تواصل استطلاعات الرأي العام الإسرائيلية منح رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو وحزبه الليكود تفوقا بنتائج لم يسبق لنتنياهو أن حظي بها من قبل. لكن ما يبرز أكثر أن هذه النتائج تأتي على الرغم من قضايا الفساد المتورط بها، وتوصية الشرطة بتقديمه للمحاكمة، غير أن هذا الملف يغيب في الأسابيع الأخيرة عن واجهة المشهد الإسرائيلي كلياً، على ضوء التطورات السياسية والعسكرية المتلاحقة، والتي باتت تسجل نقاطا إضافية لنتنياهو، وبشكل خاص على ضوء الدعم المطلق

لسياسته من البيت الأبيض بزعامة دونالد ترامب، إن كان على مستوى القضية الفلسطينية، أو على مستوى مواجهة إيران. كما أن نتنياهو يستفيد أكثر من واقع غياب معارضة سياسية جوهرية له، قادرة على إقصائه عن منصبه، لا بل نجد هذه المعارضة تنساق وراء الخط الذي يفرضه نتنياهو منذ عدة سنوات، ولا سيما حيال المسألتين السالفتين.

وقال استطلاع جديد لصحيفة "يسرائيل هيوم"، الموالية بالمطلق لشخصي نتنياهو وترامب، إنه في ما لو جرت الانتخابات البرلمانية في هذه المرحلة، لقفز حزب الليكود إلى 35 مقعدا، بدلا من 30 مقعدا اليوم. وتأتي حصة جدية من هذه القفزة على حساب شركائه في الائتلاف، إذ إن مجموع ما يحصل عليه الائتلاف القائم، بما يشمل الليكود، وفق الاستطلاع ذاته، هو 63 مقعدا، أي أقل بأربعة مقاعد من القوة الانتخابية لذات الائتلاف في الانتخابات الأخيرة، لكن هذه القوة تُضاف إليها 8 مقاعد مفترضة، ستحققها النائبة أورلي ليفي- أبكسيس، المنشقة عن حزب "إسرائيل بيتنا" برئاسة وزير الدفاع أفيغدور ليبرمان.

ولا يمكن أخذ هذا الاستطلاع بجدية، لكون الصحيفة منحازة كليا لشخص نتنياهو، واستطلاعاتها تضيف دائما إلى حزب الليكود، حتى في أسوأ ظروف هذا الحزب. ومع ذلك فإن استطلاعات الصحف ووسائل الإعلام الإسرائيلية الأخرى تشير إلى أن حزب الليكود سيحافظ على قوته الحالية، 30 مقعدا، أو أقل بمقعدين، في حين أن الائتلاف ككل سيحصل على أغلبية تتراوح ما بين 63 إلى 65 نائبا.

ونشير إلى أن استطلاعات الرأي الحالية تجري في أيام يحقق فيها نتنياهو مكاسب سياسية لخطه المتطرف، مثل نقل السفارة الأميركية إلى القدس. فهذا القرار الأميركي صدر في مطلع كانون الأول 2017، وكان الحديث في حينه عن أن النقل سيكون حتى نهاية 2019، إلا أنه بعد أكثر من شهرين من ذلك الإعلان قرر ترامب الاستعجال بنقل السفارة، مختارا تاريخا يزيد من استفزازه للشعب الفلسطيني وقضيته، هو ذكرى يوم النكبة. وهذا كله يعد دعما مباشرا لشخص نتنياهو، حيث أن قرار الاستعجال جاء بعد أيام قليلة من توصية الشرطة بمحاكمة نتنياهو.

كما أن قرار ترامب بالانسحاب من الاتفاق النووي مع إيران يمثل موقف الحزب الجمهوري الأميركي، لكن هذا يُسجل أيضاً لصالح نتنياهو، والخط الذي سعى له على مدى سنوات. لذا فإن الاستطلاعات قد تنقلب بمدى ما، على ضوء التطورات اللاحقة، وخاصة بعد أن يخف بريق "إنجازات نتنياهو"، مع تقدم الوقت.

ولا يترك نتنياهو لحظة من دون أن يستثمرها سياسيا لصالحه.

وفي نهاية الأسبوع الماضي نشر شريطا في صفحته على شبكة الفيسبوك، قال فيه: "كان هذا الأسبوع (الماضي) مهما جدا لإسرائيل. فيوم الاثنين توجهت إلى نيقوسيا للقاء الرئيس القبرصي ورئيس حكومة اليونان، لمناقشة مد أنبوب غاز من إسرائيل إلى قبرص واليونان، ومن ثم إلى أوروبا، وهذا مهم لاقتصادنا".

