تعريف: يعود الباحث في العلاقات الدولية، والأستاذ في الجامعة العبرية- القدس، د. غاي لرون، في هذا المقال إلى السنوات التالية لحرب حزيران 1967، حيث تواصلت الحرب التي أطلق عليها لاحقا حرب الاستنزاف. وهو يورد شهادات ومعلومات عن أن الولايات المتحدة شجّعت إسرائيل على المضيّ في عملياتها العسكرية، ودفعتها إلى تجريب معدات وأنظمة عسكرية الهدف منها تحقيق نقاط لصالح واشنطن في صراع الجبابرة خلال الحرب الباردة الأميركية- السوفييتية.

ويقول الباحث في مقاله التالي، الذي نقدم مقاطع واسعة منه، إن المؤسسة الإسرائيلية لم تتعلم الدرس من دفع الثمن الباهظ في لعبة موافقتها على تجريب السلاح الأميركي، وهي تواصل هذه المغامرات الخاسرة حتى اليوم، وتدفع ثمنا لها في سورية هذه المرة.

*****

كان الثامن عشر من تموز 1970 مجرد يوم صيفي قائظ آخر في القاهرة. فوق رؤوس الجنود المصريين ومسؤولي بطارية الصواريخ السوفييتية ظهرت عشرات الطائرات القتالية التابعة لسلاح الجو الإسرائيلي. هكذا بدأت عمليات "إتغار" (التحدي) التي كان هدفها وضع حد لتهديد بطارية الصواريخ السوفييتية التي كانت في الأشهر الأخيرة حينذاك في طريقها إلى قناة السويس بعناد وإصرار. لم يكن لسلاح الجو الإسرائيلي حل أمام الصواريخ الفتاكة التي أحضرها السوفييت معهم. لكن هذا الوضع كان يتجه نحو التغيير، افتراضاً. كانت طائرات الفانتوم الإسرائيلية مزودة بالتجهيزات الإلكترونية الأحدث من إنتاج الولايات المتحدة الأميركية. وقد أكد الخبراء التقنيون الأميركان أن إشارة غامضة ستنطلق من الأجهزة الإلكترونية سوف تشلّ الصواريخ الروسية.

وقد رافق هذه الأجهزة الحديثة والواعدة شرط صعب. لقد صدرت تعليمات للطيارين الإسرائيليين بالتحرك من خلال بنية صارمة لسرب طائراتهم وعدم تفكيكها حتى عندما تطلق الصواريخ عليهم. ولم تكن هذه هي الطريقة التي تعود عليها الطيارون الإسرائيليون حتى ذلك الحين. النظام المعتاد نص على أنه مع إطلاق الصاروخ نحوهم يجب النداء بأجهزة الاتصال اللاسلكية "عقارب! انحرف!" والبدء بمناورات سريعة لتفادي الصاروخ. يفتاح سبكتور، ضابط سرب طائرات 101، اعتقد أن استخدام هذه الأجهزة الحديثة ليس سوى ضرب من الجنون. خلال وجبة العشاء في مطعم بيافا حاول إقناعه صديقه الحميم، شموئيل حيتس، ضابط سرب طائرات الفانتوم، بالتمرد وعدم الخروج في هذه العملية. "هناك فيزياء في الدنيا! كيف يمكنك الطيران بهذا الشكل؟"، سأله سبكتور. "لن يتمكنوا من إصابتي" ردّ حيتس. وهو ما أذهل سبكتور الذي قال لزوجته حين عاد إلى البيت: "طالي، حيتس سيموت هذا السبت".

تحت، على الأرض، انتظر الجنود السوفييت أمام شاشات الرقابة. بدأت طائرات الفانتوم بالقصف واهتزّت تحتهم الأرض. على الرغم من التوتر الهائل امتنع الروس عن تفعيل الصواريخ وانتظروا اقتراب الطائرات.

