنيست الفرصة للإدلاء بموقفه من الموضوع، سواء في لجنة الكنيست أو في هيئة الكنيست، ويمكن اتخاذ قرار رفع الحصانة بأغلبية عادية في الكنيست، ويجوز لعضو الكنيست الاستئناف على القرار من خلال التماس يقدمه إلى محكمة العدل العليا.

وكان عضو الكنيست ميكي زوهر (الليكود) قد وضع، في نهاية الشهر الماضي، صيغته لقانون الحصانة على طاولة الكنيست، وهي صيغة مماثلة لتلك التي حاول الدفع بها في الولاية السابقة للكنيست، وتم وقفها من قبل نتنياهو. ويعيد مشروع قانون زوهر آلية الحصانة إلى الفترة التي سبقت عام 2005، ويحدد أن بإمكان عضو الكنيست الحصول على الحصانة التلقائية من المحاكمة، ويتطلب نزعها أن يطلب المستشار القانوني للحكومة ذلك من لجنة الكنيست التي تبت بها من خلال التصويت، وهي منوطة بالتصويت عليها في الكنيست، بينما ينص القانون المتبع اليوم على أن الحصانة غير ممنوحة لعضو الكنيست بشكل تلقائي، وإنما يجب عليه أن يطلبها من لجنة الكنيست ومن الكنيست لاحقا، في حال أعلن المستشار القانوني للحكومة عن تقديم لائحة اتهام ضد عضو الكنيست.

وما يحاول الليكود القيام به مدعوما من كتل يمينية هو تعديل بنود الحصانة، بحيث يتم منع رفع الحصانة عن عضو كنيست حتى إذا اتهم أو قام بمخالفات جنائية، وما دام يتمتع بالحصانة فإن الأجهزة القضائية لن تكون قادرة على محاكمته، وذلك لأنه سيتمتع بالحصانة البرلمانية.

ويهدف هذا التعديل بشكل سافر إلى منع محاكمة نتنياهو، حيث يقوم الأخير بطرق شتى لتأجيل جلسات الاستماع أمام المستشار القانوني للحكومة، والتي يترتب عليها تثبيت لائحة الاتهام ضده أو إلغاؤها، وكما يبدو من سعي نتنياهو لتأجيل الاستماع فإنه متأكد من أن المستشار القانوني سوف يثبت لوائح الاتهام ضده، ويحاول من خلال قانون الحصانة تفادي الإجراءات القانونية والقضائية ضده. وتتماهى كتل اليمين كلها مع هذا الموقف، حتى حزب "كولانو (كلنا)" الذي عرض نفسه كحامي حمى المحكمة العليا وسلطة القانون، بدأ موقفه يتراخى في هذا الشأن. وفي حال تعثر تعديل القانون قد يلجأ نتنياهو الى خطوة أخرى من خلال لجنة الكنيست المخولة ببحث موضوع رفع الحصانة عن نائب في الكنيست، وكتبت صحيفة "يديعوت أحرونوت" أنه بموجب قانون الحصانة الحالي، فإن نتنياهو يستطيع أن يطلب سريانها من لجنة الكنيست، وفي كل الأحوال فإن لديه غالبية في اللجنة. كما أنه في حال تعديل القانون سيسري على جميع أعضاء الكنيست، علما أن كثيرين منهم متورطون في التحقيقات، الأمر الذي سيتسبب بمشاكل كثيرة لنتنياهو.

وقال مسؤول في الليكود لصحيفة "هآرتس" إنه بالنسبة لنتنياهو لا يوجد فرق بين إجراء الحصول على حصانة على أساس القانون القائم، وبين الحصول عليها بواسطة الصيغة الجديدة للقانون، مضيفا أن الجهود للدفع قدماً بالقانون الجديد قد تتعقد، وتتضرر معها صورة نتنياهو في وسط الجمهور بعد أن تعهد بأنه لن يدفع بالقانون قبل الانتخابات وتراجع عن ذلك. وكان جدعون ساعر، خصم نتنياهو في الليكود، قد خرج ضد القانون، معتبرا أن تعديله سوف يضر بالليكود، لا سيما وأن نتنياهو أعلن خلال الحملة الانتخابية عن معارضته لتعديل القانون، وهو ما يعتبر استهتارا بالجمهور الإسرائيلي.

