خبا الجدل في حلقات الفن والثقافة المركزية الإسرائيلية حول قانون "الولاء في الثقافة" بنفس السرعة التي اشتعل بها، وهي عادة جارية في العديد من المضامير الإسرائيلية العامة، إذ تتبدّل العناوين ومسائل السجال بوتائر عالية، ليظل المراقب أو المتلقي الإعلامي متسائلا عما إذا تم تلخيص أي شيء. فالجدل في العادة يكون لاحقاً على القرارات والأفعال السياسية التي سرعان ما تتحول الى وقائع ناجزة، فلا يترك خطاب الفن والثقافة فيها أثاراً تُذكر. ربما يعود هذا الى حدة التقاطب الجاري في مركبات الشرائح والنخب المهيمنة في إسرائيل، إذ تواصل قوى اليمين والاستيطان والتديّن السياسي قضم المزيد من المساحة تحت أقدام "الصهاينة العلمانيين" الذين يرغبون بتصوير نفسهم كأهل التقدّم مقابل خصومهم شخوص الظلام.

لكن هذه التقسيمة تحتاج لتشريح وتمحيص للتأكد من صدقيّتها، وفي نفس السياقات التي يملؤها الجدل الثنائي. وهنا بالذات وبالضبط، يصحّ التذكير بأن من تململوا من قانون الولاء وقبله قانون القومية وسلسلة طويلة من القوانين التي ترتبط بعلاقات قربى وثيقة بهما، قد صمتوا على ممارسات ومقولات وحملات ليس فقط أنها لا تختلف بجوهرها عن ظلامية هذه القوانين، لا بل كانت مقدمات لها وحملات تسويقية مرافقة لها أو سابقة لها. منها على سبيل المثال الحملة الشرسة ضد حركة "لنكسر الصمت" المؤلفة من ضباط وجنود إسرائيليين سابقين قرروا كشف جرائم وانتهاكات خلال أداء خدمتهم العسكرية. وكذلك الهجمة التحريضية على مؤسسات وجمعيات حقوق الإنسان والتغيير الاجتماعي، التي تتلقى دعماً من "صندوق اسرائيل الجديد" والذي تم تحويله الى فزّاعة، لأنها مؤسسات انتقدت شتى السياسات: الاحتلال، العداء العنصري للاجئين والمهاجرين الأفارقة. كل هذا ولم نشِر الى السياسات المعادية بكل معنى الكلمة للمواطنين الفلسطينيين العرب!

إن صمت أطر ودوائر قريبة من أو محسوبة على الأحزاب التي تسمي نفسها معارضة على ما سلف، رغم أنها عبرت هنا وهناك عن انتقادها لقوانين الولاء ذات الرائحة الفاشية، هو "صمت فاعل" لعب دوراً في استمرار التدهور والانحدار.

رئيسة المعارضة عضو الكنيست تسيبي ليفني قالت في مداخلة لها أمام الكنيست: "لا يوجد ثقافة إذا سيطرت الحكومة عليها، وبدلا من الثقافة سنحصل على الدعاية". هذا صحيح ولكن يسأل السؤال عن الصمت على الهجمات التحريضية المنظمة ضد من قرروا التغريد خارج سرب الإجماع الصهيوني، أو التغريد بصوت مختلف حتى في داخله!

"تخفيض أو سلب إعانات مالية تقدمها وزارة الثقافة إلى منظمات ثقافية"

صادقت الهيئة العامة للكنيست، مطلع تشرين الثاني الجاري، بالقراءة الأولى على" اقتراح قانون الثقافة والفنون (تعديل رقم 2) لسنة 2018". وهو ما يُعرف بقانون الولاء في الثقافة. وقد أيد الاقتراح 55 عضو كنيست فيما عارضه 44 عضواً. وفقا لبيان نشره موقع الكنيست: يقضي الاقتراح بإضافة تسوية خاصة إلى قانون الثقافة والفنون حول ما يتعلق بتخفيض أو سلب إعانات مالية تقدمها وزارة الثقافة والرياضة من ميزانيتها إلى منظمات ثقافية مارست نشاطات تشتمل على أحد أو أكثر من الأمور التالية المحددة في اقتراح القانون: رفض وجود دولة إسرائيل كدولة يهودية وديمقراطية، التحريض على العنصرية والعنف والإرهاب، دعم نضال مسلح أو عمل إرهابي تقوم به دولة معادية أو منظمة إرهابية ضد دولة إسرائيل، إحياء عيد استقلال الدولة أو يوم قيام الدولة كيوم حداد، القيام بعمل من شأنه إلحاق الضرر أو المس بكرامة راية دولة إسرائيل أو رمز من رموزها (النشاطات غير المدعومة ماليا).