"الحرب المنسية" التي لم تنته بانتصار إسرائيلي خاطف أو باحتلال أرض

أطلق المؤرخ يوآف غلبر على حرب الاستنزاف اسم "الحرب المنسية". كانت هذه حرباً استثنائية. لم تنته بانتصار إسرائيلي خاطف أو باحتلال أرض. بل جرت على طول خط الدفاع الثابت لقناة السويس، بهدف تكريس الوضع الذي نشأ بعد حرب 1967. طالبت مصر باستعادة شبه جزيرة سيناء. كانت إسرائيل مستعدة لإعادة اجزاء منها فقط، لكنها اشترطت الانسحاب بإجراء مفاوضات مباشرة.

مصر رفضت هذا الشرط المسبق. لم يتحدث الطرفان مع بعضهما البعض، وعندما كان الدبلوماسيون صامتين، كانت المدافع تدوّي. أعلن جمال عبد الناصر أن مصر سوف تسفك دم إسرائيل في حرب استنزاف متواصلة. هكذا سيتعلم الإسرائيليون أن الإصرار على السيطرة على سيناء له ثمن باهظ. بدأ تبادل إطلاق النار والحوادث الحدودية وغارات الكوماندوز المتبادلة تكررت منذ حزيران 1967. لكن في ربيع عام 1969، أي قبل عام من عملية "التحدي"، تفاقمت الحرب.

زاد عدد قصف نيران المدفعية من الجانب المصري لقناة السويس، مما تسبب في سقوط العديد من الضحايا بين الجنود في المواقع. لم يكن لدى الجيش الإسرائيلي أي رد حقيقي، فقد قُتل وجُرح جنود كلّ شهر على طول خط بارليف، وفي تموز عام 1969 وحده، قُتل 25 جندياً وأصيب 93 آخرون. في ذلك الشهر، حوصر قائد سلاح العمليات عيزر فايتسمان في قصف عنيف خارج أحد المواقع، واضطر للاختباء في الرمال لفترة طويلة. عاد إلى تل أبيب بروح قتالية، واستدعى قائد سلاح الجو موطي هود، وأمره بالتخطيط لعملية هدفها القضاء على الخطوط الأمامية للمصريين. وهكذا، بدأ الجيش الإسرائيلي في الاستخدام المكثف لطائرات سلاح الجو كمدفعية طائرة. في الأشهر التالية، أسقط سلاح الجو آلاف أطنان القنابل ودمر ليس فقط خنادق وبطاريات المدفعية المصرية ولكن أيضاً نظام الدفاع الجوي.

في كانون الثاني 1970، اتخذت الحكومة قراراً مصيرياً وأمرت الجيش ببدء قصف أهداف ليس فقط على طول الخط الأمامي ولكن أيضاً في العمق المصري. بعد شهرين، في آذار 1970، ظهر لواء الدفاع الجوي التابع للجيش الأحمر في الإسكندرية، مزوداً بعشرات بطاريات الصواريخ المضادة للطائرات. في عملية بطيئة ولكن منهجية، تمكن السوفييت من نشر نظام الصواريخ. أولاً حول القاهرة ومنطقة الدلتا. ثم تمكنوا من دحرجة البطاريات الصاروخية حتى خط القناة. خسر سلاح الجو الإسرائيلي حرية التحرك. لكن وجود البطاريات السوفييتية كان له ثمن أقسى: وفر موقع الصواريخ على طول القناة مظلة جوية حتى عمق 10 كيلومترات لأية قوة مصرية تحاول عبور القناة. هكذا نشأت الظروف التي مكّنت الجيش المصري، بعد ثلاثة أعوام لاحقاً، من البدء بحرب الغفران (حرب أكتوبر 1973) بعملية عبور. إن بذور مأساة أكتوبر 1973 زُرعت في وقت مبكر من آب 1970، وهو الشهر الذي انتهت فيه حرب الاستنزاف.

