"من السهل واليسير أن نقول لأنفسنا، في الأيام التالية للانتخابات، أن الجمهور لا يؤيد مواقف معسكر الوسط- اليسار، وأن المعسكر الليبرالي والديمقراطي في إسرائيل هو مجرد أقلية هامشية وضئيلة في المجتمع الإسرائيلي، وأن هذا هو الموجود ولا شيء غيره. هكذا قال لنا، وهكذا سيواصل القول، محللون وغير قليل من السياسيين في اليمين وأيضا في اليسار، ومنهم من لا يرغبون في الاعتراف بأن هذه الهزيمة هي نتيجة لأدائهم. أما الواقع فهو مختلف إلى حد بعيد"- هذه هي النتيجة الأبرز التي توصلت إليها ورقة "تقدير موقف" جديدة أعدّها "مركز مولاد لتجديد الديمقراطية في إسرائيل" ونشرها في أيار الحالي تحت عنوان "خمسة أمور يجدر معرفتها عن الانتخابات" الإسرائيلية العامة التي جرت يوم 9 نيسان الماضي.

هنا ترجمتها الكاملة:

قصة معسكر الوسط- يسار بسيطة: ليست المشكلة غياب دعم أفكاره لدى الجمهور بل ترجمة هذا الدعم إلى مبادئ ومواقف متماثلة مع معسكر اليسار لتمثيله في الجهاز السياسي. الحقيقة أنه يوجد في الشارع الإسرائيلي تأييد ضخم لرؤى ومواقف معسكر الوسط- يسار، مثلما يمكن الإدراك من استطلاع إلى آخر، سواء كان المقصود دعم حل الدولتين ومعارضة ضم المناطق (الفلسطينية)، تأييد تشغيل مواصلات عامة يوم السبت، تأييد المساواة في الحقوق لمجتمع المثليين، تأييد تطبيق رؤى اشتراكية ديمقراطية، وضع قيم المساواة والديمقراطية في قلب دولة إسرائيل بكونها ديمقراطية وليبرالية، مثلما كانت ماثلة أمام أنظار هيرتسل وبن غوريون.

هناك عدة أسباب لعدم نجاح المعسكر في ممارسة قوته السياسية، مثل النزعة إلى تمويه العنصر الأيديولوجي في السنوات الأخيرة، التحريض المتواصل لليمين، تذويت هذا الخطاب من قبل سياسيين في اليسار، قلة المؤسسات العاملة في بناء أرضية المعسكر والتمحور في مشاريع قصيرة المدى وموزّعة على مسائل كثيرة ومختلفة، وفي مبادرات تشريع هامشية. وفي التحصيل الأخير، إن المعسكر الليبرالي في إسرائيل لا يحظى بالتمثيل اللائق به في الساحة السياسية منذ سنوات طويلة جدا.

قبل الهرولة إلى حلقات نقاش واجتماعات لغرض إجراء "حساب نفس" في اليسار مثلما حدث بعد كل معركة انتخابات في السنوات الأخيرة، وقبل أن تبدأ السرديات والخدع بالتسرب إلى رؤوسنا، تعالوا نحاول النظر بشكل منظم وواع إلى نتائج الانتخابات.
فيما يلي خمسة استنتاجات أساسية يجدر تبنيها بشأن الانتخابات:

مشروع "الاستيطان في القلوب" فشل

حملة "الاستيطان في القلوب" التي يطلقها ويديرها قطاع اليمين الاستيطاني منذ سنوات لا تنجح في تجاوز حدود هذا القطاع. يدير اليمين الاستيطاني حملة جماهيرية تفرض الأجندة اليومية العامة انطلاقا من فرضية وجود شريحة انتخابية كبيرة تدعم إضعاف المحكمة العليا وصناعة التديّن، ولكن حتى لو احتسبنا جميع الأصوات التي ذهبت للأحزاب اليمينية مثل "اليمين الجديد" و"زهوت"، إلى جانب حزب "تحالف أحزاب اليمين"، فهي تقل عن 10% من القوة الانتخابية. الصهيونية الدينية التي تنظر إلى نفسها بوصفها القطاع الذي يفترض أن يقود الثورة القيمية للجمهور الإسرائيلي، تلقت بالمجمل أربعة نواب في هذه الانتخابات ويمثلها أشخاص مثل بينتسي غوفشتاين، إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش.

