أصدرت منظمة "بتسيلم" (مركز المعلومات الإسرائيلي لحقوق الإنسان في الأراضي المحتلة) تقريراً جديداً استهجنت فيه موافقة المحكمة العليا على قيام إسرائيل باحتجاز جثامين فلسطينيين لـ"غرض التفاوض"، وأشارت إلى أن المحكمة أكدت مرة أخرى بهذه الموافقة أنها ذراع للاحتلال الإسرائيلي لا أكثر.
وجاء في التقرير:

وفقاً للمعطيات التي في حوزة "بتسيلم" تحتجز إسرائيل حالياً ما لا يقل عن 52 جثماناً لفلسطينيين نفذوا عمليات أو زعم الجيش أنهم حاولوا تنفيذ عمليات وترفض إعادتهم إلى أسرهم، التي تعاني جراء ذلك آلاماً كبيرة إذ لا تستطيع دفن موتاها وإقامة الحداد عليهم كما تقتضي العادات.

إن استخدام احتجاز جثامين فلسطينيين كورقة مساومة في أية مفاوضات مستقبلية جزءٌ من سياسة تتبعها إسرائيل منذ سنوات طويلة غير أنها سياسة ظلت دائماً غامضة. وفي فترات معينة بدا أن القرار في هذا الشأن يُتخذ بشكل فوري وبالنظر إلى كل حالة وحالة تبعاً للضغط الذي يُمارس على الجهاز وكذا اعتبارات سياسية. في فترات أخرى كان رفض إعادة جثامين فلسطينيين قاعدة بالنسبة لإسرائيل وأحياناً أخرى اتبعت الدولة إعادة الجثامين. منذ أن بدأت موجة العمليات في تشرين الأول 2015 عادت إسرائيل إلى احتجاز جثامين فلسطينيين نفذوا عمليات أو اشتُبه بأنهم نفذوها بعضُها أعادته إلى الأسر بعد مضي أشهر عديدة.

الغموض يكتنف ليس السياسة وحدها بل أيضاً العدد الدقيق للجثامين التي احتجزتها إسرائيل منذ عام 1967 علماً أنها أعادت قسماً منها. فهي مئات وفقاً لتقديرات مختلفة. وهناك معلومات قُدمت للمحكمة العليا في سياق التماسات ذات صلة تفيد أن إسرائيل أجرت بين الأعوام 1991 و2008 صفقات سلمت بموجبها 405 جثامين لقاء إعادة جثامين جنود.

في الفاتح من كانون الثاني 2017 صادق الكابينيت (المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغر للشؤون السياسية- الأمنية) للمرة الأولى على قرار عنوانه "سياسة موحدة في شأن التعامل مع جثامين المخربين". وجاء في القرار أنه من حيث المبدأ "يتم إعادة جثامين المخربين بشروط تقييدية تضعها الجهات الأمنية". وجاء أيضاً أن إسرائيل لا تعيد جثامين "مخربين يُنسبون إلى حماس" ولا "جثامين مخربين نفذوا عمليات إرهابية استثنائية على نحوٍ خاص".

قُدم إلى محكمة العدل العليا التماس رفعته ست أسر نفذ أبناؤها عمليات أو اشتبه في أنهم نفذوها وترفض إسرائيل إعادة جثامينهم. وادعت الدولة أنها تستمد سلطتها من البند 133 (3) لأنظمة الدفاع في أوقات الطوارئ والتي تنص على ما يلي: "رغم كل ما هو وارد في أي قانون يُسمح للمسؤول العسكري أن يصدر أمراً بدفن جثمان أي شخص في أي مكان يرتئيه. كما يُسمح له بموجب الأمر نفسه أن يقرر من يدفن ذلك الجثمان وفي أية ساعة يتم دفنه. الأمر المذكور بمثابة إجازة تامة وكافية لدفن ذلك الجثمان وكل من يخالف الأمر أو يعيق تنفيذه يواجه تهمة مخالفة هذه التعليمات".

تم قبول الالتماس بأغلبية آراء القاضيين يورام دنتسيغر وجورج قرا فيما خالفهما الرأي القاضي نيل هاندل. وقرر دنتسيغر أن البند 133(3) لأنظمة حماية الطوارئ لا يخول الدولة صلاحية احتجاز الجثامين لغرض التفاوض لكنه مع ذلك لم يحكُم بأن على الدولة إعادة الجثامين إلى الأسر بل أمهلها ستة أشهر لتسن خلالها قانوناً يخولها صلاحية احتجاز الجثامين وإذا لم يتم سن مثل هذا القانون حتى نهاية هذه الفترة يتعين على الدولة إعادة الجثامين إلى الأسَر. وبدلاً من أن تسن الدولة قانوناً تقدمت بطلب مناقشة إضافية أمام فريق قضاة موسع ادعت خلالها أن القانون الحالي يمكنها من احتجاز الجثامين. قُبلت حجج الدولة على هذا الادعاء وتم بالتالي قلب الحُكم السابق بأغلبية آراء القضاة حيث أقروا بأن القانون الحالي يخول الدولة صلاحية احتجاز الجثامين لغرض التفاوض. والقرار الأساسي في المناقشة الإضافية كتبته رئيسة المحكمة العليا القاضية إستير حيوت وانضم إليها في كتابة التوصيات القضاة نيل هاندل وإسحاق عميت ونوعام سولبرغ. أما آراء الأقلية فقد كتبها القضاة عوزي فوغلمان وجورج قرا ودفنا باراك- إيرز.