"قانون التغلب" على المحكمة العليا

كذلك ليس هناك شيء اسمه "قانون (فقرة) التغلب"، والحدث هو حول تعديل قانون أساس السلطة القضائية، بحيث يتم منع المحكمة العليا من إلغاء قوانين يسنها الكنيست أو الحكومة. وكان هذا القانون من الأجندة القانونية المهمة لدى اليمين من أجل تعزيز سيطرته على الحكم وتنفيذ مشاريعه السياسية. وكان حزب اليمين الجديد، برئاسة نفتالي بينيت وأييلت شاكيد وزيرة العدل السابقة، قد رفع هذا الشعار خلال الحملة الانتخابية واضعاً المحكمة العليا في منزلة واحدة مع حركة "حماس". وجاء في الشعار "بينيت سينتصر على حماس وشاكيد ستقود المحكمة العليا"، وهي ذروة نزع الشرعية عن المحكمة العليا في الذهنية الإسرائيلية.

وتشير التقديرات إلى أن نتنياهو يربط بين هذا القانون ("قانون التغلب على المحكمة العليا") وبين قانون الحصانة، حيث تشير التقديرات إلى أن نتنياهو سيبذل جهوداً كبيرة في المصادقة على بند قانون تغليب الكنيست على المحكمة العليا، الذي يهدف إلى السماح للكنيست بإعادة سن قوانين ألغتها المحكمة العليا، من خلال صيغة قانون تصعّب على العليا إلغاء قرارات الكنيست بشأن منح الحصانة، في حال صودق عليها في الكنيست.

وبحسب ما نقلته "هآرتس" عن مقربين من نتنياهو، فإن رئيس الحكومة يعتزم على الأرجح الدفع باتجاه بند "فقرة التغلّب"، الذي يسمح للكنيست بتمرير قوانين ألغتها محكمة العدل العليا. وسوف تجعل صيغة الاقتراح من الصعب على المحكمة إلغاء قرار محتمل للكنيست لمنح رئيس الحكومة الحصانة، كما يؤكد التقرير.

قانون التجنيد

في العام 2002 سنّ الكنيست قانوناً اشتهر باسم "قانون طال"، على اسم رئيس لجنة خاصة أقيمت بهذا الصدد برئاسة قاضي المحكمة العليا المتقاعد حينذاك تسفي طال. وقد تم تحديد مدة القانون لخمس سنوات. وبحسب القانون فإن وزير الدفاع مُخوّل بتأجيل الخدمة العسكرية لطلاب المدارس الدينية (ييشيفوت) لمدة أربع سنوات، وبعدها في السنة الخامسة يُخوّل الوزير بتحديد حاجة الجيش إلى عدد معين منهم للجيش أو الخدمة المدنية، أو استمرار إعفائهم من الخدمة. وقد اشترط التأجيل بشروط حددها القانون. وفي العام 2007 مدّد الكنيست القانون لمدة خمس سنوات إضافية. وفي العام 2012 وقبل نفاد مدة القانون وبعد توجهات مؤسسات حقوقية للمحكمة العليا أقرت هذه المحكمة بعدم جواز تجديد القانون لخمس سنوات إضافية. وظل هذا الموضوع محل مدّ وجزر ونقاش في حكومة نتنياهو الثانية، وفي حكومته الثالثة (2013-2015) التي شارك فيها حزب "يوجد مستقبل" برئاسة عضو الكنيست يائير لبيد واستبعدت منها الأحزاب المتدينة الحريدية، وقامت الحكومة في العام 2014 بسن قانون "المساواة في العبء" وهو فعليا تعديل لقانون الأمن من العام 1986. وكان هدفه الأساس زيادة عدد الطلاب المتدينين الذين يتجندون للجيش وبعدها دمجهم في سوق العمل الإسرائيلية.

ومع تشكيل الحكومة الجديدة في أعقاب انتخابات عام 2015، ودخول الأحزاب المتدينة إلى الحكومة مُجدّداً وخروج حزب "يوجد مستقبل"، وبسبب تبعية الحكومة للأحزاب الحريدية، تم إلغاء التعديل الذي قامت به الحكومة السابقة، وتم سن قانون جديد يتيح تأجيل تجنيد المتدينين حتى العام 2023، إلا إن المحكمة العليا قامت بإلغاء هذا القانون أيضاً بادعاء أنه لا يحقق المساواة بين من مفروض عليهم التجنيد.