إن أصداء القناة 20 وموقع "ميدا" قد غررت بالكثيرين، ومنهم من جرى إعلاء مستوى بروزهم مثل أييلت شاكيد ونفتالي بينيت، من الذين ظنوا بوجود جمهور واسع ملتزم بأيديولوجية إضعاف المحكمة، ضم المناطق والمواطنين الفلسطينيين وخصخصة الخدمات الاجتماعية. لكن فعلياً هذه أقلية صغيرة تكاد تكون غير موجودة خارج قطاع الصهيونية الدينية. الصحيح هو أن ممثليها في الإعلام أقوياء جياع وبارزون ولذلك نسمعهم يوميا بصوت عال وعلى مدار النهار. ولكن هؤلاء هم الهوامش المتطرفة في المجتمع الإسرائيلي وليسوا "الشعب" في أي حال من الأحوال مثلما يروون لنا.

ماذا إذن؟ اليمين وخصوصا الليكود يحسن التحصن في الحكم. لكن الانتخابات الأخيرة أظهرت لنا أنه في ما يتعدى التعطش السلطوي، ليس بحوزة الليكود ما يعرضه سوى تقديس بنيامين نتنياهو، وكراهية كل ما يلمّح إلى اليسار ومؤسسات الدولة ومواصلة الوضع الراهن الذي يشمل صواريخ على غزة ووسط البلاد من خلال دفع أموال خاوة لـ"حماس". هذا عبارة عن إفلاس فكري مطبق وليس من المفاجئ أنهم في اليمين لا يكلفون أنفسهم منذ سنوات عناء نشر برنامج سياسي انتخابي.

الانتخابات لا تحسم بحملة انتخابية فقط

هناك طريقة واحدة فقط للنصر في السياسة ومن يدركها هو بنيامين نتنياهو. لغرض النجاة من الأزمة التي تعصف به، يجب على معسكر اليسار- وسط أن يزيد من وضوح وحدة مواقفه، وأن يمتثل في الحلبة السياسية ويعمل بجهد واجتهاد على امتداد السنة كلها. السياسة هي أمر يُصنع خلال كل الدورة الانتخابية. لا يمكن الانتصار في الانتخابات بواسطة حملة لامعة في تويتر أو فيلم فيديو قصير واحد واسع الانتشار. يجب بناء هوية سياسية بشكل جريء، ثاقب وحاد وعلى مدى زمني متواصل. هذا يعني، من بين أشياء أخرى، التمسك بالرؤى والأفكار التي تحملها وليس الترميش والتأتأة في اللحظات الصعبة وليس أيضا حين تواجه محاورين يمينيين في ستوديوهات التلفزة أو خلال إجراء تصويت صعب في الكنيست. لا يمكن الذهاب في طرق ملتوية والغمز نحو اليمين خلال كل السنة، وعدم عرض بديل فكري واضح ثم التأمل بأن تنقذك حملة انتخابية براقة لشهر أو شهرين؛ بكل بساطة هذا لا يمكن أن ينجح.

معنى ذلك، عدم ترديد صدى سردية اليمين، وكأن اليساريين ليسوا يهوداً بما فيه الكفاية؛ معنى ذلك أن لا ندعم ولا بواسطة الدعم الصامت خطاب نزع الشرعية غير المعقول عن العرب في المجتمع الإسرائيلي، وكذلك داخل الكنيست أيضا. هذا يعني أن لا نتبنى الفكرة المضللة التي انبثقت بعد قتل إسحاق رابين بأن هناك "متطرفين من الجانبين" أو أن هناك تماثلاً بين فتية التلال ونشطاء الإرهاب اليهودي وبين نشطاء يسار يكتبون مقالات مزعجة في جريدة "هآرتس".

معنى ذلك أنه يجب عدم التنازل عن الحل الوحيد الذي يضمن لنا الأمن، وهو حل الدولتين. معنى ذلك أننا لا نتأتئ، ولا نذهب في طرق ملتوية ولا نشتري خدع اليمين ولا نطلب من جمهورنا أن "يتيقظ" أو أن يفكر في حلول "إبداعية" من الضم. معنى ذلك أن نذكر على الدوام بأن العملية هي التي تعرقلت وليس الحل، أن معادلة الدولتين مقبولة على كل المؤسسة الأمنية في إسرائيل، وأن "خطة" اليمين لضم المناطق (المحتلة) و7ر4 مليون فلسطيني ستؤدي إلى كارثة وإلى نهاية دولة إسرائيل كدولة يهودية وديمقراطية. لقد تهشم حزب العمل في هذه الانتخابات على نحو دراماتيكي على الرغم من أن حملته الانتخابية في الشهر الأخير قد حظيت بإطراءات كثيرة. حزب العمل لم يتلقّ سقطة بل أدى إليها بنفسه. قيادة هذا الحزب تأتي الآن بمختلف الاتهامات إلى "كحول لافان (أزرق أبيض)" لكن يجب عليها أن تنظر إلى نفسها فقط وأن تسأل كيف وصل الحزب إلى الانتخابات مهشما في الاستطلاعات حتى قبل أن يدخل بيني غانتس إلى السياسة.

