(*) نواصل في هذا العدد من "المشهد الإسرائيلي" تناول المزيد من التداعيات المترتبة على نتائج الانتخابات الإسرائيلية العامة للكنيست الـ21، التي جرت يوم 9 نيسان الفائت، من زوايا أخرى جديدة لكن مُكملة.

 

وأولى هذه الزوايا هي ما أظهره بحث نشره البروفسور دان بن دافيد من "معهد شورش للدراسات الاقتصادية-الاجتماعية" الذي يفحص نتائج الانتخابات الإسرائيلية منذ أعوام عديدة، أن عدداً كبيراً من أصوات العرب في إسرائيل ذهب إلى أحزاب غير عربية، صهيونية، حيث وصل معدل التصويت بين العرب إلى 49 بالمئة، بينما بلغ عدد الأصوات التي حصلت عليها الأحزاب العربية نحو 32 بالمئة من مجموع أصحاب حق الاقتراع العرب (في سن 18 عاماً وما فوق)، ما يعني أن نحو ثلث المصوتين العرب منحوا أصواتهم إلى أحزاب صهيونية. كما أظهر البحث أن ليس اليهود الحريديم (المتشددون دينياً) فقط صوتوا لأحزاب حريدية، بل إن عدداً كبيراً من الناخبين غير الحريديم صوتوا لهذه الأحزاب أيضاً.

ولفت البحث كذلك إلى أن تغيّر موازين القوى السياسية في إسرائيل منذ انتخابات العام 1977 ناجم عن الانزياح العام للجمهور الإسرائيلي نحو اليمين من جهة، وعن ازدياد وزن الأحزاب الحريدية من جهة أخرى. فمثلاً، في انتخابات العام 1973، حين لم يكن الحريديم جزءاً من الائتلاف الحاكم بعد، حصلوا على 7ر3 بالمئة من مجموع الأصوات. وارتفعت هذه النسبة في الانتخابات الأخيرة (نيسان 2019) إلى 7ر11 بالمئة من مجموع المقترعين. وأحزاب الحريديم التي لم تكن جزءاً من أي ائتلاف حكومي قبل العام 1977 (حزب شاس دخل إلى الكنيست لأول مرة في العام 1984)، كانت جزءاً من الائتلاف الحكومي خلال 39 عاماً من أصل الأعوام الـ 42 التي مرت منذ العام 1977.

ويعرض البحث الجديد، على نحو مفصّل، النتائج الاقتصادية الناجمة عن التغيرات الديمغرافية التي تشير إلى ارتفاع نسبة الحريديم بين السكان اليهود، ويوضح أن الرد السائد الذي يقول إن المجتمع الحريدي يشهد عمليات تغيير وإن الآلاف من أبنائه يرغبون بالحصول على دراسة أكاديمية هو مجرّد هراء، وأن أغلبية أبناء هذا المجتمع، المُرشّح لأن يصبح أولاده نصف مجموع الأولاد في إسرائيل في غضون جيلين اثنين فقط، وفقاً للتوقعات الديمغرافية التي نشرها المكتب المركزي للإحصاء، ستستمر في عدم تعلّم المواضيع الأساسية التي يمكنها أن تتيح لهم فرصاً تشغيلية عندما يصبحون بالغين، ما يعني بحسب رئيس تحرير صحيفة "هآرتس" ألوف بن تضييع نصف الأولاد هنا وقتهم في تعليم ديني لا قيمة له. يُضاف إلى هذا أن التلميذ الذي لم يدرس لغات ومادة الحساب في طفولته، سيكون من الصعب عليه جداً أن يردم الفجوة في سن العشرين. ويعني ذلك، من ضمن أمور أخرى، أن إسرائيل تربّي جيلاً كاملاً من الجهلة غير المتعلمين، الذين يطيعون وصايا الحاخامين، ولا توجد وصفة أكثر وضوحاً من هذا للانتحار الاقتصادي والسياسي، على حدّ ما يؤكد بن.
ثمة زاوية أخرى ليست أقل أهمية تتيحها الاستنتاجات التي توصلت إليها ورقة "تقدير موقف" جديدة أعدّها "مركز مولاد لتجديد الديمقراطية في إسرائيل" ونشرها في أيار الحالي تحت عنوان "خمسة أمور يجدر معرفتها عن الانتخابات" الإسرائيلية العامة.

وسواء اتفقنا مع بعض هذه الاستنتاجات أو لم نتفق مع معظمها، فإن طريقة عرض الأمور تشي بأن أحد أهم أسباب رسوخ حُكم اليمين في إسرائيل يعود إلى أن القوى السياسية المُعارضة لهذا الحُكم على أحزابها الشتيتة تفتقر إلى أي رؤية بديلة، كما أن هذه الأحزاب ليست مبنية لأن تكون في المعارضة لأنها ليست حقيقةً معارضة أيديولوجية وإنما هي سوق أفكار بالمُفرّق. وتشير الورقة على وجه خاص إلى أن حملة الانتخابات التي قادتها تلك الأحزاب لم تقم بتحدّي اليمين كونها لم تعرض أي بديل أو فكرة أو بلاغاً واضحاً. وكما جاء فيها: إن "الرسميّة" ليست رؤية سياسية، مثلما أن اللباقة والأدب ليسا بديلاً للقائد. ويجب اتخاذ قرار حاسم: لا يمكن البناء في المستوطنات في كل الضفة الغربية والسعي للانفصال عن الفلسطينيين في الآن ذاته؛ لا يمكن دعم "قانون القومية" الإسرائيلي والوقوف ضد التحريض في المجتمع. وحين لا يتم التعبير عن موقف واضح يصبح الأمر أشبه بلعب كرة القدم مع أرجل مقيدة. وحين يصرخون عليك طيلة الوقت من الجهة الأخرى بأنك خائن، ومريض نفسي، ويسار ضعيف، وكل ما لديك لتردّ به وبصوت خفيض هو أنه ليس هناك يمين ولا يسار، فإنك تكون قد هُزمت.

كذلك لا بُدّ من التنويه بالدلالة التي تتوقف عندها هذه الورقة بخصوص ما تسميه سيرورة "التمركز في الوسط"، والتي وقفت في صلبها وما تزال نظرية فحواها تمويه الفروق الأيديولوجية بين اليمين واليسار، وإقامة حركة وسط، لكن يُستنتَج أن هذه النظرية وحدها لا تحقق انتصاراً في الانتخابات مثلما ثبت مرة تلو الأخرى على مدى الأعوام، فضلاً عن تسببها بضرر هائل لما تصفه بأنه "المعسكر الليبرالي والديمقراطي في إسرائيل".

ولعلّ أبلغ ما تؤكده هذه الورقة أنه لا يمكن الانتصار على حُكم اليمين في الانتخابات وبصورة عامة من دون بناء بديل سياسي حقيقي ومثابر له على الأصعدة كافة، وأساساً على الصعيد السياسيّ.

الأربعاء, أغسطس 21, 2019

مركز مدار

المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية "مدار"، هو مركز بحثي مستقل متخصص بالشأن الإسرائيلي، مقره في مدينة رام الله. تأسس في  العام 2000، بمبادرة مجموعة من المثقفين والأكاديميين الفلسطينيين، من بينهم: الشاعر الكبير الراحل محمود درويش، د. ليلى فيضي، د. علي الجرباوي، د. أحمد حرب، وليد الأحمد، وأكرم هنية. تم تسجيل المركز كجمعية أهلية غير ربحية.

القائمة البريدية