انتهت حرب الاستنزاف بهزيمة لإسرائيل

على الرغم من سلسلة من العمليات الناجحة، انتهت حرب الاستنزاف بهزيمة للجيش الإسرائيلي، بينما تمكن المصريون والسوفييت من تحقيق أهدافهم، وأدى الفشل إلى البحث عن متهمين. فور اكتشاف وجود القوات السوفييتية في مصر، اندلع جدل بين المخابرات الإسرائيلية والمخابرات الأميركية. ادعى الأميركيون أن عمليات القصف في العمق المصري التي وافقت عليها حكومة غولدا مئير كانت خطأ وأدت إلى تعميق التدخل السوفييتي في المنطقة. بينما ادعى الإسرائيليون أن الاتصالات بين مصر والاتحاد السوفييتي بدأت قبل فترة أطول من وقوع عمليات القصف في العمق المصري، ولم تكن هناك أية علاقة بين هذه العمليات وبين وصول بعثة القوة السوفييتية، واستمر هذا النقاش في حرب روايات بين المؤرخين الإسرائيليين ورجال الدولة المصريين مثل وزير الخارجية محمود رياض ورئيس أركان القوات المسلحة المصرية محمد فوزي.

ادعى المصريون أن عمليات القصف في العمق أجبرتهم على طلب المساعدة من الاتحاد السوفييتي، فأجاب الإسرائيليون أن المصادر السوفييتية تثبت العكس.

منذ البداية، لم تكن عمليات القصف في العمق ممكنة إلا بوصول طائرة مقاتلة أميركية الصنع من طراز فانتوم في أواخر عام 1969. وكان بإمكانها حمل قنابل ثقيلة لمسافات بعيدة وكذلك التعامل مع طائرات الميغ المصرية. وقد تم بالفعل اختبار الطائرة بنجاح من قبل الأميركيين في فيتنام وكانت القوات الجوية متأكدة من أن لديها بطاقة رابحة في يدها يمكنها كسر العزيمة المصرية وإخضاع عبد الناصر.

وافق الأميركيون على بيع الفانتوم لإسرائيل. لكن كان هذا الاتفاق مصحوباً كما يبدو بتوقعات من إسرائيل بأن تستخدمها أيضاً: إسحاق رابين، السفير الأميركي في ذلك الوقت، فهم بأن الأميركيين يريدون من إسرائيل أن تفعّل الفانتوم ضد مصر. من مقر إقامته في واشنطن، كتب سلسلة من البرقيات التي شجعت الحكومة على زيادة استخدام سلاح الجو. ومع ذلك، فإن وضع القوات السوفييتية في مصر دفع القيادة الإسرائيلية إلى إعادة النظر في هذه القضية. هل كان يجدر بإسرائيل أن تقصف الوحدات السوفييتية لتجد نفسها في مواجهة مع واحدة من القوتيين العظميين الأكبر في العالم؟ هنا أيضاً تدخلت الادارة الأميركية للشدّ على أيدي حكومة غولدا مئير.

التصادم في سيناء وفر فرصة لاختبار المعدات الأميركية ضد الأسلحة السوفييتية

في 18 آذار 1970، عقد رابين اجتماع عمل روتيني مع هنري كيسنجر، مستشار الأمن القومي للرئيس ريتشارد نيكسون. في ذلك اليوم، بدأت ترد التقارير الأولى عن وصول القوة السوفييتية إلى مصر. في نهاية المحادثة، وقع شيء غير عادي. اقترح كيسنجر على رابين الذهاب معا لمقابلة الرئيس. قلما كان نيكسون يلتقي بسفراء دول أخرى. وخلال اللقاء سأل نيكسون رابين لماذا لا تدمر إسرائيل بطاريات الصواريخ التي حملتها القوة السوفييتية. وفسر رابين ذلك على أنه إشارة واضحة لإسرائيل لمواصلة عمليات التفجير في العمق المصري.

