عاد إلى مقاعد التعليم في مطلع أيلول الجاري نحو 556 ألف طالب وطالبة عرب، وذلك من بين نحو مليونين و350 ألف طالب في جهاز التعليم الإسرائيلي. وكما في كل عام تتكشف صورة إشكالية، غير جديدة، لأوضاع التعليم العربي، سببها سياسة حكومية منهجية، لا تنصف الطالب العربي بسبب عقليّة تمييز اليهودي عليه، وكل هذا ضمن ما يصحّ اعتباره عقيدة في دولة تصرّ مؤسستها الحاكمة ونخبها المختلفة على أولوية المركب اليهودي فيها، إن كان في التعريف أو في القانون أو في السياسات المكتوبة والقرارات الحكومية وتطبيق هذه كلها معاً.

ربما الوضع الأقسى هو الذي يعاني منه الطلاب بل كل المجتمع العربي في النقب. فهناك ألوف الطلاب الذين لا يحظون بغرف دراسية لائقة. ففي المجلس الإقليمي القصوم، الذي يضم عدداً من القرى العربية التي ترفض السلطات الإسرائيلية الاعتراف بها، وبالتالي تسلب منها جميع الحقوق والخدمات الأساسية المتعارف عليها في كل العالم، هناك 18 ألف طالب يتعلمون في مبان مؤقتة غير لائقة، أي ما يشبه العربات المتنقلة، التي تفتقر إلى مقومات الأمان الأساسية، بالإضافة إلى أنها لا تشكل مدارس! بل إن المدرسة كمقر وحيّز بكل خصوصيته وملامحه التعليمية والاجتماعية، غير موجودة. انها عبارة عن مراكمة لمبان مؤقتة غير ثابتة، يجب الطرح السؤال عما يتركه مبناها على نفسية الطلاب الذين يُحشرون فيها.

مجلس إقليمي القصوم يضم، على الورق، 23 مدرسة و99 روضة أطفال من بينها 5 مدارس و32 روضة خارج منطقة نفوذ المجلس، يتعلم فيها طلاب القرى التي ترفض السلطات الاعتراف بها، وهي الغرة، تل الملح، السر، زعرورة، الباط، بير الحمام، تل عراد، الرويس، لقرين الحمرا والفرعة.

سياسة ترفض احترام حقوق وكرامة الطلاب والمعلمين والأهالي

تأخر افتتاح السنة الدراسية في المدارس المذكورة بسبب السياسة الحكومية، ممثلة بوزارة التعليم، نحوها. وقدم عدد من الهيئات التماسا إلى المحكمة العليا طالبوا فيه بتغيير السياسة واحترام حقوق وكرامة الطلاب والمعلمين والأهالي.

لجنة متابعة قضايا التعليم العربي قالت بهذا الصدد: نشأت المشكلة بعد أن اضطر المجلس الإقليمي القصوم في الأسبوع الأخير إلى الإعلان عن وقف خدمات التعليم لطلاب خارج منطقة نفوذ السلطة المحلية، بسبب رفض وزارة التربية والتعليم تمويل ذلك بشكل يضمن مستوى تعليميا لائقا وبالحد المطلوب، الأمر الذي كان قد طالب به رئيس المجلس، منذ وقت طويل وتجاهلته الوزارة. نحن نقف إلى جانب الطلبة والأهالي في القرى مسلوبة الاعتراف ونطالب وزارة التربية والتعليم بضمان حقهم الكامل في التعلم ونعالج المشكلة بشتى الوسائل وبالتنسيق مع اللجنة القطرية للرؤساء والأهالي والمحامية سناء بن بري من جمعية حقوق المواطن.

ومما جاء في كتاب الالتماس الذي قدمه كل من جمعية حقوق المواطن ولجنة متابعة قضايا التعليم ومجلس القرى غير المعترف بها في النقب وعدد من الأهالي أن "عدم التوصل إلى اتفاق بين مجلس إقليمي القصوم والوزارة يمس بشكل سافر بحق الطلاب في التعليم وبكرامتهم وبحقهم في المساواة مع باقي أبناء جيلهم الذين عادوا بانتظام إلى مقاعد الدراسة، كما عارض الالتماس التعامل مع 18 ألف طالب كرهائن لتحصيل الحقوق من الوزارة". وهؤلاء الأخيرون هم 18 ألف طالب من القرى غير المعترف بها في جيل 3 سنوات حتى 18 سنة، وقد حُرموا من الانسجام في العملية التعليمية مطلع أيلول كسائر أترابهم، وبقوا في منازلهم بسبب مماطلة وزارة التعليم في التوصل إلى اتفاق يفصّل الميزانية المطلوبة لتوفير خدمات ضرورية (يقدمها المجلس) لهؤلاء الطلاب منها السفريات، مولدات الكهرباء، الحراسة، الصحة، الإدارة ومقومات وأنظمة الأمان. والحال نفسها قائمة طبعا بدرجات متفاوتة في مواقع أخرى من النقب".