هذه "التسوية" ستطبق على المنظمات الثقافية بدلا من التسوية العامة المحددة في قانون أساس الميزانية وأن الصلاحية الممنوحة لوزير المالية بموجب نفس القانون، ستخوّل إلى وزير الثقافة والرياضة وسيكون بمقدوره ضمن الشروط المحددة في اقتراح القانون تخفيض مبالغ الإعانات المالية التي تتلقاها هذه المنظمات مقابل النشاطات غير المدعومة وإذا وجد الوزير من المناسب أن النشاطات غير المدعومة تشكل قسما ملحوظا وجوهريا من إجمالي نشاطات المنظمة في ذلك العام، فمن حقه تخفيض الإعانات المالية التي تستحقها المنظمة مقابل إجمالي نشاطاتها في ذلك العام، كليا أم جزئيا.

لقد جاء في مقدمة اقتراح القانون: "حسب اقتراح القانون، إذا وجد الوزير أن منظمة ثقافية مارست نشاطا غير مدعوم أساسا، وكانت المنظمة قد تلقت الدعم المالي مقابل هذا النشاط، فسيكون من حق الوزير تخفيض الإعانات المالية التي تستحقها المنظمة المعينة في مقابل ذلك النشاط. ويوضَّح بأنه بموجب صلاحية التخفيض يحق للوزير تخفيض كل مبلغ الإعانة المالية المدفوع إلى المنظمة مقابل ذلك النشاط كاملا أو جزئيا".

هذا القانون جاء بعد أن رفع وزير المالية موشيه كحلون اعتراضه على تحويل صلاحية شطب ميزانيات عن مؤسسات محددة بسبب طروحاتها وبلاغاتها ورؤيتها، من وزارة المالية الى وزارة الثقافة. هذا علماً بأن رفض المستشار القانوني لوزارة المالية كان رفض 98 شكوى تقدمت بها وزارة الثقافة والرياضة ضد مؤسسات ثقافية عربية بزعم خرق "قانون النكبة". وهكذا ففي شهر آب الماضي، أرسلت ريغف رسالة شديدة اللهجة إلى كحلون، اعتبرت فيها أن وزارته رفضت تطبيق القانون. كحلون وريغف أصدرا بياناً مشتركاً جاء فيه: "تم تقديم مشروع القانون المشترك كمذكرة وسوف يتم عرضه للمصادقة عليه من قبل اللجنة الوزارية للتشريع في تشرين الأول".

"مجموعة ممن لم يقرأوا القانون بصورة جدية ولا يفهمونه يحاولون تضليل الجمهور"!

وزيرة الثقافة والرياضة ميري ريغف عرضت الاقتراح وقالت: "منذ عام 2011 لم يطبق قانون النكبة، ومن خلال مبرِّر حرية التعبير أضفيَت الصبغة القانونية على أي تعبير. وعلى الرغم من هذا القانون واصلت دولة إسرائيل العمل بصورة تلقائية وسمحت تحت شعارها بإقامة حفلات تكريمية، عروض، تمثيليات ومهرجانات سينمائية، أشادت بالإرهابيين ومؤيدي الأعمال الإرهابية وحاولت تقويض وجود الدولة". وواصلت زاعمةً: "من على هذا المنبر أقول بصورة قاطعة أنه يحظر ترجمة حرية التعبير والملكية بصورة حرفية لتتحول إلى حرية التحريض وإعطاء مكافآت وجوائز تشجع كل من يقوم بالعمل من أجل تقويض وجودنا. لا تدعوا أحدا يخادعكم بالادعاء المتكرر حول المس بحرية التعبير بهدف التصدي لهذا القانون العادل والمحق أمامنا. لا يوجد هنا أي مس بحرية التعبير والملكية، ولا يوجد هنا أي نية من كم الأفواه أو منع توجيه الانتقادات. هنا إشارة مرور بعنوان "توقف تحريض أمامك" وهذا التحريض يمارس على حساب خزينة الدولة. مجموعة قليلة جدا من الفنانات والفنانين الذين لم يقرأوا القانون بصورة جدية ولا يفهمونه يحاولون تضليل الجمهور ويستخدمون المنصة الفنية لأهداف سياسية".