مما لا شك فيه أن نيكسون وكيسنجر شجعا إسرائيل على تسديد الضربات لمصر التي كانت حليفة للاتحاد السوفييتي، لكن كانت للإدارة الأميركية اعتبارات أخرى أيضا. كانت حرب الاستنزاف في نظر إسرائيل، جزءاً من الصراع العربي الإسرائيلي. ومع ذلك، من زاوية النظر الأميركية، فإن التصادم في صحراء سيناء وفر أيضاً فرصة لاختبار قوة المعدات الأميركية ضد الأسلحة السوفييتية. لقد رأى الأميركيون أمام أعينهم أيضاً حرب فيتنام. في الواقع، وقعت الحربان بشكل متماثل: استخدم الطيارون الأميركيون والإسرائيليون نفس طائرات الفانتوم للتغلب على أنظمة الدفاع السوفييتية نفسها التي تم نشرها في سيناء وفيتنام. كان يمكن تعلم الدروس مما كان يحدث في أحد المواقع وتطبيقه على الآخر. في ربيع عام 1970، كان لدى الأميركيين فرصة ذهبية. تمت إضافة سلاح جديد، سام 3، إلى منطقة المعركة، مما يجعل حل لغز نظام الدفاع السوفييتي أصعب. كان هذا صاروخاً أصغر وأكثر مرونة من أخيه الأكبر سام 2، الذي كان صاروخا بطيئا وثقيلا. أيقن سلاح الجو الإسرائيلي بأنه لا يستطيع التغلب على بطاريات الصواريخ السوفييتية. أبلغ الجيش الإسرائيلي البنتاغون عن مصاعبه في التعاطي مع سام 3، لكن رد الفعل الأولي كان عدم الثقة: لم ينشر الاتحاد السوفييتي أبداً بطاريات سام 3 خارج حدوده، ولا حتى في أوروبا الشرقية.

عندما اقتنع الأميركيون بأن الجيش الإسرائيلي كان على حق، انقضوا على الفرصة. طور البنتاغون نظام حرب إلكترونية قادر على شل عمل سام 2، لكنهم لم يعرفوا ما إذا كان بإمكانهم التعاطي مع بطاريات سام 3 أيضاً. كان يتوجب على البنتاغون الإجابة على ذلك قبل أن ينشر السوفييت هذه البطاريات في فيتنام الشمالية ليصبح من الصعب عليهم ضرب العدو الشيوعي. كانت هناك طريقة واحدة فقط للتأكد من ذلك: استخدام النظام الأميركي المصمم للعمل ضد سام 2 وتشغيله ضد بطاريات سام 3. في تموز 1970، أرسل الأميركيون ضباطاً كباراً وفريقاً من الفنيين إلى جانب المعدات اللازمة لتعليم الإسرائيليين كيفية استخدام النظام. وكانت نتيجة هذه الجهود "عملية التحدي"، التي قُتل خلالها شموئيل حيتس. الآن باتت لدى الأميركيين إجابة على السؤال الذي أزعجهم. لقد عرفوا أنه يتعين عليهم تطوير طريقة مختلفة للحرب.

من جهة ثانية، خلال الساعات الثلاث الأولى من حرب حزيران 1967، قصف سلاح الجو الإسرائيلي مطارات سيناء والمصرية وشل نشاط سلاح الجو المصري ما شكل أحد الأسباب الرئيسية للانتصار الإسرائيلي في الحرب. وكان حل هذه المشكلة شرطا أساسيا لأي محاولة مصرية لبدء حرب أخرى واستعادة سيناء. ومع ذلك، لم تستطع مصر القيام بذلك بمفردها. مدركاً حجم المشكلة، اتصل عبد الناصر بالاتحاد السوفييتي في حزيران 1967، واقترح أن يتحمل الاتحاد السوفييتي مسؤولية نظام الدفاع الجوي المصري. لكن الاتحاد السوفييتي تخوّف من الدخول في صراع قوى عظمى في المنطقة.

السلوك الإسرائيلي كان جزءاً من سياسة شاملة ولأنه تم نسيان حرب الاستنزاف لم يتم تعلم دروسها!

