47% من الطلاب في صفوف الثاني عشر في المدارس الثانوية في إسرائيل خلال العام الدراسي قبل الأخير (2014- 2015) لم يستحقوا الحصول على شهادة الثانوية العامة ("البجروت")، مقابل 53% فقط استحقوا الحصول على هذه الشهادة، ونحو خُمس مجموع الطلاب في المدارس الثانوية في إسرائيل "تسرّبوا" ("تساقطوا") من مدارسهم قبل أن يترفعوا إلى الصف الثاني عشر، وهو الصف الأخير في مرحلة التعليم الثانوي. وقد بلغت نسبة "التسرب" بين طلاب المدارس الثانوية لدى المتدينين الحريديم نحو 46% من مجموع الطلاب في المرحلة الثانوية، بينما بلغت في الوسط العربي عامة (يقول التقرير: "العرب، بدون البدو والدروز") نحو 20% ـ هي النسبة العامة التي يشكلها المواطنون العرب من مجمل المواطنين في دولة إسرائيل.

هذه من بين النتائج الأبرز التي توصل إليها تقرير خاص أعده باحثو مركز "أدفا" (معلومات حول المساواة والعدالة الاجتماعية في إسرائيل) وأصدره المركز يوم الخميس الماضي (18 آب)، عشية الافتتاح المرتقب للسنة الدراسية الجديدة (2016- 2017) في مطلع شهر أيلول القريب. وقد صدر التقرير، الذي أعدّه كل من شلومو سفيرسكي وإيتي كونور ـ أطياس ونوغا دغان ـ بوزاغلو، تحت العنوان التالي: "عشية السنة التعليمية 2016- 2017: أين النصف الآخر (الثاني)؟ أبناء الشبيبة الذين لا يستحقون شهادة البجروت".

في محاولة الإجابة على هذا السؤال (أين الذين لم يحصلوا على شهادة البجروت؟) ، يقول تقرير مركز "أدفا" إن "هناك إجابتين أساسيتين"، هما:

1. التسرّب ـ في ازدياد متواصل!

وفقًا لمعطيات 2014، وهي السنة الأخيرة التي صدرت بشأنها بيانات كاملة، فإن حوالي خُمس أبناء الشبيبة (5ر19%) لم يتعلّموا في الصف الثاني عشر، إطلاقا. أي أنهم "تساقطوا" و"تسربوا" من مقاعد الدراسة قبل بلوغ الصف الثاني عشر. والنسبة الأعلى لتسرب الطلاب في المدارس الثانوية هي بين المتدينين الحريديم (7ر45%)، يليهم المواطنون البدو في النقب (2ر36%)، ثم "العرب، بدون البدو والدروز" (7ر19%) ثم الدروز (5ر15%). أما نسبة "التسرب" من المدارس الثانوية العربية في القدس الشرقية، فقد بلغت وفق تقديرات متوفرة عن العام الدراسي 2012 ـ 2013 نحو 36%، أي أن هؤلاء لم يبلغوا الصف الثاني عشر قَطّ.

ويوضح التقرير أن 7574 طالبة وطالباً "تسربوا" خلال السنة الدراسية قبل الأخيرة (2014 ـ 2015) فأوقفوا دراستهم في مختلف المدارس الثانوية في إسرائيل، وفق التوزيعة التالية: 1981 طالبة وطالباً (2%) "تسربوا" من صفوف العاشر؛ 4651 طالبة وطالباً (5%) "تسربوا" من صفوف الحادي عشر و 942 طالبة وطالباً (1%) "تسربوا" من صفوف الثاني عشر.

ويقتبس تقرير مركز "أدفا" ما ورد في تقرير رسمي سابق صدر عن وزارة التربية والتعليم الإسرائيلية وأفاد بأن معدلات "تسرب" الطلاب من مدارس المرحلة الثانوية في إسرائيل قد ارتفعت في السنة الدراسية 2014 ـ 2015 بنسبة 2ر0% عما كانت عليه في السنة الدراسية التي سبقتها، 2013- 2014.

