صدر عن "المعهد الإسرائيلي للديمقراطية- القدس" و"معهد القدس لدراسات إسرائيل"، مؤخرا، تقرير شامل هو الأول من نوعه في إسرائيل منذ قيامها تحت عنوان "الكتاب الإحصائي عن المجتمع الحريدي في إسرائيل 2016"، وهو ثمرة جهد بحثي مشترك بذله حشد من الباحثين في المعهدين، خُصص لـ"المجتمع الحريدي في إسرائيل"، إذ يقدم عنه على مدى 214 صفحة صورة بانورامية تفصيلية في كل مناحي الحياة، راهنا ومستقبلاً.

انعزالية حريدية يقابلها تجاهل عام جماهيريا ورسميا

في البداية، تشير مقدمة المعهدين، راعيي البحث وناشريّ التقرير، والتي كتبها البروفسور يديديا شتيرن، نائب رئيس "المعهد الإسرائيلي للديمقراطية"، ومئير كراوس، مدير "معهد القدس لدراسات إسرائيل"، إلى أن المجتمع الحريدي في إسرائيل اختار أن يقيم "أسوار القداسة" التي تفصل بينه وبين الأجزاء الأخرى من المجتمع الإسرائيلي. والانعزالية الحريدية تشمل كل شيء تقريبا، ليس فقط المعتقدات والآراء المميزة له وحدها، وإنما تشمل أيضا الجوانب المادية (أماكن السكن الخاصة)، الجوانب التربوية (تيارات تربوية مستقلة ومنهاج تدريسي مختلف تماما)، الجوانب الرمزية (الملابس والعادات المميزة)، الجوانب الثقافية (أدب وإعلام خاصّان بالحريديم وحدهم)، الجوانب المعيارية (تأدية الفروض والشعائر الدينية بطريقتهم الخاصة)، الجوانب التنظيمية (من حيث المؤسسات والهيئات الخاصة لهم وحدهم)، الجوانب السياسية (قيادات روحية وحزبية ـ سياسية) وغيرها الكثير.

أما ردة فعل المجتمع الإسرائيلي العام على خيار الحريديم، المتميز بالانعزالية كما ورد، فقد تميزت بالتجاهل والتنكر طيلة سنوات طوال. ولم ينظر المجتمع الإسرائيلي العام إلا قليلاً إلى ما وراء "أسوار القداسة" فأعفى المجتمع الحريدي من المهمات والواجبات المشتركة للمجتمع كله، مما زاد في انعزاليته وعمقها.

وتؤكد مقدمة مديريّ المعهدين أن هذه الانعزالية جعلت الحريديم "كتاباً مقفلاً" في نظر غالبية الجمهور الإسرائيلي. وكثيرون من بينه يجدون صعوبة في رؤية الفرد الحريدي إنسانا مستقلا وبمعزل عن مجموعته ولا يعرفون، أيضا، تحديد المجموعات الثانوية / الفرعية التي يتكون منها هذا المجتمع الحريدي، رغم كونها مجموعات مختلفة جدا ومتمايزة تماما عن بعضها بعضا. وحتى مؤسسات الدولة الرسمية، والتي يفترض بها بلورة سياسة خاصة للتعامل مع الحريديم في سياقات عديدة مختلفة، لا تبذل جهدا بسيطا للتعرف عليهم، فلا تعرفهم حق المعرفة وبدرجة كافية الأمر الذي يوقعها في أخطاء متكررة في معالجة شؤونهم واحتياجاتهم.

ويرى الكاتبان أنه "آن الأوان لإزاحة الستار وكشف الحقائق كاملة عن الوسط الحريدي، الذي يعادل ما يزيد عن 11% من مجمل السكان في الدولة". ولهذا، جاء "الكتاب الإحصائي عن المجتمع الحريدي" الحالي لعرض الحقائق كما هي، تفسيرها وتحليلها بمهنية موضوعية ودون أي تحيز أو إجحاف... "مما يتيح لنا الخطوة المسؤولة الأولى نحو التعرف المطلوب على الجمهور الحريدي".

وختم الكاتبان بالتعبير عن الأمل في "أن يحتل هذا الكتاب الإحصائي موقعه المستحق كمصدر معلومات موثوق حول الجمهور الحريدي في إسرائيل، عاداته وأنماط حياته".

نقص حاد في المعلومات عن "المجتمع الحريدي"

تلي هذه المقدمة، مقدمة المؤلفين الثلاثة معدّي البحث (د. غلعاد ملآخ، د. مايا حوشن ود. لي كاهنر) والتي يشيرون في مستهلها إلى أن الاهتمام بالسكان الحريديم يشهد تزايدا مستمرا منذ نهاية التسعينيات من القرن الماضي، وهو ما تعكسه زيادة الاهتمام الجماهيري والإعلامي بهذه الشريحة السكانية.