معسكر اليسار يجب أن يتوقف عن التركيز على جهود ومشاريع للمدى القصير وأن يتوقف عن البحث عن طرق مختصرة. عليه أن يحارب على قلوب الجمهور على مدار الساعة. معنى ذلك أنه بالإضافة إلى قضايا مهمة - لكنها ثانوية - مثل غلاء المعيشة والفساد، يجب تطوير الانشغال بالبناء للمدى البعيد والتمركز من أجل إنتاج موقف حاد ومتميز على نحو واضح في مسألة الأمن وهوية دولتنا. هناك تقع الحرب الحقيقية وهذه القضايا التي تحدد الأجندة اليومية وبحق. لقد فهم اليمين هذا منذ زمن، وقد جاء دورنا لهذا.

نظرية التمركز في الوسط لا تكفي

قبل ما يزيد عن عقد من الزمن وضع حاييم رامون نظرية الانفجار السياسي، وفي مركزها نظرية تمويه الفروق الأيديولوجية بين اليمين واليسار وإقامة حركة وسط على شكل كديما، يش عتيد ومؤخرا كحول لافان. لكن يُستنتَج أن هذه النظرية وحدها لا تحقق انتصارا في الانتخابات مثلما ثبت مرة تلو الأخرى على مدى السنين.

لقد مطّ كاحول لافان نظرية التمركز في الوسط حتى النهاية ولم ينتصر على بيبي في الانتخابات. غانتس انتصر على حزب العمل، لم يحضر نوابا من اليمين ولم يغير خارطة الكتل السياسية. والمصوتون الذين أيدوه ما زالوا من الوسط- يسار، أي أن نظرية التمركز في الوسط وتمويه المواقف اليسارية، خصوصا في المجال السياسي حيث تشكل تلك المواقف بديلا حقيقيا لرؤية اليمين، قد تسببا بضرر هائل للمعسكر الليبرالي والديمقراطي في إسرائيل.

بين الأعوام 1996 و2015 قام ما لا يقل عن تسعة أحزاب وسط وغالبيتها اختفت بعد معركتي انتخابات. هذا التوجه يتكرر: مؤيدو مواقف اليسار ينقسمون بين أحزاب اليسار والوسط، فتنال أحزاب الوسط دفعة مع ظهورها تضعف في الدورة الثانية وتضطر لإعادة خلق نفسها من جديد.

هل تذكرون يش عتيد؟ لقد أٌقيم الحزب بكثير من الصخب العام 2014 وبعد ذلك بسنة فاز بـ 19 ممثلا وهكذا تحول إلى الحزب الثاني في الكنيست الـ19 وبيضة القبان في ائتلاف نتنياهو. هذه المكانة جعلته يحظى بمشاركة في الحكم بخمسة وزراء في الحكومة الـ33. لكن الخط الفكري المموّه وغير الواضح والاستعداد للمهادنة على مبادئ أساسية أيديولوجية (من بين أمور أخرى نتيجة التحالف مع نفتالي بينيت) قد أدت إلى غياب الأفعال الحقيقية وتكريس الوعي بأن المعسكر الليبرالي خامل وعديم القدرة على التغيير. في انتخابات 2015، بعد أن أقال نتنياهو ليفني ولبيد، انخفضت قوة الحزب إلى 11 ممثلا فقط.
هل تذكرون حزب شينوي؟ بعد أن فاز في انتخابات 2003 بـ15 ممثلا لم يجتَز في الانتخابات اللاحقة نسبة الحسم.

منذ سنوات تكرر أحزاب الوسط لازمة "سنعمل بشكل مختلف لأن الحاجات مختلفة"، لكنها تفتقر إلى أية رؤية بديلة. تلك الأحزاب ليست مبنية لأن تكون في المعارضة لأنها ليست حقيقةً معارضة أيديولوجية وإنما سوق أفكار بالمفرق. حملة الانتخابات التي قادتها لم تقم بتحدّي اليمين لأنها لم تعرض أي بديل، فكرة أو بلاغا واضحا. "التوجّه الرسمي" ليس رؤية سياسية، مثلما أن اللباقة والأدب ليسا بديلا للقائد. يجب اتخاذ قرار – لا يمكن البناء في المستوطنات في كل الضفة والسعي إلى الانفصال عن الفلسطينيين معا. لا يمكن دعم "قانون القومية" والوقوف ضد التحريض في المجتمع. حين لا يتم التعبير عن موقف واضح يصبح الأمر أشبه بلعب كرة القدم مع أرجل مقيدة. حين يصرخون عليك طيلة الوقت من الجهة الأخرى أنك خائن، مريض نفسي ويسار ضعيف وكل ما لديك لترد به وبصوت خفيض هو أنه ليس هناك يمين ولا يسار، فإنك تكون قد انهزمت.