منذ افتتاحية سرد قرار الحكم توضح الرئيسة حيوت أن احتجاز الجثامين "يتضمن انتهاكاً معيناً لكرامة الميت وأسرته" ومن هنا فهو يقتضي وجود نص واضح في القانون يجيز ذلك: "لا ينبغي تأويل أي قانون بطريقة تجيز انتهاك حقوق أساسية إلا إذا وردت إجازة ذلك في نص واضح وقطعي وصريح". هل يتضمن البند 133 (3) نصاً كهذا يجيز للمسؤول العسكري أن يأمر بدفن جثامين مخربين مؤقتاً ليُحتفظ بها لأغراض التفاوض؟ هذا هو السؤال الذي تصدت الرئيسة للإجابة عليه. توافق الرئيسة على أن "نص البند لا يذكر الدفن المؤقت لغرض التفاوض" وأن "النص ليس قطعياً" ولذلك فإن التأويل الأول الذي خرج به القاضي دنتسيغر "ممكن من الناحية اللغوية". ولكنها تضيف: "طالما أن لغة البند ليست قطعية بل تتيح تأويلات مختلفة يجب إذن فحص جوهر البند أي: القيم والغايات والسياسة التي جاء ليحققها".

من هنا تنتقل الرئيسة لإجراء فحص الجوهر الذاتي للبند - أي مقاصد من صاغوه. تقرر القاضية أن تعليمات الدفاع التي سنتها السلطات البريطانية هي "تشريعات طوارئ أمنية - عسكرية تشمل صلاحيات تطبيق واسعة وأدوات متنوعة، إدارية وعقابية لأجل مكافحة الإرهاب بشتى أنواعه". البند 133(3) نفسه قد طرأت عليه على مر السنين عدة تغييرات: في البداية تناول البند فقط "دفن الأسرى الذين جرى إعدامهم ولم يطالب أحد بجثامينهم" غير أنه في الصيغة الأخيرة للبند "تم توسيع الصلاحية المخولة للحاكم العسكري من جثامين أسرى إلى جثمان أي إنسان. شُطب منه الإيعاز بدفن الميت في مقبرة جماعته ونُقلت صلاحية منع إعادة الجثمان من قادة المناطق إلى الحاكم العسكري". ترى الرئيسة حيوت أن هذه التغييرات تدل على "توسيع الصلاحية المتعلقة بالدفن في التعليمات التي وُضعت بوضوح لغاية أمنية كما ذُكر" وعليه فالغاية من البند "توفير أداة مرنة في يد الحاكم العسكري في كل ما يخص معالجة مسائل دفن جثامين على خلفية أمنية".

بعد ذلك تنتقل الرئيسة لإجراء فحص الغاية الموضوعية من التعليمات بما في ذلك التطرق إلى الغايات والمبادئ الأساسية للنظام القضائي الإسرائيلي انطلاقاً من فرضية أن القانون "غايته إحقاق حقوق الإنسان وإقامة سلطة القانون وفصل السلطات وتأمين العدل والأخلاق والدفاع عن وجود الدولة وأمنها". تقول الرئيسة إن الغاية الأساسية من هذا البند هي فقط "الحفاظ على أمن الدولة مع التركيز على مكافحة الإرهاب". ولكنها توضح - استناداً إلى حُكم قضائي سابق كانت قد أصدرته - أن الإرهاب "لا يحترم عملياً أياً من قواعد اللعب التي وضعها العالم القديم ضمن قوانين الحرب وهذا واقع يُلزم أيضاً رجال القانون وليس فقط قوات الأمن بإعادة النظر بهدف التوصل إلى صياغة محدثة لهذه القوانين وملاءمتها للواقع الجديد". لذلك "حتى إذا كان المشرع الانتدابي لم يتصور وضعاً يُحتجز فيه جثمان لغرض التفاوض مع منظمات الإرهاب يجب أن تُفحص الغاية الموضوعية من البند على ضوء واقع حياتنا الحالي والتحديات التي يطرحها هذا الواقع".