الإجحاف في التمويل ينعكس بالنتائج

المثال أعلاه هو تعبير عن الحال المتطرفة لكن هناك مشاكل وحواجز ومعيقات تشمل جميع المدارس العربية تقريبا من الجنوب حتى الشمال. وكما قالت لجنة متابعة قضايا التعليم العربي واللجنة القطرية لرؤساء السلطات المحلية العربية قبل افتتاح العام الدراسي، فإنها تضطر لمواصلة معالجة قضايا عديدة وهامة مقابل وزارة التعليم بكل ما يتعلق بالموارد والميزانيات المطلوبة وضرورة سد الفجوات الهائلة بين الطلاب العرب واليهود، في الاستثمار وفي التحصيل العلمي، وفي البنية التحتية والتعليم اللامنهجي وخطة التطوير الاقتصادي، وكذلك في ما يخص مضامين التعليم والمناهج وكتب التدريس.

المعطيات التي وفرتها لجنة متابعة التعليم العربي تشير إلى أن معدل الطلاب للمعلم في التعليم العربي تبلغ 3ر11 طالب للمعلم بالمجمل، مقارنة مع 8ر10 بشكل عام و6ر10 طلاب بالتعليم الرسمي اليهودي العام، وفي المرحلة الثانوية 4ر10 مقارنة مع 5ر8 بالمعدل و6ر7 بالتعليم الرسمي اليهودي. والإجحاف في التمويل ينعكس بالنتائج، فتشير المعطيات إلى أن نسبة تحصيل شهادة إنهاء التعليم المعروفة باسم "بجروت" في المجتمع العربي تصل إلى 64% مقارنة مع 79% للمجتمع اليهودي، وفقط 41% من الحاصلين على شهادة بجروت عرب يستوفون الشروط للانخراط في التعليم العالي الجامعيّ مقارنة مع 53% في المجتمع اليهودي.

محاولة فرض تعليم "قانون القومية" يحولنا إلى غرباء في وطننا

اللجنة أشارت بشكل خاص إلى إعلان وزير التربية والتعليم الإسرائيلي في الحكومة التي انتهت ولايتها، المستوطن رافي بيرتس، أواسط شهر آب المنصرم، عن أنه أصدر تعليمات للجهات المختصة في الوزارة برغبته إدراج "قانون القومية" الإسرائيلي في مناهج التعليم في إسرائيل.

وقالت اللجنة: نحن نرفض "قانون القومية" ونرفض تدريسه بالشكل الذي تريده وتطرحه وزارة التعليم، وفق قرارها وما نشر في المرشد للمعلمين الذي عممته مؤخرا. نريد لطلابنا أن يكونوا على قدر كبير من الوعي بحيث يعرفون عن القانون ودوافعه ومعانيه وتأثيره علينا- الأقلية العربية الفلسطينية، ومواقفنا الواضحة منه وتناقضه مع القيم الديمقراطية.