وتابع "وحينما عدت مساء إلى البلاد، تسنى لي سماع الخطاب التاريخي للرئيس ترامب بشأن الاتفاق النووي الإيراني الخطير، وليس صدفة أنه استعرض مخاطر المشروع النووي الإيراني، التي كشفنا عنها مؤخرا. ويوم الأربعاء فجرا، توجهت إلى موسكو للقاء مهم لا مثيل له، مع الرئيس بوتين، فقد دعاني للمشاركة في استعراض يوم النصر على ألمانيا النازية. وكانت تلك اللحظة التي أقف فيها عند النصب التذكاري للجندي المجهول، ويتم إنشاد هتكفا... خلال كل تلك الأيام (أيام الأسبوع)، نشط الجيش الإسرائيلي في سورية لإحباط عمليات إطلاق نار ضدنا. وبعد ساعات من عودتي إلى البلاد، أطلقت إيران عشرات الصواريخ ضدنا، وهذه عملية فشلت، بفضل الجيش الإسرائيلي الذي قام بالرد المناسب. لقد حددت دائما بأننا سنضرب من يضربنا. وأنا أقدّر الدعم الدولي، من بريطانيا وألمانيا وفرنسا وغيرها، لحقنا في الرد على العدوانية الإيرانية، في سياق معركة متواصلة، سننتصر بها".

في الشأن الإيراني

 لاقى نتنياهو إجماعا صهيونيا حول إيران استكملته مؤخرا حركة ميرتس (يسار)، بحسب تصريح صادر عن رئيسة الحركة، عضو الكنيست تمار زاندبرغ، التي قالت في خطاب لها في مؤتمر هيرتسليا إنه "لا يمكن التساهل بأي شكل من الأشكال إزاء النشاط الإيراني في سورية ولبنان. إن تمركز إيران في سورية هو تهديد حقيقي لإسرائيل، وكذا أيضا هو التهديد من حزب الله".

وتابعت "إن ميرتس ترفض كليا من يحاول التساهل، أو غض الطرف عن التهديد الإيراني، أو عن نظام بشار الأسد المجرم. لإسرائيل ليس فقط الحق، بل من واجبها أن تمنع تمركزا عدوانيا عند الحدود. لكن يجب وضع فيصل واضح بين الخط إسرائيل للدفاع عن مواطنيها، وبين مواجهة شاملة، لأنها مواجهة تتعارض مع مصالحنا. لقد أثبت رئيس الحكومة نتنياهو، مرات كثيرة، وعلى الرغم من عدم مسؤولية سياساته، أن لديه خطا واضحا في تفعيل القوة العسكرية، وأدعوه على التصرف على هذا النحو هذه المرّة أيضا".

ودافع رئيس حزب "يوجد مستقبل"، عضو الكنيست يائير لبيد، عن موقفه من إيران. وكتب على صفحته في شبكة الفيسبوك أنه منذ نحو عامين قال إن الاتفاق ليس جيدا لإسرائيل ويجب إدخال تعديلات عليه.

وقالت عضو الكنيست تسيبي ليفني، رئيسة حزب "الحركة" في كتلة "المعسكر الصهيوني" المعارضة، في تعليقها على خطاب دونالد ترامب: "إنه بلاغ درامي، ووصف مثير للانطباع وحقيقي حول الخطر الواسع الذي يضعه النظام الإيراني، وليس فقط المشروع النووي. إن عودة أميركا إلى الشرق الأوسط مهمة، لأن الانسحاب من الاتفاق وحده لا يكفي. الآن من الملح جدا الدفع قدماً بإجراءات دولية تمنع تدهور الأوضاع، وتضمن حلا متكاملا: منع المشروع النووي، ومشروع الصواريخ، والتمركز في سورية، ودعم الإرهاب. وهذا هو الامتحان الحقيقي".

المفارقة هنا أن المعارضة السياسية لجأت إلى تأييد موقف نتنياهو، على الرغم من أن موقف المؤسسة العسكرية، على مدى السنوات الأخيرة، كان يحذر من مغبّة إلغاء الاتفاق مع إيران، من دون إيجاد بديل له. وهذا بالإمكان اعتباره بمثابة توغل أكثر في مواقف اليمين الاستيطاني المتطرف، من طرف من يتم اعتبارهم وفق المقاييس والتعابير الإسرائيلية "وسطا" أو "يمينا معتدلا". فعلى مدى سنوات وجوده في رئاسة الحكومة، إن كان في النصف الثاني من تسعينيات القرن الماضي، ومنذ العام 2009 وحتى الآن، سعى نتنياهو إلى إقصاء المؤسسة العسكرية عن واجهة الخطاب السياسي، خلافا لحكومات سابقة، كان استنادها وإنصاتها للمؤسسة العسكرية علنا أكثر.