بعد أسبوعين من بدء التفجيرات في العمق المصري، في 22 كانون الثاني 1970، وصل عبد الناصر إلى موسكو لحضور سلسلة من الاجتماعات، اعتبرها المشاركون الأكثر أهمية منذ نهاية حرب حزيران 1967. طالب الرئيس المصري بلقاء بريجنيف بمجرد هبوطه. منذ تموز 1967، كان الاتحاد السوفييتي يبذل قصارى جهده لمساعدة مصر، قال عبد الناصر للزعيم السوفييتي. لكن وصول طائرات الفانتوم إلى الشرق الأوسط في أواخر عام 1969 قد غير الصورة من النقيض الى النقيض. فمصر ليس لديها أي رد عسكري على هذه الطائرات.

بعد مشاورات مطولة مع القادة السوفييت، أجاب بريجنيف بأن الاتحاد السوفييتي مستعد لتزويد مصر بصواريخ سام 3 التي يمكن أن تعالج المشكلة التي نشأت، وتدريب الضباط المصريين على تشغيلها. وأجاب عبد الناصر أنه علما بكون فترة التدريب ستستمر ستة أشهر، فلن يكون هذا حلاً شافياً. فسأله بريجنيف، لماذا لا يتم الآن توقيع اتفاق وقف إطلاق النار، الى أن تكون القوات المصرية جاهزة؟ أجابه عبد الناصر: من المستحيل تبريد وتسخين الجبهة فجأة. ستكون ضربة قوية لمعنويات الجيش والأمة. إذن ماذا تقترح؟ استوضح بريجنيف. فطلب عبد الناصر الاتحاد السوفييتي بإرسال بطاريات سام 3 مع الفريق الروسي لتولي مسؤولية الدفاع عن الجبهة المصرية.

رد بريجنيف الكرة لعبد الناصر: هل تقترح بأن تشارك القوات السوفييتية في القتال؟ ليس القتال، أصرّ عبد الناصر، بل أن تشارك القوات السوفييتية فقط بحماية المدن المصرية. هنا قام المارشال أندريه غريتشكو، وزير الدفاع، بإيماءة صغيرة في اتجاه بريجنيف. ورد بريجنيف مضيفاً: هل تفهم أن إرسال قواتنا سيتطلب أيضاً وصول الطائرات مع طيارينا لحمايتهم؟ فأوضح عبد الناصر أنه ليس لديه مشكلة في ذلك أيضاً.

أليكسي كوسيغين كان رئيس الوزراء وزعيم الجناح الحمائمي في الكرملين، وقد رد بتحفظ: "هذا لا يعني سوى تصعيد الصراع. وسيؤدي إلى صدام بيننا وبين الولايات المتحدة". وافق بريجنيف معه، وردا على ذلك طالب عبد الناصر بمعرفة لماذا لا تخاف الولايات المتحدة من مساعدة إسرائيل بينما يتردد الاتحاد السوفييتي في مساعدة مصر! عندما لم يستجب أحد، التقط عبد الناصر صندوق سجائر ملقى على الطاولة. فهو لم يدخن منذ عدة أشهر بنصيحة أطبائه. وضع سيجارة في فمه وأشعلها: إذا لم تلبّ طلبي، هدد القيادة السوفييتية، فسأستقيل وأوصي بالرئاسة لنائبي، زكريا محيي الدين، وهو مؤيد لأميركا وسوف يلتزم بكل مطالب واشنطن. هنا كانت القيادة السوفييتية محرجة وعرض بريجنيف وقف المناقشات للتفكير في القضية.