مرجعيات قانونية قليلة تعارض القانون

الترجمة العملية لهذا الكلام، سواء الذي صرحت به ريغف أو الذي تضمنته ديباجة اقتراح القانون، هي أن من يروي رواية مختلفة عما حدث في هذه البلاد عام 1948، فإنه معرّض لعقوبات مالية. إذا قررت هيئة ثقافية عربية أو يهودية غير صهيونية عقد نقاش أو عرض فيلم أو إنتاج عمل مسرحي أو دعمت بحثاً أو كتاباً يطرق ما جرى من باب النكبة، وليس من باب الاستقلال الإسرائيلي، فإن القانون سيُطبق عليه، سيصادر منه ميزانيات يُفترض أنها تقدم للمواطنين ليس وفقاً لآرائهم بل وفقاً لمواطنتهم وحقهم المدني.

اللافت أن المرجعية القانونية العليا في الكنيست ترفض هذا القانون وتؤكد أنه إشكالي ويفرض قيوداً على حرية التعبير. فالمستشار القانوني للكنيست ايال ينون قال في اجتماع للجنة التعليم والثقافة والرياضة إنه "يمكن اعتبار ذلك (القانون) جزءا من فرض قيود على حرية التعبير"، وهو "يصطدم بعقبات دستورية كبيرة". وتابع: "إن نظرة فاحصة إلى تفاصيل التعديل والمفاهيم الأساسية التي تستند إليه تكشف عن وجود صعوبات دستورية كبيرة، في رأيي، تثير الشك حول ما إذا كانت تستطيع اجتياز اختبارات التدقيق الدستوري. ومن المفترض أن يكون الفنان والمبدع في بلد ديمقراطي صادقا مع نفسه وإنتاجه. من غير المفروض أن تسترشد به اعتبارات الولاء للدولة. إن الفن في دولة ديمقراطية بطبيعته هو تحدٍ، حرج ومثير للخلاف، وغالبا ما يكون مثيرا واستفزازيا، وفي بعض الأحيان لا يتم قبوله بشكل جيد من خلال الإجماع الذي يسعى إلى تقويضه".

موقف مشابه عبّرت عنه نائبة المدعي العام، دينا زيلبر، التي قالت إن مشروع القانون "يطرح صعوبات حقيقية" وصلاحية السلطة التي يخوّل وزيرة الثقافة إياها تنطوي على "رقابة انفرادية". زيلبر كانت انتقدت سلسلة التشريعات التي بادرت اليها حكومة اليمين. ومما قالته: "هذه ليست بأيام بسيطة وهي لا تجلب لنا قوانين جديدة فحسب بل جدلا تصادميا، وجرحاً وتشويهاً لنسيجنا الاجتماعي، ووضع علامات وتصنيف – من معنا ومن ضدنا. فإذا كان هناك شخص موال، هناك إذاً شخص خائن"، علّقت بدقّة!

بعد التصريح الأخير المُضاف الى ما سبقه، تعرّضت هذه الموظفة لحملة شعواء قادتها وزيرة العدل من حزب "البيت اليهودي" اليميني الاستيطاني، أييلت شاكيد، التي طالبت بعزل زيلبر.

فاشيّة القانون من حيث مطلبه بالولاء للعقيدة الصهيونية موقفه المنغلق العدواني من رواية النكبة!

كانت النكبة وما زالت مصدر خوف وأكثر داخل دوائر صنع القرارات والسياسات الاسرائيلية. ربما لأن الزعماء الأوائل ظنوا أن تلك صفحات قد طُويت للأبد مع اكتمال التهجير ثم الاحتلال. لكن مع الوضوح القاطع للتمسك الفلسطيني بالرواية وبالذاكرة، صار مجرد ذكر النكبة مصدر تهديد. وفي المؤسسة الإسرائيلية الحاكمة يتم التعامل مع هكذا "تهديد" بلغة الإدانة ثم التخوين ثم الملاحقة بشتى السبل. كل أطنان الكلام عن "الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط" لا تكفي لإخفاء حقيقة بسيطة: قانون الولاء في الثقافة وما سبقه من قوانين لفرض الولاء بل فرض الشعور بالولاء بواسطة التخويف، هي قصّ للألسُن التي تنطق بآراء مغايرة وكم للأفواه التي تجاهر بحقائق لا تعجب المؤسسة الحاكمة. هذا نفي تام للحق في التعبير والتفكير والاختلاف. بانتفاء هذه يجب التساؤل جدياً عما يبقى في الديمقراطية من جوهر.