وهذا عرّض نتنياهو إلى انتقادات حادة من الغالبية الساحقة من قادة الأجهزة العسكرية والاستخباراتية في السنوات الأخيرة. ولا مبالغة في القول إن أيا ممن تركوا مناصبهم في العقد الأخير، بانتهاء ولاياتهم، لم يدافع عن الخط العسكري الذي يتمسك به نتنياهو، بمن في ذلك من عينهم نتنياهو ذاته في رئاسة الأجهزة.

ومن بين هؤلاء رئيس جهاز الموساد السابق، تامير باردو، الذي تولى منصبه من العام 2012 إلى العام 2016. فقد قال أمام مؤتمر هيرتسليا قبل أقل من أسبوع، إنه لم تعرض عليه خروقات إيران للاتفاق الدولي. وأضاف "إنني لم أعد في الخدمة، لكن حسب معلومات بهذا الشأن (الملف النووي الإيراني)، فإن الإيرانيين يبدون تعاونا كاملا، ولم أر عدم تقيد إيران بالاتفاق".

وما زلنا نذكر أيضا انتقادات رئيس "الموساد" الأسبق، مئير دغان، الذي تمسك بهذا الموقف حتى مماته قبل أكثر من عام.

وهذه هي الحال لدى الجنرال احتياط البارز عاموس غلعاد، الذي كان حتى وقت قريب رئيس القسم السياسي- الأمني في وزارة الدفاع، إذ قال أمام مؤتمر هيرتسليا: "إن إعلان الرئيس الأميركي عن الانسحاب من الاتفاق سيخدم بالأساس إيران".

وأضاف غلعاد، في حديث لصحيفة "هآرتس"، أنه يعتقد "أن استمرار التزام أميركا بالاتفاق هو البديل الأقل سوءاً من بين البدائل الأخرى". وحسب قوله فإنه حتى عملية الموساد الاستخباراتية لسرقة الأرشيف النووي الإيراني، لا تثبت أن إيران تخرق الاتفاق حتى الآن.

وأضاف غلعاد "يجب على إسرائيل تفضيل التعامل مع التهديدات التي تواجهها. وإذا استمرت إيران الآن في تجميد مشروعها النووي لثماني أو عشر سنوات حسب الاتفاق، فإن هذا يمكننا من التركيز على التهديد الأكثر إلحاحا، الذي يتعلق بالتواجد العسكري الإيراني في سورية، والتركيز على إعداد الجيش الإسرائيلي لاحتمال أن يكون مضطراً في المستقبل إلى علاج الموضوع النووي إذا حدثت مواجهة".

 القدس والقضية الفلسطينية

 أيضا في موضوع نقل السفارة الأميركية إلى القدس، وكذا في سياسات وتشريعات تقودها حكومة نتنياهو والشركاء فيها، لا توجد معارضة جوهرية في الكنيست، سوى من طرف "القائمة المشتركة"، وأيضا كتلة "ميرتس"، إلا أن لهذه الأخيرة استثناءات محدودة.

فالموقف العام لدى كتلتي المعارضة "المعسكر الصهيوني" و"يوجد مستقبل" من مسألة نقل السفارة الأميركية إلى القدس، هو الترحيب بالقرار الأميركي. ومنذ وصول ترامب إلى الحكم ظهر لبيد في أكثر من مناسبة يطالب فيها بنقل السفارة إلى القدس، في حين أن ميرتس تؤيد الخطوة، لكنها تفضل أن تكون ضمن اتفاق عام مع الجانب الفلسطيني.

كذلك فقد دعمت كتلتا "المعسكر الصهيوني" و"يوجد مستقبل" مشروع قانون الحكومة، الذي صوت عليه الكنيست في الأسبوع الماضي بالقراءة الأولى، ويقضي بنهب أموال الضرائب الفلسطينية التي تجبيها السلطات الإسرائيلية عند المعابر الدولية، على البضائع الواردة إلى مناطق السلطة، بقصد خصم أموال بذات حجم المخصصات التي تدفعها السلطة أو من يمثلها إلى الأسرى في سجون الاحتلال وعائلاتهم وإلى عائلات الشهداء، وهي خطوة من شأنها أن تشكل ضربة لميزانية السلطة. وبحسب التقديرات الإسرائيلية فإن الحديث يجري حول نهب حوالي 340 مليون دولار سنويا. ونذكر هنا أن أول المبادرين لهذا القانون كان حزب "يوجد مستقبل"، من خلال النائب إليعازر شطيرن.

كما أيدت "يوجد مستقبل"، قبل ثلاثة أشهر، سريان قانون التعليم العالي الإسرائيلي على معاهد قائمة في المستوطنات، وبضمنها الجامعة في مستوطنة أريئيل.

 لا توجد معارضة

 في ظل غياب معارضة سياسية جوهرية للخط السياسي الذي يقوده نتنياهو، فإن هذا الأخير يواصل تحقيق مكاسب أكثر في استطلاعات الرأي العام.