كانت قضية التدخل العسكري في الشرق الأوسط مثيرة للجدل بين مختلف الأجنحة في الكرملين منذ حرب حزيران 1967. لم تعتقد كل القيادة أن الهدف يبرر مواجهة مع الولايات المتحدة، فخلال حرب حزيران 1967، كان كوسيغين يصرخ على زملائه: "وماذا لو أرسلوا قنابل ضدنا؟ هل كان الأمر يستحق ذلك؟" طوال عامي 1967 و 1968، ناقش السفير السوفييتي في القاهرة، سيرجي فينوغرادوف، وأحد كبار مستشاريه العسكريين، إيفغيني ملاشينكو، هذه المسألة. أراد فينوغرادوف أن يرسل الاتحاد السوفييتي وحدات عسكرية إلى مصر، بينما عارضها ملاشينكو. أشار ملاشينكو أيضاً باستنكار لزعماء سوفييت زاروا مصر وكانوا متحمسين لفكرة التدخل العسكري. من وجهة نظر ملاشينكو، كانت هذه التوجهات مدفوعة بطموحات الإمبريالية. اندلع جدل مماثل في المكتب السياسي في كانون الثاني 1970 بين الصقور والحمائم. أيد غريتشكو طلب عبد الناصر، ولقي دعم بريجنيف، وهو ما رجّح الكفة لجهة الاستجابة لطلب مصر.

عندما التقى القادة السوفييت مع عبد الناصر بمجرد انتهاء جلسة المكتب السياسي، أخبر بريجنيف أعضاء الوفد المصري أنه، وللمرة الأولى منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، سيتمركز الجنود السوفييت "في دولة صديقة". وافق المكتب السياسي على إرسال 23 صاروخاً من صواريخ سام 3 مع طاقمهم و 85 طائرة ميغ أيضاً مع طاقم الطيارين السوفييت. استجابة لطلب عبد الناصر، ارتفع عدد الجنود في قوة المشاة من 1000 إلى عشرة آلاف وتم تحديد الموعد المحدد لوصولهم في الفترة من تشرين الأول حتى آذار.

أدى استخدام سلاح الجو كمدفعية طائرة إلى إنجاز تكتيكي وهزيمة استراتيجية. أراد الجيش الإسرائيلي إخضاع مصر، لكنه دخل إلى ساحة الاتحاد السوفييتي، والذي تدخل بل هزم القوات الجوية الإسرائيلية. في البداية شجعت الولايات المتحدة إسرائيل على توجيه الضربات بشدة ضد مصر والاتحاد السوفييتي، ولكن بعد ذلك غيرت توجهها بما يخدم مصالحها، مما أجبر إسرائيل على قبول اتفاق وقف إطلاق النار. هل لم يكن هناك بالتأكيد خيار آخر؟ لماذا لم يرد الجيش الإسرائيلي على إطلاق الجيش المصري نيران مدافعه بالمدفعية المقابلة؟ أليس استخدام سلاح الجو تصعيداً لم يكن يريده أحد في الحكومة الإسرائيلية؟ من الواضح أن استخدام نيران المدافع فقط كان من شأنه أن يركز القتال على خط وقف إطلاق النار ولا يشكل أي تهديد للوجود العسكري السوفييتي الذي كان على بعد مئات الأميال.

ولكن في ذلك الوقت، لم يكن لدى الجيش الإسرائيلي سوى حفنة من بطاريات المدافع وليس صدفة. كان حجم الأراضي التي كانت ستحتلها اسرائيل في الحملة المقبلة هو نفس المدى الذي شهدته حرب الأيام الستة. على الرغم من أن الحدود التي نشأت بعد حرب 1967 كانت تعتبر خطوط دفاع مثالية، إلا أن جنرالات هيئة الأركان العامة واصلوا التلهّي بآمال تحقيق المزيد من الفتوحات. كان حجم الأراضي التي كان سيتم احتلالها في الحملة المقبلة بنفس حجم ما جرى احتلاله في حرب حزيران 1967. لقد تحدثت الخطط السرية، من بين أشياء أخرى، عن السيطرة على الضفة الشرقية لقناة السويس ومن هناك الاتجاه جنوباً لاحتلال خليج السويس حتى مضيق باب المندب؛ السيطرة على منطقة كبيرة غرب قناة السويس على الحدود مع القاهرة؛ احتلال جبل الشيخ السوري والبقاع في لبنان في الشمال. لتحقيق هذه الأهداف، احتاج الجيش الإسرائيلي إلى قوة قتالية هجومية ومتحركة مسلحة بالدبابات والطائرات، على الأقل كانت تلك تجربة حرب حزيران 1967. لم يترك الجيش الإسرائيلي سوى القليل من الموارد لفيلق المدفعية وبالتالي اضطر إلى الارتجال واستخدام سلاح الجو كمدفعية طيران. علاوة على ذلك، فإن محاولة إخضاع مصر بسلسلة من التحركات الهجومية براً وجواً وبحراً ساعدت الجيش الإسرائيلي على تجربة الأسلحة الجديدة وإعداد القوات للهجوم الكبير الذي سيسمح للجيش بغزو المزيد من الأراضي.