اللجنة عبرت عن رفض عربي عام لنهج وتوجه وزارة التعليم والذي يهدف إلى "تذويت مضمون القانون لدى معلمينا وطلابنا والذي يحولنا إلى غرباء في وطننا ويريد منا أن نتقبل مكانة دونية في هذه الدولة التي تعرف نفسها بأنها دولة اليهود؛ هذا توجه عنصري نرفضه. إن هذا النهج المهيمن في مناهج التعليم، الذي يشن الحرب على وجودنا وهويتنا القومية والثقافية وانتمائنا الجمعي ولغتنا العربية وروايتنا التاريخية واحتياجاتنا كمجتمع، يعمق الأزمة في التعليم العربي ويزيد من حالة الاغتراب والعجز لدى المؤسسات التربوية والتعليمية. إن وزارة التربية والتعليم تريد أن يذوت الطلبة القانون وليس أن يتعلموا عنه بشكل حقيقي ونقدي". لقد سبق أن أعدّت اللجنة مواد تعليمية تبرز مميزات هذا القانون ومواقف المواطنين العرب منه وهي بصدد إعداد مواد جديدة قريبا. ويجري العمل بالتنسيق مع منتدى معلمي المدنيات الذين يعقدون لقاء سنويا يتناولون فيه المضامين الرسمية وما تفرضه من إشكاليات تتعلق بجانب الهوية والانتماء لدى الطلاب العرب. اللجنة تقول: إن المعلم الواعي والمثقف بإمكانه أن يجعل حتى من المواد الإشكالية والخلافية فرصة جيدة لعملية تربوية وتعليمية هادفة لصالح طلابنا ومجتمعنا.

ولقد أثارت محاولة فرض تعليم القانون بمفردات السلطة رفضاً واسعاً، فلجنة المتابعة العليا لشؤون الجماهير العربية أعلنت عن رفضها للقرارات التي أطلقها وزير التعليم الإسرائيلي، رافي بيرتس، بفرض تعليم "قانون القومية" في كل جهاز التعليم. وأوضحت "العليا" في بيان أصدرته قبل أسبوع من افتتاح العام الدراسي أنها "ترفض قرار الوزير المتطرف بفرض تعليم القانون العنصري وفق الرؤية الصهيونية المتطرفة. وتتبنى المواقف الصادرة بهذا الشأن عن اللجنة القطرية لرؤساء السلطات المحلية العربية واللجنة القطرية لأولياء أمور الطلاب العرب ولجنة متابعة قضايا التعليم العربي".

وتمت دعوة المربين والطلاب ولجان الأهالي إلى التأكيد على الطابع العنصري الخطير لـ"قانون القومية" بوصفه قانونا يشرّع سلب الأرض والحقوق والتاريخ، ويؤسس لنظام فصل عنصري ضد المواطنين العرب الذين يعيشون في وطنهم الذي لا وطن لهم سواه. وقالت اللجنة إنها عملت في السنوات الأخيرة، وبالتعاون مع منتدى معلمي المدنيات ومع لجنة متابعة التعليم العربي ومع اللجنة القطرية لأولياء الأمور، على وضع ونشر كراس المصطلحات البديلة للمصطلحات المفروضة من المؤسسة، وعلى وضع كتاب مدنيات يحتوي فصولا بديلة لفصول التشويه والتزييف التي تعمل المؤسسة على فرضها على مدارسنا وطلابنا.

اللجنة التي تضم ممثلين عن كافة الأحزاب والحركات السياسية العربية قالت إن "دورنا في التصدي لمنهج التحريف والتزييف والتهجين السلطوي لم ينتهِ والتعاون الخلاق بين الجهات ذات العلاقة بالتعليم في مجتمعنا يشكّل عنصراً أساسيا وإستراتيجيا للنهوض بالتعليم وفق مقتضيات العصر وللتصدي للتجهيل والتحريف. التعاون بين المعلمين ونقابييهم والطلاب، ولجانهم واللجنة القطرية لأولياء الأمور وأقسام المعارف في السلطات المحلية ولجنة متابعة قضايا التعليم والنواب العرب، وبالأخص أعضاء لجنة المعارف البرلمانية واللجنة القطرية للرؤساء ولجنة المتابعة العليا، هو الضمانة لتحقيق الأهداف الواردة أعلاه".

 

ملحق المشهد الإسرائيلي يصدر بالتعاون مع وزارة الخارجية النرويجية، محتوى المقالات لا يعكس بالضرورة موقف وزارة الخارجية النرويجية.

الأحد, أكتوير 20, 2019

مركز مدار

المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية "مدار"، هو مركز بحثي مستقل متخصص بالشأن الإسرائيلي، مقره في مدينة رام الله. تأسس في  العام 2000، بمبادرة مجموعة من المثقفين والأكاديميين الفلسطينيين، من بينهم: الشاعر الكبير الراحل محمود درويش، د. ليلى فيضي، د. علي الجرباوي، د. أحمد حرب، وليد الأحمد، وأكرم هنية. تم تسجيل المركز كجمعية أهلية غير ربحية.

القائمة البريدية