سجلت وزيرة العدل السابقة أييليت شاكيد، في حملة الانتخابات البرلمانية المعادة، الجارية الآن، سابقة، بالإمكان القول إنها لم تمر ولو للحظة، في خاطر أي من حاخامات التيار الديني الصهيوني، ولا أي مجموعة دينية يهودية إسرائيلية، بأن امرأة "علمانية" تترأس قائمة انتخابية يسيطر عليها هذا التيار الديني الصهيوني.

فهناك من وصفها بأنها "النجم الصاعد" في اليمين الاستيطاني؛ إلا أن اختيارها كان خيار اللامفر أمام قوائم صغيرة تحالفت؛ ولو بقيت متفرقة لكانت كلها أمام حاجز نسبة الحسم؛ ولذا فإننا قد نجد شاكيد بعد مرحلة قصيرة كشهاب عابر في فضاء هذا اليمين، حتى يعبر مرحلة.

بدأت أييليت شاكيد، الحاصلة على شهادة مهندسة الحاسوب، حياتها في الحلبة السياسية، مديرة مكتب رئيس المعارضة بنيامين نتنياهو، بين العامين 2006 و2008. كما أنها مع زميلها السياسي، نفتالي بينيت، أسسا في العام 2010 حركة "يسرائيل شيلي" (إسرائيل خاصتي)، وهي واحدة من حركات اليمين المتطرف، التي تنشط في صفوف الأجيال الشابة، وتنشط في الخارج، بين أوساط مجموعات الضغط الصهيونية، ضد حركات الرفض للسياسات الإسرائيلية.

وقد غادرت شاكيد هذه الحركة في العام 2012، تمهيدا لدخولها السياسة في انتخابات 2013. وتغيّر اسم الحركة إلى "صندوق أصدقاء إسرائيل خاصتي". وباتت مكاتب هذه الحركة في مكاتب مجلس مستوطنات الضفة المحتلة.

وصلت أييليت شاكيد (43 عاما) إلى الكنيست لأول مرّة، في انتخابات 2013، ضمن تحالف "البيت اليهودي"، الذي ضم في حينه حزب "المفدال" الديني التاريخي، الذي استبدل اسمه إلى "البيت اليهودي"، وكان يومها برئاسة نفتالي بينيت، الذي استحضر شاكيد، كوجه علماني يعزز هذا التحالف، الذي ضم أيضا حزب "هئيحود هليئومي" (الاتحاد الوطني).

وخلال الولاية البرلمانية، التي امتدت لعامين فقط، حتى العام 2015، برزت شاكيد، كرئيسة للكتلة البرلمانية، ولكن الأهم، كواحدة من أبرز المبادرين للقوانين العنصرية. إلا أن تلك الولاية لم تنه الكثير من التشريعات، بسبب قصر عمرها البرلماني.

نشاطها البارز في تلك الولاية البرلمانية، دفعها إلى مقدمة القائمة التحالفية في انتخابات 2015، وحلت ثالثة. ومع حصول القائمة على 8 مقاعد، حصلت شاكيد على حقيبة العدل. فهذه الحقيبة أهميتها ليست فقط في مهمتها العينية، بل إن الوزير يقف على رأس اللجنة الوزارية لشؤون التشريعات، وهي اللجنة التي تبت في المشاريع القانونية الحكومية، وتُبدي موقفها من مشاريع القوانين التي يبادر لها النواب.

وكان لشاكيد دور مركزي كبير جدا، في دفع عشرات القوانين العنصرية والداعمة للاحتلال والاستيطان، في الولاية البرلمانية الـ 20 (2015- 2019). حتى أنجز الكنيست 41 قانونا من هذه الفئة، وأبقى قانونين اثنين، في مرحلة القراءة الأولى، ولم يُكمل الكنيست تشريع 23 قانونا دخلت إلى المرحلة التمهيدية. وبموجب الأنظمة فكل هذه القوانين تسقط عن جدول أعمال الولاية البرلمانية التالية ويتم تقديمها من جديد بعد الانتخابات.