كذلك، فعلى الرغم من التسرّع أحياناً في استخدام مفردة/مفهوم الفاشية لوصف أحداث وسيرورات تجري في إسرائيل، فإن ترسيخ "الولاء" كمفهوم وكمفردة تمتد على عدد من القوانين والسياسات، والمطالبة به في سياق رواية قومية إيديولوجية، بل وتجريم من لا يلتزم به، هو مدخل خطير نحو المسلك الفاشي. فوفقاً لأدبيات العلوم السياسية يشكل مفهوم الولاء للأمة، وتفضيله على مكانة الفرد والمواطن وحقه في الاختلاف والخروج عن السرب، أحد العناصر الأساسية في الفكر والممارسة الفاشيين. والقوانين التي تسعى لفرض الولاء في إسرائيل تقوم أولا وأخيراً على محاولة فرض رواية واحدة لتاريخ وحاضر هذه البلاد، وإخراج ما يخالفها ليس خارج الإجماع فحسب، بل خارج القانون أيضاً. إن الموقف المنغلق والعدواني والرّهابي من النكبة الفلسطينية، والسعي الدائم الى اغتيال الخطاب المرتبط بها، والتلويح بمعاقبة المتمسكين به، هو جزء من العقيدة التي ترى أن الولاء للأمة – وفي هذه الحالة الولاء للصهيونية – هو المحور الذي يجب أن ينظم كل ما حوله، وهو يحمل خصائص فاشية واضحة بهذا المعنى.

 "تمكين لسلطة الأغلبية وفرض سلطتها من خلال قمع نشاطات وحرية تعبير الأقلية"

فيما يلي بعض الردود والمواقف التي أكدت حضور ما يمكن تسميته "إنكار النكبة" في خلفيات القانون.
فقد رأى مركز "عدالة" القانوني لحقوق الأقلية العربية الفلسطينية في إسرائيل أن قانون الولاء في الثقافة "يهدف بالأساس إلى تمكين سلطة الأغلبية وفرض سلطتها من خلال قمع نشاطات وحرية تعبير الأقلية، كما في قانون النكبة، وهو أمر غير دستوري ومخالف لكل مواثيق حقوق الإنسان وينتهك الحقوق والحريات الأساسية". وعلى ضوء المصادقة بالقراءة الأولى على مشروع قانون الولاء في الثقافة العنصري، أرسل المركز رسالة إلى المستشارة القانونية لوزارة الثقافة والرياضة، هداس فاربر، والمستشار القانوني للحكومة، أفيحاي مندلبليت، ونائبته دينا زيلبر، طالب فيها بمنع المصادقة النهائية على مشروع القانون.

وجاء في الرسالة أن ذريعة "إنكار وجود إسرائيل كدولة يهودية وديمقراطية" تم التراجع عنها في السابق، في الصيغة النهائية لقانون أساس: الكنيست (قانون الإقصاء)، لأنها فضفاضة ولا يمكن تحديد كيفية استعمالها، وهذه الذريعة عادت في هذا القانون، ومن شأنها إتاحة إساءة استغلال السلطة السياسية التي تملكها الأغلبية.