وسُجِّلت نسبة "التسرب" الأعلى بين الطلاب (اليهود) الذين هاجروا إلى إسرائيل منذ العام 2006، تلتها نسبة "التسرب" بين الطلاب الحريديم. ففي السنة الدراسية المذكورة، 2014- 2015، بلغت نسبة "المتسربين" من صفوف الحادي عشر نحو 16% من مجموع الطلاب الثانويين من المهاجرين الجدد إلى إسرائيل ونحو 15% من مجموع الطلاب الثانويين من الحريديم. وفي الحالتين، كما بيّن التقرير، كانت نسبة الطلاب "المتسربين" أعلى من نسبة الطالبات "المتسربات".

ويشير تقرير "أدفا" إلى أن نحو الثلث من مجموع الطلاب "المتسربين" من مختلف محطات مرحلة التعليم الثانوي ينتقلون إلى الدراسة في أطر أخرى، إذ انتقل نحو 19% منهم إلى الدراسة في مدارس تابعة لوزارة الاقتصاد ("مدارس صناعية") بينما انتقل نحو 14% منهم إلى الدراسة في مدارس دينية يهودية ("ييشيفوت").

وزيادة على "المتسربين"، الذين لا يستحقون بطبيعة الحال الحصول على شهادة إنهاء الثانوية العامة (البجروت)، هنالك طلاب كثيرون يخضعون لمراقبة ومتابعة "ضباط الدوام المنتظم" وهؤلاء تقل فرص استحقاقهم الحصول على شهادة البجروت بصورة حادة جدا، حتى تكاد تكون معدومة تماما. وفي هذا الصدد، تفيد معطيات "المجلس الوطني لسلامة الطفل" الإسرائيلي بأن مجمل عدد الطلاب الثانويين الخاضعين لمراقبة ومتابعة "ضباط الدوام المنتظم" في إسرائيل قد بلغ في السنة الدراسية السابقة 38200 طالبة وطالب، 62% منهم (23684 طالبة وطالباً) هم طلاب يهود و 32% (12224) هم طلاب عرب، وهي نسبة تزيد بكثير عن نسبة المواطنين العرب الكليّة من مجمل المواطنين في إسرائيل (20%).

وتُضاف إلى هاتين المجموعتين، أيضا، مجموعة ثالثة هي مجموعة الطلاب الذين درسوا في مسارات تعليم مهنيّة وتشغيلية خلال السنة الدراسية المعنية، 2014- 2015، والذين شكّلوا نسبة 27% من مجموع أبناء الشبيبة الذين يتعلمون في شبكات مدارس مهنية وصناعية، مثل "أورط" و"عَمال" وغيرهما.

ومعاً، تشكل هذه المجموعات الثلاث بالإجمال ("المتسربون" الذين ينتقلون إلى الدراسة في أطر تعليمية أخرى، الخاضعون لمراقبة ومتابعة "ضباط الدوام المنتظم" والذين يدرسون في مسارات مهنية مختلفة) نسبة أبناء 17 عاماً الذين لا يستحقون شهادة البجروت ولا يحصلون عليها.

2. مدارس كثيرة تديرها شبكات التعليم المهني

الإجابة الثانية على السؤال "أين النصف الآخر؟" تكمن في حقيقة أن العديد من البلدات الصغيرة ذات الموارد المتواضعة، مثل "بلدات التطوير" اليهودية والعديد من البلدات العربية، تلجأ السلطات المحليّة فيها إلى "تسليم" مدارسها الثانوية المحلية لشبكات خارجية تتخصَّص، أساساً، في التعليم المهني بحيث تتولى هذه الشبكات تشغيل هذه المدارس وإدارتها.