ويعيد الباحثون هذا الاهتمام المتزايد إلى الزيادة الديمغرافية السريعة التي حصلت لدى الحريديم بما لها من إسقاطات متعددة الأوجه والمجالات، اجتماعيا، اقتصاديا وسياسيا. ولكن، بالرغم من هذا الاهتمام العام المتزايد، بما يرافقه من نقاش وحوار، يبرز على السطح بقوة نقص المعلومات عن المجتمع الحريدي، سواء في قاعدة بيانات أو في أرشيف معلومات منهجي. والنتيجة ـ كما يرصدها الباحثون ـ حالة من عدم الوضوح في أسئلة أساسية ومركزية تتعلق بالمجتمع الحريدي، ابتداء من حجم جهازه التعليمي وانتهاء بمعدلات العمالة والبطالة بين أفراده، نمط الحياة الحريدي ومشاركة الحريديم في المشاريع الجديدة للخدمة العسكرية والمدنية وللتعليم العالي.

وبالاستناد إلى النتيجة المشار إليها آنفا، يأتي هذا "الكتاب الإحصائي" ـ كما ينوه المؤلفون ـ بغية "توفير أجوبة على الأسئلة المذكورة، من خلال تجميع كل المعطيات عن المجتمع الحريدي في إسرائيل بين دفتي إصدار واحد، وهو ما لم يحصل في إسرائيل من قبل، إطلاقا". فهو يشمل معطيات عن الديمغرافيا الحريدية، أنماط تصويت الحريديم للكنيست، جهاز التعليم الحريدي، أنماط الشغل ومجالاته، معدلات الفقر، مستوى المعيشة وأنماط الحياة. ويشمل الكتاب جميع المعطيات المحدثة إلى جانب المعطيات عن الماضي، كي يكون بالإمكان مقارنة المعطيات واستخلاص العبر بشأن وجهات التحول والتطور عبر السنوات.

ويشدد المؤلفون على أن المعلومات الواردة في "الكتاب الإحصائي" تعرض المجتمع الحريدي بوصفه مجتمعا متعدد الأوجه يتميز، في حالات معينة، بصورة مختلفة تماما عن تلك المرتسمة عنه لدى الجمهور الإسرائيلي عموما، يختلف عن المجتمع الإسرائيلي العام أحيانا ومشابه له في أحيان أخرى. "وفي الإجمال، يمكن القول إن المعلومات تبين أن المجتمع الحريدي هو مجتمع محافظ، لكنه يشهد في الوقت نفسه تحولات وتغيرات سريعة". وإلى جانب ذلك، هو "مجتمع دينامي ومتنوع، خلافا للفكرة السائدة لدى الجمهور العام في إسرائيل عن أنه "كتلة سوداء" تسود فيه أنماط سلوكية وحياتية واحدة وموحدة".

ويلفت معدو البحث إلى أن "الكتاب الإحصائي عن المجتمع الحريدي" وضع لنفسه هدفا يتمثل في مساعدة صناع القرارات، رجال الإعلام والأعمال، الباحثين وكل المهتمين بهذا المجتمع، من الحريديم وغير الحريديم، على التعامل بصورة أفضل مع هذا المجتمع، خاصة وأنه (الكتاب) يشكل أداة حيوية لتقييم الوجهات والسيرورات المختلفة في المجتمع الحريدي.

التوقعات بشأن التعداد السكاني

حتى نهاية العام 2015، بلغ تعداد السكان الذين يشكلون "المجتمع الحريدي في إسرائيل" نحو 950 ألف نسمة، ما يعني أن 1 من بين كل 9 إسرائيليين هو حريدي. وهذا يعني أن "المجتمع الحريدي" كان يشكل ما نسبته 11% من مجموع السكان في إسرائيل، حتى نهاية 2015.

وتجمع جميع التقارير والدراسات المختلفة على أن هذه الفئة السكانية ستزداد عددا بوتيرة سريعة، وفق كل التوقعات، وخاصة في المدى المنظور على الأقل. ذلك أن معدل الزيادة الطبيعية لدى الحريديم هو 4% في السنة، مقابل معدل زيادة طبيعية يبلغ 1% فقط بين السكان اليهود غير الحريديم.

وفي هذا السياق، تنبغي الإشارة إلى أن انخفاضا طفيفا يسجل خلال السنوات الأخيرة في معدلات الخصوبة (الإنجاب) بين النساء في الوسط الحريدي: معدل 9ر6 ولد للمرأة الواحدة، في المتوسط، في نهاية 2015، مقابل 5ر7 ولد للمرأة الواحدة، في المتوسط، في بداية سنوات الألفين.

وتشير توقعات التعداد السكاني في إسرائيل في إسرائيل خلال السنوات من 2009 حتى 2059 ـ حسبما أعدت في المكتب المركزي للإحصاء ـ إلى ما يلي: نسبة السكان الحريديم من مجموع السكان في إسرائيل سترتفع في العام 2024 إلى 14% (مقابل 11% في نهاية 2015)، ثم إلى 19% في العام 2039 وإلى 27% في العام 2059. وفي هذه السنة (2059) يتوقع أن يشكل السكان الحريديم ما نسبته 35% من مجموع السكان اليهود في دولة إسرائيل.