أما جمعيّة الثّقافة العربيّة فقد رأت، عبر بيان لها، في هذا القانون "جزءاً من سلسلة القوانين العنصريّة التي تستهدف الفلسطينيين في الداخل وهو مرتبط بقوانين عنصريّة أخرى مثل قانون النكبة وقانون القوميّة، التي تستهدف جميعها المجتمع العربي الفلسطيني في أراضي الـ48 ولغته وهويّته ومكانته. إلّا أن القانون الأخير يستهدف بشكل خاص العمل الثقافي والإبداعي الحرّ وحريّة التعبير عن الرأي خصوصاً فيما يتعلّق بالإنتاج والنشر الأدبي الفنّي في قضايا تمس الهويّة الوطنيّة والذاكرة والرواية الجماعيّة للفلسطينيين في الداخل كجزء من الشعب الفلسطيني". ودعت إلى رد جماعي على هذا القانون من خلال دعوة كل الأطر والشخصيّات والمؤسّسات الثقافيّة الفاعلة في المجتمع العربي الفلسطيني في الداخل للعمل بشكل موحّد لمواجهة تداعيات ما يمكّن أن يشكّله هذا القانون على الإنتاج الثقافي ومضمونه، وبث حالة من الخوف في أوساط المؤسّسات والفاعلين الثقافيين بهدف تشكيل حالة من الرّقابة الذاتية والحد من الإبداع واختيار المضامين والسقف السياسي.

"إخضاع عالم الثقافة، الإبداع والفن، إلى قرارات شعبوية واعتبارات جهات سياسية"

على صعيد آخر أرسل "منتدى مؤسسات الثقافة والفن في إسرائيل" عريضة إلى أعضاء الكنيست ضد القانون. وقّع نحو 2800 فنان، مفكّر، كاتب، سينمائي، وشخصيات أخرى من مجال الثقافة في إسرائيل من بينهم خمسة أشخاص حاصلون على "جائزة إسرائيل" العريقة على العريضة التي تطالب بمنع سن القانون.

وجاء فيها: "نحن فنانون ومفكّرون نناشد الحكومة الإسرائيلية والكنيست بعدم سن قانون "الولاء في الثقافة". إذا سُنّ القانون، يمكن سحب التمويل الجماهيري لأي نشاط ثقافي، لأسباب سياسية، ويمكن في إطاره أن يخضع عالم الثقافة الإسرائيلي، الإبداع والفن، إلى تحليلات سياسية، قرارات شعبوية، واعتبارات جهات سياسية". وتابعت الرسالة: "يهدف تمويل المشاريع الثقافية إلى ضمان إطار واسع من التفكير والإبداع، لصالح كل المجتمع الإسرائيلي، والتيارات والآراء المختلفة. لهذا، لا يجوز المصادقة على القانون، ويحظر السماح لأية هيئة حاكمة استخدام ميزانية الجمهور لمنع التعبير الشرعي عن الآراء المختلفة في الحيز العام، التي لا تتماشى مع الهيئة الحاكمة".

صحيفة "هآرتس" كتبت في افتتاحية لها: "إن الادعاء المتشح بالسذاجة والذي يقول ان هذا ليس مسا بحرية التعبير بل مجرد "منع تمويل"، ناجم عن التفكير وكأن ميزانيات الدولة هي الصندوق الصغير لوزراء الحكومة. فإذا أرادوا – يمولون، وإذا أرادوا – لا يمولون. وكل ذلك وفقا لاعتبارات سياسية، لأن لهم "حرية تمويل". غير أن هذا ليس على هذا النحو. فتوزيع الميزانيات العامة في الدولة الديمقراطية يتم وفق معايير متساوية بموجب القانون وليس حسب معايير تسمح للوزير بتوزيع الميزانيات وفقا لفكره السياسي. إن حماية حرية التعبير والإبداع هي مهمة حرجة في مجال الثقافة. ومشروع القانون يسير بإسرائيل نحو وضع يكون فيه الإبداع الذي يمجد الحكومة وسياستها هو وحده ما يتلقى التمويل. هذا الوضع للفن المجند والتابع للنزوات السياسية تتميز به أنظمة سلطوية. لدى وزير المالية صلاحية مشابهة: "قانون النكبة" من العام 2011. لكن ليست الصلاحية المقترحة الآن فقط أكثر حدة بل إن حقيقة انه يوجد منذ الآن قانون ضار لم يسبق أن استخدم ليست ذريعة لتمرير قانون أكثر ضررا، يمنح صلاحيات محددة بالذات للوزيرة المسؤولة عن الثقافة؛ وزيرة سبق أن أعلنت عن نيتها استخدامه تجاه أعمال إبداعية فيها انتقاد للجيش، للاحتلال، او حتى إذا كان فيها عري (مس على حد رأيها بـ "يهودية الدولة")".

"يرتبطون بشكل علني ودون خجل مع المعسكر القومجي المتطرف وغير الليبرالي"!