تجدر الإشارة إلى أن "قانون التغلب" على المحكمة له علاقة بهذا القانون، ولذلك تدعمه الأحزاب الحريدية، من أجل تشريع قانون جديد للتجنيد لا يمكن للمحكمة العليا أن تلغيه.

وبعد الفراغ الذي وُجد في أعقاب القانون القديم، تطالب الأحزاب الحريدية بسنّ قانون يتجاوب مع توجهاتها من الموضوع، بينما تطالب أحزاب أخرى بسن قانون يتلاءم مع احتياجات الجيش، حيث أعلن رئيس حزب "إسرائيل بيتنا" أفيغدور ليبرمان أن القانون الجديد يجب أن يتم بناء على توصية الجيش وليس توصية الأحزاب الدينية.

في البداية، وتحديدا في آذار 2018، هددت الأحزاب الحريدية بأنها لن تصوت على ميزانية الدولة إذا لم يتم سن قانون الإعفاء من الخدمة العسكرية، وكانت الحكومة على شفا السقوط جراء هذا القرار، حيث بعث حزب الليكود برسالة للأحزاب الحريدية بأن إصرارها على سن القانون في ذلك الوقت قبل اكتمال النقاش حوله سيؤدي إلى تقديم الانتخابات، وبالفعل فقد كان الخلاف على تمرير قانون التجنيد أحد الأسباب التي أدت الى تقديم الانتخابات وحلّ الكنيست في نهاية عام 2018.

إجمال

ترتبط القوانين الثلاثة السالفة ببعضها البعض، لذلك فإن تشكيل أي حكومة يمينية مقبلة قد يتجّه نحو تشريع هذه القوانين معاً، فـ"قانون الحصانة" هدفه حماية نتنياهو من المحاكمة والإجراءات القانونية، و"قانون التغلب" على المحكمة العليا هدفه تسهيل حكم اليمين وتمرير قوانين غير ديمقراطية وغير ليبرالية، أما "قانون التجنيد" فهدفه حل إشكال مهم في قضايا الدين والدولة، مما يساهم في استقرار حكومة اليمين، ويقلص من الفجوات بين مركباتها. وفي المجمل العام فإن "قانون التغلب" يهدف إلى حماية "قانون الحصانة" و"قانون التجنيد" من احتمال قيام المحكمة العليا بإلغائهما.

وهذا هو ما أشارت إليه ورقة "تقدير موقف" صادرة عن "المعهد الإسرائيلي للديمقراطية" (القدس) هذه الأيام وقالت في سياقها إنه يمكن للمحكمة العليا أن تتدخل في قرار منح أو إزالة حصانة، ولكن في ضوء المبادرات الساعية لتقييد قدرة المحكمة على شطب تشريعات، بواسطة "قانون التغلب"، وبالتالي تقليص صلاحية المحكمة العليا في كل ما يتعلق بالتدخل في قرارات الكنيست، يمكن للكنيست أن يستخدم "قانون التغلب" لغرض إعادة تمرير قوانين من جديد، مثل "قانون الحصانة"، حتى لو قررت المحكمة العليا أنها قوانين تمس بالمساواة وبحقوق أساس أخرى.

 

التقارير الخاصة تصدر بالتعاون مع وزارة الخارجية النرويجية، محتوى التقارير لا يعكس بالضرورة موقف وزارة الخارجية النرويجية.

الأحد, أكتوير 20, 2019

مركز مدار

المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية "مدار"، هو مركز بحثي مستقل متخصص بالشأن الإسرائيلي، مقره في مدينة رام الله. تأسس في  العام 2000، بمبادرة مجموعة من المثقفين والأكاديميين الفلسطينيين، من بينهم: الشاعر الكبير الراحل محمود درويش، د. ليلى فيضي، د. علي الجرباوي، د. أحمد حرب، وليد الأحمد، وأكرم هنية. تم تسجيل المركز كجمعية أهلية غير ربحية.

القائمة البريدية