ثم تلخص الرئيسة الغاية من البند 133(3) على النحو التالي: الغاية الموضوعية من تعليمات الدفاع هي تزويد قادة الدولة بأدوات فعالة لمكافحة الإرهاب والحفاظ على أمن الدولة ومواطنيها. وحيث أن التزامنا بالسعي الدائم لاستعادة مواطني إسرائيل وجثامين قتلى الجيش الإسرائيلي المحتجزين لدى منظمات الإرهاب هو في صُلب الحفاظ على أمن الدولة، فهي بالتالي في صُلب الغاية الموضوعية من البند 133(3). في اعتقادي أن البند 133(3) في بعض من غايته يخول الحاكم العسكري صلاحية التحفظ على جثامين المخربين بما في ذلك دفنها مؤقتاً بغية الحفاظ على أمن الدولة أو الحفاظ على كرامة شهداء العدو الذين لا يمكن إعادتهم.

وتشير حيوت إلى أن احتجاز الجثامين ينطوي حقاً على انتهاك حقوق الإنسان لكنه - في رأيها - انتهاك يكاد يكون هامشياً. وبذا تسلك حيوت طريق التأويل غير المعقول لكي تصل إلى استنتاج يجعل البند 133(3) لتعليمات الدفاع في أوقات الطوارئ يسمح للدولة باحتجاز جثامين كورقة مساومة، مخالفة في ذلك المبدأ الأساسي الواجب اتباعه في أي تأويل ألا وهو اختيار التأويل الأقل مساً بحقوق الإنسان ومبادئ سلطة القانون.

وأشار التقرير إلى أنه على مر السنوات شرعنت المحكمة العليا تقريباً كل انتهاكات إسرائيل لحقوق الإنسان في الأراضي المحتلة مستندة في ذلك إلى تأويلات قضائية باطلة تفرغ مبادئ القانون الدولي من أي مضمون علماً أنه وُضع ليوفر الحماية - ولو بالحد الأدنى - للسكان الواقعين تحت الاحتلال. وضمن ذلك أقرت المحكمة العليا هدم المنازل كوسيلة عقابية، والاعتقالات المديدة دون محاكمة، وفرض الحصار المستديم على قطاع غزة وحبس نحو مليوني شخص داخل القطاع، وترحيل تجمعات سكانية بأكملها عن منازلها، وأخيراً وليس آخراً أقرت بناء جدار الفصل على أراضٍ فلسطينية.
وليس قرار المحكمة بشأن احتجاز جثامين الفلسطينيين سوى حلقة أخرى في سلسلة طويلة. ومرة أخرى أكدت المحكمة استعدادها لإضفاء شرعية قانونية على أي غبن أو ظلم إذا كان يستهدف السكان الفلسطينيين وينتهك حقوق الإنسان. في هذه المرة اختارت الرئيسة حيوت تأويلاً ملتوياً لتعليمات الدفاع وتعاملاً أقرب إلى السطحي مع أحكام القانون الدولي.

وأضاف: لا يسن قضاة المحكمة العليا القوانين ولا هُم يضعون السياسات ولا ينفذونها ولكن من واجبهم أن يحكموا ما إذا كانت السياسة المطروحة أمامهم قانونية أم لا، وكذلك من واجبهم منع تنفيذها إذا كانت تخالف أحكام القانون الدولي والإسرائيلي وتنتهك حقوق الإنسان الفلسطيني في المناطق المحتلة. عوضاً عن ذلك يختار القضاة مرة تلو الأخرى أن يتجاهلوا السياق الأوسع الذي تُرتكَب في إطاره هذه الانتهاكات ونعني بذلك نظام الحكم العسكري الصارم الذي ينوء تحته الفلسطينيون الواقعون تحت الاحتلال منذ أكثر من خمسين عاماً مجردين من أية حقوق سياسية أو مشاركة في القرارات التي تمس صُلب حياتهم. هذه الظروف بالذات تستدعي التشدد في حمايتهم ولكن المحكمة العليا تسخر صلاحية الطعن والنقض القضائي الممنوحة لها لأجل تعزيز سلطة الدولة تحديداً حتى عندما تُفرض هذه السلطة بوسائل وحشية. وبذلك فإن القضاة يخلون ليس فقط بواجبات وظيفتهم بل يقومون بدور مركزي في شرعنة نظام الاحتلال بمجمله بحيث تُضفى على انتهاكات حقوق الإنسان التي يرتكبها بحُكم وجوده شرعية قانونية من الهيئة القضائية الأعلى في البلد.

 

ملحق المشهد الإسرائيلي يصدر بالتعاون مع وزارة الخارجية النرويجية، محتوى المقالات لا يعكس بالضرورة موقف وزارة الخارجية النرويجية.

الأربعاء, نوفمبر 13, 2019

مركز مدار

المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية "مدار"، هو مركز بحثي مستقل متخصص بالشأن الإسرائيلي، مقره في مدينة رام الله. تأسس في  العام 2000، بمبادرة مجموعة من المثقفين والأكاديميين الفلسطينيين، من بينهم: الشاعر الكبير الراحل محمود درويش، د. ليلى فيضي، د. علي الجرباوي، د. أحمد حرب، وليد الأحمد، وأكرم هنية. تم تسجيل المركز كجمعية أهلية غير ربحية.

القائمة البريدية