وتُظهِر بيانات عن الشبكتَين الكبريَين، "أورط" و"عَمال"، أن الأولى شغّلت في السنة الدراسية 2014- 2015 (99) مدرسة، أُدرِجت مساقات نظرية في 38 منها، في 58 منها أدرجت مساقات تكنولوجية وفي 72 منها أدرجت مساقات مهنية. وشغَلت شبكة "عَمال" 60 مدرسة، أدرجت في 21 منها مساقات نظرية، وفي 9 منها مساقات تكنولوجية وفي 33 منها أدرجت مساقات مهنية. هذا، مع العلم بأن المدارس في كلتا الشبكتين تخضع لإشراف كل من وزارة التربية والتعليم ووزارة الاقتصاد.

71% من مجمل مدارس الشبكتين المهنيتين الكبريَين، أورط وعَمال، هي في بلدات ذات تدريج اجتماعي اقتصادي متدنٍّ: 35 منها في بلدات عربية، 43 في "بلدات تطوير" يهودية و 35 إضافية في بلدات مدرَّجة في عناقيد اجتماعية اقتصادية من 1 إلى 5. أما البلدات التي تتمتع بوضع وتدريج اجتماعي ـ اقتصادي مرتفع فإنها تحصر المدارس المهنية فيها في الأحياء "الجنوبية" منها (أي، الفقيرة)، عادة.

ويشار هنا إلى أن المعطيات عن مسار التعليم التكنولوجي تفيد بأن 53% فقط من الطلاب في هذا المسار يستحقون شهادة البجروت بينما يستحقها 40% فقط من الطلاب في مسار التعليم المهنيّ.

ضغوط متواصلة ومتزايدة لتوسيع التعليم المهني

ثمّة شعور في إسرائيل خلال السنوات الأخيرة بوجود ضغط متواصل ومتزايد نحو توسيع التعليم المهني. يثير هذا الضغط كثيرا من الاستهجان والاستغراب، إذ بلغت نسبة المتعلمين في المسارات التكنولوجية في العام 2014 حوالي 40%، وهي نسبة لا تقل عن المتوسط السائد في دول أوروبا الغربية.

لكن يبدو أن الضغط لتوسيع نطاق التعليم المهني ـ كما يقول تقرير "أدفا" ـ لا يعكس بالضرورة الحاجةَ إلى المزيد من الخرّيجين، بل يعكس سعياً إلى تعليم مهني آخر – التعليم المهني في ألمانيا على سبيل المثال. وتجدر الإشارة إلى أن نسبة استحقاق شهادة البجروت في المساقات المهنية، باستثناء المساق الهندسي، هي أقل منها في المساقات النظرية. فالتعليم المهني (باستثناء المساق الهندسي) يندرج في إسرائيل في إطار ما يسمى "معالجة الفضلات"، ما يعني أنه يستوعب التلاميذ الذين تقرَّر أنهم "غير صالحين" و"غير مناسبين" للدراسة في المساق النظري. غير أن التعليم في العديد من المساقات المهنية يتخلّف كثيرا عنه في المساقات النظرية، إذ لا يتلقّى الخرّيجون من هذه المساقات تأهيلا مهنيا يعترف به أرباب العمل، ويُنهي التلاميذ دراستهم دون اكتساب خبرة مهنية عملية. ويقول معدو تقرير "أدفا" إن دراسة أعدتها وأصدرتها منظمة التنمية والتعاون الاقتصادي OECD في هذا الصدد بيّنت أن الخريجين "يحملون بين أيديهم شهادات لا توصلهم في كثير جدا من الأحيان والحالات إلى أي مكان". وهذا ما ينبغي أن يثير خجلا عميقا لدينا"!

