شكّلت عملية اغتيال قاسم سليماني، قائد "فيلق القدس" في الحرس الثوري الإيراني، قبل أكثر من أسبوع، ذروة التوتر بين إيران والولايات المتحدة الأميركية.

وأشارت مصادر إعلامية إسرائيلية إلى أن الادارة الأميركية بلغت إسرائيل بعملية الاغتيال قبل وقوعها تحسباً لأي رد فعل إيراني ضد هذه الأخيرة. وفي أعقاب الاغتيال هددت إيران بأنها سوف تضرب مصالح الولايات المتحدة وحلفائها في الشرق الأوسط، واضعة لنفسها هدفا استراتيجيا هو إنهاء الوجود الأميركي في المنطقة.

والسؤال المطروح: كيف سوف يؤثر هذا التوتر المتصاعد بين إيران والولايات المتحدة على إسرائيل؟

قد يبدو هذا السؤال منطوياً على نوع من التبسيط، حيث أن إسرائيل تقود منذ سنوات حربا ضد إيران بأشكال مختلفة، مباشرة وغير مباشرة، وتمحورت المعركة الأخيرة بين الطرفين على الساحة السورية بالأساس وفي العراق بدرجة أقل. ووضعت إسرائيل لنفسها عدة أهداف في صراعها مع إيران، يتمثل الهدف الأول في منع إيران من امتلاك سلاح نووي، ويتمثل الهدف الثاني في منع تموضعها العسكري في سورية. ويشكل هذان الهدفان الأساس التي تقوم عليه الاستراتيجية الإسرائيلية في صراعها مع إيران، وتنضاف لهما أهداف أخرى تتعلق بإجهاض محاولات إيران تسليح المنظمات الفلسطينية وحزب الله بسلاح نوعي يُوصف بأنه "كاسر للتوازن"، وتنجح إسرائيل بذلك أحيانا وتخفق في أحيان أخرى.

وشنت إسرائيل في السنوات الأخيرة مئات الهجمات على مواقع إيرانية في سورية، ووسعت هجماتها لتشمل مواقع إيرانية في العراق، تشكل الثغور الأمامية في دعم التموضع الإيراني في سورية، أو لضرب مواقع فيها صواريخ بعيدة المدى. وفي المجمل كان رد الفعل الإيراني على الهجمات الإسرائيلية المتكررة والمثابرة متواضعا، ينحصر في الردود السريعة والرمزية التي لا تجبي ثمنا باهظا من إسرائيل، خاصة في الأرواح. وثمة من يعتقد أنه عبر هذه الهجمات المتكررة استطاعت إسرائيل أن تضعف هيبة الردع الإيراني. صحيح أن إيران تتحرك في اليمن، وقامت بمهاجمة حقول النفط السعودية، وأسقطت طائرة بدون طيار، إلا إن ردود فعلها على الهجمات الإسرائيلية عليها أفقدها الكثير من هيبتها الإقليمية، ويبدو أنه فقط ضعف الدول المجاورة لها مثل العراق واليمن ودول خليجية هو العامل الرئيس الذي لا يزال يحفظ هيبة إيران الإقليمية في المنطقة العربية.

وبالرغم من هذه الخلفية للصراع بين إسرائيل وإيران، فإن إسرائيل الرسمية تعاملت بصورة يمكن وصفها بأنها محافظة مع اغتيال سليماني، فلم تخرج بتصريحات احتفالية، واقتصر الأمر على تصريحات عادية من رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، وبعض وزرائه الذين كانوا حذرين في تصريحاتهم، معتبرين أن الولايات المتحدة تتحرك وفق مصالحها كقوة دولية. في هذا الصدد أدلى نتنياهو بمقولة عامة جاء فيها: "إننا نتابع الأحداث بكل يقظة، ونقيم اتصالات مستمرة مع صديقتنا الكبيرة الولايات المتحدة. وأود أن أقول شيئاً واضحاً: نحن ندعم جميع الخطوات الأميركية دعماً كاملاً، وندعم حقها الكامل في الدفاع عن نفسها وعن مواطنيها".

اعتبارات رد الفعل الإسرائيلي
جاء رد الفعل الإسرائيلي الذي وصفناه بأنه محافظ أو منضبط، بناء على اعتبارات عديدة نذكر منها ما يلي:

أولاً، عدم وضوح مآلات المشهد الحاصل في اعقاب اغتيال سليماني، وغياب أي معلومات يمكن البناء عليها أو بلورة موقف تجاهها، فاغتيال سليماني كان مفاجئا للجميع، حتى أن وزراء إسرائيليين لم يخفوا مفاجأتهم من هذه الخطوة، لذلك يمكن التقدير بأن الموقف الإسرائيلي ليس نابعاً فقط من ضبابية الرد الإيراني بعد الاغتيال فحسب، وإنما أيضاً من الخطوات الأميركية من جهة أخرى. في هذا السياق، أشارت تحليلات إسرائيلية شتى منها تحليل المحلل العسكري لصحيفة "معاريف"، طال ليف رام، إلى أنه إضافة إلى إغلاق جبل الشيخ، في إثر اغتيال سليماني، فإن الجيش الإسرائيلي "نفذ عمليات ميدانية أخرى كثيرة. وكافة الاحتمالات كانت على الطاولة"، لكن صورة الوضع لم تكن واضحة؛ "فالتقديرات لم تكن تستند إلى معلومات استخبارية محددة. وفي الجيش الإسرائيلي قرروا أنه في وضع ليس واضحا إلى هذه الدرجة، لا يجوز المخاطرة". وبحسب ليف رام، فإن الصورة الاستخبارية "أخذت تتضح بسرعة وأشارت إلى أنه في المرحلة الأولى، إسرائيل ليست جزءا من الحدث، وأنه حدث يدور بين الولايات المتحدة وإيران فقط. والتقديرات التي استُعرضت أمام المستوى السياسي تحدثت عن أنه في هذه المرحلة ثمة احتمال ضئيل جدا لرد (إيراني) ضد إسرائيل، وانخفض مستوى التأهب بما يتلاءم مع ذلك". وعلى الرغم من ذلك، أشار ليف رام إلى أنه "في الأمد المتوسط ستتغير الصورة. وفي الأشهر القريبة قد نشعر بتأثير الحدث من ناحيتي التهديدات والتصعيد الفعلي، وكذلك من خلال الاعتبارات الإسرائيلية إزاء استمرار التموضع الإيراني في سورية".

ثانيا، إسرائيل غير راغبة بحرب في المنطقة: استطاعت إسرائيل في السنوات الأخيرة تأسيس أدوات استراتيجيتها التي تتمثل في منع التموضع الإيراني في سورية، من خلال سياسة الهجمات المتكررة على القواعد الإيرانية في سورية، وهي تقوم بذلك بدون إزعاج عسكري كبير من سورية وإيران، وضمن ما يبدو أنه توافق روسي- إسرائيلي على قواعد اللعبة داخل سورية. وتعتقد إسرائيل أنه في هذه المرحلة فإن هذا النوع من الهجمات النوعية المثابرة، والضغط الاقتصادي على إيران، وإضعافها إقليميا في باقي الساحات، هو ما سيحقق لها أهدافها الاستراتيجية بما في ذلك تعزيز حضورها في الساحة الإقليمية وتطبيع علاقاتها مع دول عربية. ويشير عدد من المحللين العسكريين في هذا الصدد إلى أنه "بالنسبة لإسرائيل يكمن في اغتيال سليماني احتمال لانفجار استراتيجي كبير، لكن الاعتقاد في جهاز الأمن هو أنه ما زال من السابق لأوانه تحديد الاتجاهات والتطورات التي سيؤدي إليها. وعلامات الاستفهام كبيرة، خاصة على ضوء حقيقة أن الأميركيين، وأولهم الرئيس دونالد ترامب، أثبتوا إلى أي مدى يمكن أن يكون ردهم غير متوقع". وكشفت صحيفة "معاريف" أن جهاز الأمن الإسرائيلي كان حذراً حيال تقديرات مفادها أن اغتيال سليماني سيغير سياسة ترامب في الشرق الأوسط، "التي تتأثر بمصالح أميركية فقط. ووفقا لهذا المفهوم، تدرك إسرائيل أنها ستضطر إلى أن تحارب لوحدها التموضع الإيراني في سورية. ويتوقع أن تزيد التطورات الأخيرة معضلة إسرائيل بشأن كيفية مواصلة العمل ضد مشروع حزب الله لتحسين دقة الصواريخ". وأشارت الصحيفة إلى أنه "في المستوى السياسي والأمني الرفيع يدّعون بإصرار أنه سيتم التمسك بالخطوط الحمراء، حتى لو كلّف ذلك مخاطرة أكبر بنشوب حرب في الجبهة الشمالية. وفي هذه الأثناء، يبدو مؤخرا، وعلى ضوء الواقع المعقد في إسرائيل، أن وتيرة الغارات في سورية قد تراجعت". وتوقع المحلل العسكري للصحيفة أن يتم اتخاذ قرارات مهمة فيما يتعلق بسياسة إسرائيل تجاه التموضع الإيراني في سورية وحزب الله، فقط بعد تشكيل حكومة جديدة؛ "لكن في هذه الأثناء، الميدان لا ينتظر نتائج الانتخابات (للكنيست)، ويتوقع أن تضع الأشهر القريبة تحديات كبيرة أمام المستويين الأمني والسياسي". وأردف أن "إسرائيل ستكون مطالبة، هذا العام، باستثمار موارد كثيرة في تحليل المعلومات الاستخبارية حول إيران، ومتابعة البرنامج النووي هناك. وإلى جانب القيود المعروفة للاتفاق النووي مع القوى الكبرى، فإن التقديرات العامة في الاستخبارات العسكرية كانت حتى القرار الأميركي بالانسحاب من الاتفاق النووي، أن الإيرانيين التزموا عموما ببنوده. والآن يدركون جيدا في إسرائيل أنه قد يكون هناك تغيير جوهري في الوضع، وبما يتلاءم مع ذلك فإن سلم أولويات الجيش الإسرائيلي قد يتغير في كل ما يتعلق بعمل الاستخبارات والتدريبات وبناء القوة في سلاحي البرية والجو".