عدنا هرئيل فيشر كتبت مقالا عنونته بـ: لا يوجد قانون "ولاء" في الثقافة. وانتقدت فيه أقلاماً روّجت للقانون مثل محرر القسم الأدبي في "هآرتس" بني تسيبر الذي كتب مقالا بعنوان "حرية الفن ليست فوق كل شيء" زعم فيه أنه من حق الدولة الدفاع عن نفسها مثلما يحق لمرأة الدفاع عن نفسها.. وتقول كاتبة المقال: خلافاً لادعاء تسيبر، ليس هناك في القانون الفرنسي نظام مشابه لذلك المقترح في إسرائيل الآن. القانون الفرنسي من عام 2010 ينص على اعتبار إهانة العلم والشعار مخالفة جنائية. دول أخرى تعتبر أيضاً أن إهانة العلم هي مخالفة جنائية، وعدد من الدول يعتبر أن إهانة علم دولة أخرى هو مخالفة جنائية. مخالفة مشابهة منصوص عليها في القانون الإسرائيلي من العام 1949 وشددت عقوبتها في 2016. بين هذه وبين مشروع قانون "ولاء في الثقافة" ثمة فجوة كبيرة: القانون الفرنسي لا يعطي الصلاحية للوزير أو أي جهة إدارية أخرى لفحص نشاطات ثقافية وتقليص ميزانيات مؤسسات ثقافية إذا وجد أنها أهانت العلم.

وهي تشدد على أن: الأسس المتضمنة في مشروع القانون تخلط بين تلك التي يغطيها أصلاً القضاء الجنائي في إسرائيل وفي دول كثيرة أخرى، وبين أسس ليست كتلك ـ مثل الانشغال بـ "النكبة ونفي وجود الدولة كدولة يهودية". هذه الأسس تسمح لكل وزير بالمس بتمويل الفن الذي لا يروق له بالمعنى السياسي: قضايا الدين والدولة، و"عروض التعري"، واهتمام تاريخي بإقامة الدولة أو بمكانة مواطني إسرائيل العرب، ويمكن أن تعتبر ضمن هذا التفسير أو ذاك كمس بالدولة بصفتها "دولة يهودية وديمقراطية". وتختتم قائلة إنه "من الأفضل النظر للواقع بقلق ووقف القانون السيء".

في سياق أوسع تجدر الإشارة الى ما كتبه المؤرخ ديمتري شومسكي في "هآرتس"، تحت العنوان: "عن الإفلاس القومي والأخلاقي للصهيونية والدولة اليهودية". المقال لا يتطرق مباشرة الى قانون الولاء في الثقافة، لكنه يحتوي على رؤى تلقي الضوء على السيرورة التي أفضت الى مثل هذا القانون.

يكتب: "من دون نفي الصفات القمعية وغير الديمقراطية للتطلع الصهيوني ما بعد تصريح بلفور، بتحويل الفلسطينيين من أغلبية الى أقلية في وطنهم – فان صورة المستقبل السياسي التي وضعها صهاينة كثيرون أمام أعينهم، سواء بخصوص أرض إسرائيل أو بخصوص شرق ووسط أوروبا ما بعد الإمبراطوريات، كانت ترتكز على حلم الديمقراطية متعددة القوميات، التي ستحترم، سواء حقوق الأقلية القومية للعرب في الدولة اليهودية أو حقوق الأقلية القومية لليهود في الدول غير اليهودية". ويجزم: "إن من يتفاخرون بالحديث اليوم باسم الصهيونية والمصالح الحيوية للشعب اليهودي، بنيامين نتنياهو ومعاونيه، يرتبطون اليوم بشكل علني ودون خجل مع المعسكر القومي المتطرف وغير الليبرالي".

 

 

الخميس, ديسمبر 13, 2018

مركز مدار

المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية "مدار"، هو مركز بحثي مستقل متخصص بالشأن الإسرائيلي، مقره في مدينة رام الله. تأسس في  العام 2000، بمبادرة مجموعة من المثقفين والأكاديميين الفلسطينيين، من بينهم: الشاعر الكبير الراحل محمود درويش، د. ليلى فيضي، د. علي الجرباوي، د. أحمد حرب، وليد الأحمد، وأكرم هنية. تم تسجيل المركز كجمعية أهلية غير ربحية.

القائمة البريدية