لن يتم قلب الحكم بسبب الفساد والتحريض

إن ملفات الفساد التي تحوم فوق رأس نتنياهو لا تساعد على إسقاطه طالما لم تكن مترافقة بتحدّ حقيقي لطروحاته. لكن حين يقول ثلاثة رؤساء هيئة أركان عمليا أنهم سيكونون مثل نتنياهو ولكن أكثر أدبا وغير فاسدين، فإن هذا لا يكفي. الجمهور اليميني يفضل الأصل على التقليد النقي والمؤدب الذي ينافسه. مصوتو اليمين مستعدون لأن يغفروا لنتنياهو تماما على الفساد، التحريض والتأليب من أجل الانتصار على اليسار. كحول لافان لم يقم بتحدّي طروحات نتنياهو ولم يوفر أسبابا أفضل تجعل انتخابه جديرا لتغيير الحكم. حيث وقع الحزب وزعماؤه أسرى التوجه الذي وضعه مستشارون إعلاميون ومفاده يجب عدم قول أي شيء واضح ولا اتخاذ أي موقف جوهري من أجل جلب جذب "مصوتي يمين ناعم". لكن حين ينصب كل الجدل على من هو أكثر يمينية ومن هو أقل فإن اليمين ينتصر.

حين لا يقدم المرشحون أسبابا جيدة لترك المعسكر، لا يحاولون إقناع الجمهور بصحة طريقهم، بل يكتفون بمحاولة الظهور مثل الآخرين ولكن أكثر نقاء – فلا يوجد أي سبب يجعل الجمهور يغير من نمط تصويته.

كل شيء ما زال على حاله، إسرائيل منقسمة في الوسط ويمكن الانتصار على نتنياهو

على الرغم من كل الدراماتيكية وما لا يحصى من تحليلات ففي نهاية المطاف لم يتغير شيء جوهري في السياسة الإسرائيلية. صورة الكتل بقيت تقريبا على حالها. حسناً، الجواب غير ذلك، فالانتخابات لم تثبت أن الشعب "كله يميني". بل أثبتت أنه لم يتغير أي شيء وأن الإسرائيليين منقسمون في مواقفهم. لقد واصل اليمين في إسرائيل في هذه الانتخابات بشكل مثابر دعم المرشح الذي يعيش بسلام مع سقوط صواريخ على غلاف غزة، تل أبيب والمركز، وينقل أموال خاوة إلى "حماس" وتحوم فوق رأسه ثلاث لوائح اتهام. هذا يعني أن نظرية "فقط ليس بيبي" قد فشلت مرة أخرى ولا مناص من بناء هوية سياسية واضحة ومنفصلة.

ومثلما قال ألبرت أينشتاين، إن عدم الرشد هو تكرار الأمر نفسه المرة تلو الأخرى وتوقع نتائج مختلفة. الأشخاص الدوغمائيون فقط يتمسكون بأفكار وطروحات فاشلة. في هذه الأيام بعد الانتخابات يمكننا أن نقول لأنفسنا مثلما فعلنا في كل مرة في السنوات الأخيرة إنه كان يمكن أن يكون الوضع أسوأ. يمكننا أن نقول لأنفسنا: هيا أنظروا على الأقل لم نتهشم. أو أن نقول لأنفسنا الحقيقة وهي أنه يجب قلب الأسطوانة؛ وقف الفذلكات أو الاعتماد على خدع مختلقة؛ لا سياسة للمدى القصير؛ والقول لأنفسنا ما الذي نؤيده وما الذي نعارضه وتكرار ذلك مرة تلو الأخرى بدون تأتأة وبدون بلبلة. ويجب البدء بالبناء، من اليوم وحتى الانتخابات المقبلة.

 

ملحق المشهد الإسرائيلي يصدر بالتعاون مع وزارة الخارجية النرويجية، محتوى المقالات لا يعكس بالضرورة موقف وزارة الخارجية النرويجية.

الأربعاء, ديسمبر 11, 2019

مركز مدار

المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية "مدار"، هو مركز بحثي مستقل متخصص بالشأن الإسرائيلي، مقره في مدينة رام الله. تأسس في  العام 2000، بمبادرة مجموعة من المثقفين والأكاديميين الفلسطينيين، من بينهم: الشاعر الكبير الراحل محمود درويش، د. ليلى فيضي، د. علي الجرباوي، د. أحمد حرب، وليد الأحمد، وأكرم هنية. تم تسجيل المركز كجمعية أهلية غير ربحية.

القائمة البريدية