وبهذا الشأن قالت صحيفة "هآرتس"، في كلمة لهيئة التحرير يوم الخميس 10 أيار الجاري، وتحت عنوان "لا توجد معارضة في إسرائيل"، إن "ردود الفعل لمعظم الخصوم السياسيين لرئيس الحكومة، ولا سيما زعماء المعارضة، على إعلان دونالد ترامب الانسحاب من الاتفاق النووي مع إيران، كانت كظل شاحب مقارنة بمواقف بنيامين نتنياهو نفسه. فعلى مدى سنوات، نجح رئيس الحكومة في جعل موقفه في موضوع إيران الموقف الوحيد، الذي يجرى فيه البحث. وكل الآخرين يسيرون على النهج، يرحبون بهذا الشكل أو ذاك ويتبنون الرواية بكاملها: إيران هي التجسيد للشر، والاتفاق معها كان سيئا لإسرائيل".

وتابعت "هآرتس": "لم يعرض أي زعيم، يسعى للجلوس محل نتنياهو، فكرة متبلورة ومقنعة خاصة به للعلاقات مع إيران، لا من الوسط، ولا من اليسار ولا من اليمين. فيائير لبيد، آفي غباي، موشيه كحلون، أفيغدور ليبرمان ونفتالي بينيت، وكذا جدعون ساعر، الذي لا يزال يطل من موقفه على الجدار، يكررون ذات الشعار الذي وضعه من يطلبون الحلول محله، وكذلك من يضيفون إلى التهنئة على الإنجاز همسة هزيلة عن الحاجة لأن نكون حذرين الآن، كي لا نتدهور إلى الحرب، وكذلك من يعلنون عن الحاجة إلى "استبقه واقتله". وبالتالي فإن موقف نتنياهو هو المحور المركزي".

وأضافت الصحيفة أن "الموضوع الإيراني ليس الموضوع الوحيد الذي حدد فيه نتنياهو النبرة. ففي مسألة حل النزاع مع الفلسطينيين أيضا يبدو لبيد وغباي علنا مثله بالضبط. نتنياهو يقول إنه يجب أن تكون "دولة فلسطينية ناقصة"، وغباي يقول ان هذه الدولة ستكون "مجردة"، وكذا لبيد أيضا. حلهما مشابه في جوهره، مع اختلاف الأسلوب فقط".

وحذرت "هآرتس" من "أن خطر التعفن الفكري يهدد إسرائيل أكثر من عرض أسئلة قاسية أو أفكار بديلة في أزمنة متوترة. فالجمهور بحاجة إلى معارضة قوية، قادرة على أن تعرض بدائل فكرية حقيقية في مواضيع حساسة. معارضة لا تخاف الإشارة إلى الإخفاقات، التشديد على الأثمان، التشكيك بالفكر السائد وتحدي المفهوم. كل هذا بدلا من المسارعة إلى السير على الخط مع رئيس الحكومة كي تظهر بصورة الوطنية".

أما الكاتبة نوعا لنداو فتقول، في مقال لها في "هآرتس"، إن "من الصعب أن نجد في الساحة السياسية الحالية زعيمة أو زعيما نجح في خلق بديل مهم ومقنع لموقف نتنياهو في الموضوع الإيراني. هكذا مثلا شرح رئيس حزب العمل آفي غباي لمجموعة من السفراء الأجانب في اجتماع في تل أبيب أن إسرائيل "لن تسمح لإيران بأن تحقق قدرات نووية"، ورحب بالحملة التي حصل فيها الموساد على الوثائق الشهيرة من عرض الملفات. الرسالة هي ذات الرسالة، وإن كانت الإنجليزية أقل إتقانا".

وقالت لنداو إن الوزيرين نفتالي بينيت وموشيه كحلون ورئيس حزب "يوجد مستقبل" يائير لبيد أيضاً رددوا وراء نتنياهو "ذات الرسائل بالضبط، مع تغييرات تجميلية هنا وهناك... أما مؤيدو الاتفاق مع إيران فيمكن أن نجدهم أساساً في عمق المعارضة- ميرتس والقائمة المشتركة- وفي أوساط يهود الشتات الليبراليين فقط".

 

 

الأربعاء, مايو 23, 2018

مركز مدار

المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية "مدار"، هو مركز بحثي مستقل متخصص بالشأن الإسرائيلي، مقره في مدينة رام الله. تأسس في  العام 2000، بمبادرة مجموعة من المثقفين والأكاديميين الفلسطينيين، من بينهم: الشاعر الكبير الراحل محمود درويش، د. ليلى فيضي، د. علي الجرباوي، د. أحمد حرب، وليد الأحمد، وأكرم هنية. تم تسجيل المركز كجمعية أهلية غير ربحية.

القائمة البريدية