ويتوقع أن تواصل نسبة الإنجاب الهبوط في المجتمع الحريدي حتى تصل إلى 5ر5 ولد للمرأة الواحدة بين السنوات 2025 و 2029.
المثير في الأمر هنا أن التوقعات تشير إلى أن عدد السكان الحريديم سيتساوى مع عدد الفلسطينيين مواطني إسرائيل في العام 2054، إذ سيبلغ تعداد كل مجموعة منهما نحو ثلاثة ملايين إنسان، ثم يزداد عدد الحريديم ويفوق عدد العرب الفلسطينيين من تلك السنة فصاعداً.

التعليم والثقافة

تتعزز وتتسع، باستمرار منذ سنوات، ظاهرة توجه الحريديم إلى استكمال دراساتهم الجامعية، على الرغم من أن نسبة مستحقي شهادة الثانوية العامة (البجروت) في مدارس الحريديم الثانوية هي نسبة متدنية جدا، حتى الآن ـ نحو 10% فقط من الطلاب الذين ينهون مرحلة التعليم الثانوية (الصف الثاني عشر) يستحقون الحصول على شهادة "البجروت".

وإلى جانب هذا، يزدهر "عالم المدارس والمعاهد الحريدية"، كما يصفها كتاب البحث، إذ أصبح يشمل، حتى نهاية العام 2015، نحو 108 آلاف طالب. ويشير البحث إلى أن وتيرة الزيادة في عدد طلاب المدارس والمعاهد الحريدية تتميز بعدم الثبات خلال السنوات الأخيرة، بل تتغير باستمرار بفعل عوامل مختلفة، من بينها مستوى المساعدات المالية المتغيرة التي ترصدها الدولة لهذه المؤسسات التعليمية (وهذا مرتبط، بطبيعة الحال، بتركيبة الائتلاف الحكومي الحاكم وبما إذا كانت أحزاب الحريديم جزءا من الائتلاف وجزاء من الحكومة الحاكمة أم لا).

العمالة والبطالة

في العام 2015، وللمرة الأولى، وصلت نسبة الرجال الحريديم العاملين إلى 50% من مجموع الرجال الحريديم في البلاد. أما نسبة النساء العاملات في المجتمع الحريدي فبلغت 73%، مقابل 81% بين النساء اليهوديات من خارج الوسط الحريدي.

ويتبين أن التغيرات في احتياجات الاقتصادات المنزلية لدى الحريديم، سوية مع السياسة الحكومية الداعمة اقتصاديا، أدت إلى ارتفاع نسبة العمالة في الوسط الحريدي من 36% بين الرجال و51% بين النساء في العام 2003 إلى 50% بين الرجال و 73% بين النساء في العام 2015، وهو ارتفاع حاد نسبيا.

ويعمل أكثر من ثُلث العمال الحريديم بوظيفة جزئية، مقابل أقل من خُمس العمال اليهود غير الحريديم الذين يعملون بوظيفة جزئية، إذ أن أغلبية الأخيرين تعمل بوظيفة كاملة.

الوضع الاقتصادي والفقر

من المعروف أن انتشار الفقر وتأثيره على مستوى المعيشة في المجتمع الحريدي في إسرائيل أكبر بكثير جدا من انتشاره وتأثيره على المجتمع اليهودي غير الحريدي. ومن المعروف، أيضا، أن نسبة الحريديم الذين يعيشون تحت "خط الفقر" أعلى بكثير من نسبتهم العامة في البلاد (النسبة بين المواطنين العرب فقط أعلى منها) وأعلى، بالطبع، من نسبتهم من بين اليهود غير الحريديم ـ 58% بين الحريديم، مقابل 10% بين اليهود غير الحريديم.

وعلى ضوء ذلك، يعيش نحو رُبع السكان الحريديم في حالة انعدام الأمن الغذائي ودخل الفرد الواحد منهم يقل بنحو 47% عن دخل الفرد الواحد من الجمهور اليهودي غير الحريدي.

وعلى الرغم من هذا كله، حافظت نسبة الفقر في المجتمع الحريدي على "استقرارها وثباتها" (!) منذ العام 2006 وحتى اليوم، فلم ترتفع ولم تنخفض، وهو ما يجعل الحريديم ربما يعبرون عن "رضى كبير" من وضعهم الاقتصادي ـ الاجتماعي، وهو رضى يعادل رضى اليهود غير الحريديم، بينما يزيد بكثير عن رضى مجمل السكان في إسرائيل عامة!

الإثنين, مايو 20, 2019

مركز مدار

المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية "مدار"، هو مركز بحثي مستقل متخصص بالشأن الإسرائيلي، مقره في مدينة رام الله. تأسس في  العام 2000، بمبادرة مجموعة من المثقفين والأكاديميين الفلسطينيين، من بينهم: الشاعر الكبير الراحل محمود درويش، د. ليلى فيضي، د. علي الجرباوي، د. أحمد حرب، وليد الأحمد، وأكرم هنية. تم تسجيل المركز كجمعية أهلية غير ربحية.

القائمة البريدية