في المقابل، تعتمد ألمانيا منذ عدة سنوات تقليدًا تدريسيًّا يرافقه تأهيل عملي في مصانع تختارها الحكومة. يتلقّى المتدرِّبون أجرًا، ويشكّل مساق التأهيل المهني للكثيرين منهم ممرًّا لإشغال وظيفة ثابتة في المصنع مع انتهاء فترة الدراسة، عِلْمًا بأن شروط العمل والأجر تخضع لاتفاقات عمل جماعية. أما شروط الاعتراف والشهادة فتوضع في نهاية المساق باشتراك أرباب العمل والنقابات العمالية. وفي هذه المرحلة تنفتح الطريق أمام الخرّيجين ليواصلوا دراستهم في كلية تكنولوجية، بل في إحدى الجامعات إن هم استكملوا بعض المواضيع.

ويؤكد تقرير مركز "أدفا" إنه إذا كان هذا هو ما يسعى إليه أولئك الذين يمارسون الضغط لتوسيع نطاق التعليم المهني في إسرائيل، فالمطلوب هنا ليس توسيع المساقات المهنية القائمة، بل إجراء إصلاح واسع النطاق في عدد من النُظُم: مستوى التعليم في المدارس، أنظمة الرقابة المعتمَدة في وزارة التربية والتعليم، تشريعات العمل، نظام الأجور، التعاون بين أرباب العمل والنقابات المهنية وغير ذلك.

ويضيف: "مع ذلك، وقبل الدخول إلى مسار واسع كهذا، لا بد من السؤال ما إذا كان هذا هو الاتجاه الذي يرغب المجتمع الإسرائيلي في السير فيه، حقا. هل من الأَوْلى أن نواصل الغربلة منذ الصّغر – نهاية المرحلة الإعدادية – بين مَن سيذهب إلى صفوف الصدارة، القيادة والبحوث، وأولئك الذين سيذهبون إلى خطوط الإنتاج والمهن الخدماتية؟ أليس من المنطقي أكثر توفير الفرص المتساوية أمام جميع التلاميذ ليحصلوا على تعليم عام واسع، بما في ذلك اللقب الأكاديمي الأول، ثم أن تُطرح أمامهم، بعد ذلك فقط، الإمكانيات المهنية المختلفة؟".

وقال د. شلومو سفيرسكي، أحد معدّي تقرير "أدفا"، إن "جميع الأولاد والشباب في إسرائيل يستحقون الحصول على التعليم، الثقافة وشهادة البجروت، فضلا عن إمكانية مواصلة التعليم قدما نحو الدراسة الجامعية. ولا يُعقل أن نحو النصف من أبناء الشبيبة في إسرائيل لا يصلون حتى إلى شهادة إنهاء الثانوية، البجروت".

وأضاف د. سفيرسكي أن "المُعطيين الأكثر أهمية اللذين يظهران من هذا التقرير هما: 1. حجم ظاهرة "التسرب" وهجر المقاعد الدراسة في مرحلة التعليم الثانوي؛ 2. حقيقة أن 27% من مجموع الطلاب الذين يصلون إلى الصف الثاني عشر ـ الصف الأخير في المدرسة الثانوية ـ يتعلمون في مسارات مهنية وتكنولوجية، وهي مسارات نسبة استحقاق شهادة البجروت فيها متدنية". وأردف: "أعتقد بأن من واجب حكومة إسرائيل ووزارة التربية والتعليم وضع هدف واضح يتمثل في خفض هذه النسبة من 27% إلى 5%".

الأربعاء, يوليو 17, 2019

مركز مدار

المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية "مدار"، هو مركز بحثي مستقل متخصص بالشأن الإسرائيلي، مقره في مدينة رام الله. تأسس في  العام 2000، بمبادرة مجموعة من المثقفين والأكاديميين الفلسطينيين، من بينهم: الشاعر الكبير الراحل محمود درويش، د. ليلى فيضي، د. علي الجرباوي، د. أحمد حرب، وليد الأحمد، وأكرم هنية. تم تسجيل المركز كجمعية أهلية غير ربحية.

القائمة البريدية