ثالثا، قلق إسرائيل من تحركات أميركية من دون إشراكها: تشير التقديرات الإسرائيلية إلى أن الولايات المتحدة في فترة ترامب قد تتخذ خطوات أحادية فيما يتعلق بالشرق الأوسط من دون إشراكها في ذلك، وهو ما يضع إسرائيل لوحدها في مواجهة التحديات الإقليمية عموماً، وإيران خصوصاً. صحيح أن إسرائيل وخلال السنوات الأخيرة شنت مئات الهجمات في سورية، غير أن الحضور الأميركي في المنطقة وتنسيقها مع واشنطن في الرؤية الاستراتيجية وفرا لها غطاء سياسيا واستراتيجيا. في ذات الوقت تعرف إسرائيل أن ترامب لا يرغب بشن حرب في المنطقة، حيث أن ذلك مناقض لجوهر خطابه حول الانسحاب الأميركي من المنطقة وعدم التورط في حروب مكلفة لا تفيد الولايات المتحدة، وذلك يبقي إسرائيل وحيدة. وهذا يعني أن التخوف الإسرائيلي نابع من قيام ترامب بخطوات غير مدروسة ذات طابع انتقامي دون أن يرغب في شن حرب من جهة أخرى، وهو بذلك يضع إسرائيل أمام الرد الإيراني رغم عدم إشراكها في الخطوات التصعيدية الأميركية.

مصلحة نتنياهو

على الجانب الآخر، يمكن اعتبار أن اغتيال سليماني من شأنه أن يلعب دورا لصالح رئيس الحكومة نتنياهو، حيث أن هذا الأخير معني بعودة تصدّر الموضوع الأمني للمشهد الانتخابي في إسرائيل حتى الانتخابات المقبلة في آذار القريب، بما يؤدي إلى إزاحة الانشغال في ملفات الفساد المتورط بها. وفي هذا الشأن رأى رئيس تحرير صحيفة "هآرتس"، ألوف بن، أن الرابح الأكبر من الاغتيال هو نتنياهو الذي تواجهه ثلاث لوائح اتهام بالفساد تهدد مسيرته السياسية، حيث غيّب الاغتيال ملفات فساد رئيس الحكومة والسجال حولها، كما أعاد التحديات والأوضاع الأمنية إلى السجال في المشهد السياسي وحملة الانتخابات البرلمانية. ويقدر بن أن نتنياهو سيستغل اغتيال سليماني وسيوظفه في حملته الانتخابية عبر حرف الأنظار عن ملفات الفساد والحصانة البرلمانية والتلويح مجددا بالتهديدات الإيرانية، مضيفا أن تشكيل حكومة يمينية برئاسته يعتمد على نجاحه في الاحتفاظ والإبقاء على الأجندة الأمنية والخطر والتهديد الإيراني على جدول أعمال المجتمع الإسرائيلي واهتمامه حتى حسم الصندوق في انتخابات الكنيست.

بالرغم من هذا التحليل فإنه لا يأخذ في الاعتبار أن الانتخابات في إسرائيل لا تزال بعيدة عن حدث اغتيال سليماني، وقد لا يؤدي دورا ذا وزن كبير في الحملة الانتخابية خصوصاً بعد رد الفعل الإيراني المحدود جداً على عملية الاغتيال، واستيعاب الولايات المتحدة لهذا الرد، معتبرة أن الموضوع قد انتهى. وواضح أن إيران والولايات المتحدة لا ترغبان بمواجهة عسكرية شاملة سيكون الخاسر فيها هما الطرفان، ولا سيما ترامب الذي جاء إلى البيت الأبيض بخطاب انعزالي وتأكيد عدم التورط في حروب جديدة من أجل الآخرين، ويخوض حملة انتخابات ثانية للرئاسة.

وأضيف إلى هذا كله حادثة إسقاط طائرة الركاب المدنية الأوكرانية واعتراف إيران بأنها أسقطتها من طريق الخطأ خلال قيامها بالرد على اغتيال سليماني بقصف قاعدتين عسكريتين أميركيتين في العراق بالصواريخ الباليستية. ومن المتوقع أن تؤثر هذه الحادثة على موقف طهران الذي يُشار إلى أنه الأساس الذي سيؤجج أي تداعيات في المستقبل.

 

التقارير الخاصة تصدر بالتعاون مع وزارة الخارجية النرويجية، محتوى التقارير لا يعكس بالضرورة موقف وزارة الخارجية النرويجية.

الأربعاء, يناير 29, 2020

مركز مدار

المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية "مدار"، هو مركز بحثي مستقل متخصص بالشأن الإسرائيلي، مقره في مدينة رام الله. تأسس في  العام 2000، بمبادرة مجموعة من المثقفين والأكاديميين الفلسطينيين، من بينهم: الشاعر الكبير الراحل محمود درويش، د. ليلى فيضي، د. علي الجرباوي، د. أحمد حرب، وليد الأحمد، وأكرم هنية. تم تسجيل المركز كجمعية أهلية غير ربحية.

القائمة البريدية