ولكن في خاتمة المطاف، كانت هناك عناصر في هيئة الأركان العسكرية، بما في ذلك رئيس قسم المخابرات العسكرية أهرون ياريف، الذين كانوا يأملون في أن تؤدي عمليات القصف في العمق المصري الى سقوط عبد الناصر. اعتقدت واشنطن وموسكو أن هذا كان الغرض من القصف في العمق. كانت هناك بعض الجهات في الولايات المتحدة، مثل البيت الأبيض ووزارة الخارجية ووكالة الاستخبارات المركزية، الذين اعتقدوا أنه سيكون من المفيد للغرب أن يغادر عبد الناصر الساحة، وشجعوا إسرائيل على السلوك في هذا الاتجاه. أي أن السلوك الإسرائيلي لم يكن بفعل خطأ بل جزء من سياسة شاملة.

ولأنه تم نسيان حرب الاستنزاف، لم يتم تعلم دروسها. لقد رأينا تعبيراً عن هذا منذ حوالي عام. خلال عام 2018، هاجم الجيش الإسرائيلي أكثر من 200 هدف في سورية، وفي هذه الحالة أيضاً، حرص الجيش على تجربة طائرة أميركية جديدة اشتراها للتو هي F-35، والتي كان هذا أول تحليق عملياتي لها. الحكومة روت الجمهور أن كل هذه التحركات بالتنسيق مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، لذلك ليس هناك خوف من أن روسيا سترد. لكن في أيلول من ذاك العام، تم إسقاط طائرة استخبارات روسية على ما يبدو من قبل قوات الدفاع الجوي السورية، وقد حدث ذلك بينما قصفت الطائرات الإسرائيلية أهدافاً في سورية مرة أخرى. وقد استغلت وزارة الدفاع الروسية حادثة الطائرة لتوسيع سيطرة روسيا على المجال الجوي السوري وأرسلت ثلاث كتائب أخرى. وأحضرت منظومة الدفاع إس-300 ذات القدرة على حرب السايبر والحرب الإلكترونية ضد الطائرات المهاجمة. وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة وفرت غطاء لإسرائيل أمس واليوم، ففي النهاية تركتها وحيدة تواجه نتائج أفعالها. هذه المرة كان الكليشيه صحيحا تماما: من لا يتعلم من التاريخ سيكرر أخطاءه التي ارتكبها.

 

ملحق المشهد الإسرائيلي يصدر بالتعاون مع وزارة الخارجية النرويجية، محتوى المقالات لا يعكس بالضرورة موقف وزارة الخارجية النرويجية.

الأحد, أكتوير 20, 2019

مركز مدار

المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية "مدار"، هو مركز بحثي مستقل متخصص بالشأن الإسرائيلي، مقره في مدينة رام الله. تأسس في  العام 2000، بمبادرة مجموعة من المثقفين والأكاديميين الفلسطينيين، من بينهم: الشاعر الكبير الراحل محمود درويش، د. ليلى فيضي، د. علي الجرباوي، د. أحمد حرب، وليد الأحمد، وأكرم هنية. تم تسجيل المركز كجمعية أهلية غير ربحية.

القائمة البريدية