انقسام وفشل
بعد أيام قليلة من قرار حل الكنيست الـ 20، في نهاية تشرين الثاني 2018، بادر من كان وزيرا للتعليم، نفتالي بينيت، وزميلته شاكيد، للانفصال عن تحالف "البيت اليهودي"، وكما يبدو في سعي لبناء حزب وقائمة انتخابية قادرة على جلب مصوتين علمانيين من اليمين الاستيطاني، على ضوء استفحال التشدد الديني، في التيار الديني الصهيوني. وهذا رغم أن بينيت هو من ذلك التيار الديني الصهيوني.

وأقام بينيت وشاكيد حزب "اليمين الجديد"، بينما من بقي في التحالف السابق، حزبا "المفدال" (البيت اليهودي) و"هئيحود هليئومي"، تحالفا مع حركة "عوتسما يهوديت" المنبثقة عن حركة "كاخ" الإرهابية. وأطلقوا على ذلك التحالف اسم "اتحاد أحزاب اليمين".

طوال الحملة الانتخابية، لانتخابات نيسان، كانت استطلاعات الرأي تُظهر قوة ثابتة لقائمة "اليمين الجديد"، ليحصل بالمعدل على 6 مقاعد، بينما تحالف "اتحاد أحزاب اليمين"، كان في تلك الاستطلاعات في دائرة "الخطر"، ليحصل على ما بين 4 إلى 5 مقاعد.

إلا أن النتيجة جاءت معكوسة، فقد فاز "اتحاد أحزاب اليمين" بـ 5 مقاعد، بينما "اليمين الجديد" لامس نسبة الحسم، مبتعدا عن أصواتها بنحو 1400 صوت، ولم يدخل البرلمان، وكان مجموع الأصوات التي حصل عليها 138600 صوت، وهو ما يزيد عن 4 مقاعد.
هذا الانشقاق، إضافة إلى خسارة حزب "زهوت" برئاسة المتطرف موشيه فيغلين، أفقد اليمين الاستيطاني ما يعادل 7 إلى 8 مقاعد. ولكن مع حل الكنيست في اليوم الأخير من شهر أيار 2019، أعلن بينيت وشاكيد عزمهما خوض المغامرة ثانية. فقام بنيامين نتنياهو على الأثر بفصلهما من الحكومة، كي لا يكسبا قوة في الانتخابات التالية، التي ستجري يوم 17 أيلول.

في المقابل، فإن تحالف "اتحاد أحزاب اليمين"، انسحبت منه حركة "عوتسما يهوديت"، بسبب عدم حصولها على مقعد متقدم في القائمة، وفي هذه الحالة، فإن كل أحزاب المستوطنين، باتت أمام عقبة نسبة الحسم، 3,25%، التي احتاجت في انتخابات نيسان لحوالي 140 ألف صوت.

"نجم" شاكيد والتحالفات

في هذه الاثناء، بدأت أصوات في حزب الليكود، تنادي باستيعاب أييليت شاكيد ضمن قائمة الليكود للانتخابات المقبلة، بسبب شعبيتها بين أوساط اليمين الاستيطاني. واشتدت المطالبات، بعد اندماج حزب "كولانو"، بزعامة موشيه كحلون، بحزب الليكود. إلا أن بنيامين نتنياهو رفض هذا الطلب بشدّة، وهذا رد "طبيعي" من نتنياهو، الذي عمل على مدى السنوات الأخيرة، على "إطفاء" نجوم الليكود، وابعادهم عن دوائر الضوء، كي لا ينافسه أحد على رئاسة حزبه.

ولكن "حماسة" الليكود لأييليت شاكيد، شجعها على تحدي زميلها السياسي، الذي رافقته على مدى سنوات، نفتالي بينيت، واشترطت عليه رئاسة "اليمين الجديد"، وإلا ستعتزل السياسة، وقد تغادر البلاد لفترة، لإكمال دراستها. وكما يظهر لم يكن أمام المتدين بينيت سوى القبول بهذا الشرط. ومن ثم بدأت مفاوضات لتوحيد القائمتين، "اليمين الجديد" و"اتحاد أحزاب اليمين". وفي الحال صدرت فتوى من حاخامات في اليمين الاستيطاني، تمنع رئاسة امرأة لقائمة يسيطر عليها التيار الديني الصهيوني. ولكن لاحقا ظهر حاخامات آخرون، يعترضون على فتوى كهذه، ما فسح المجال لتشكيل قائمة "يامينا" برئاسة أييليت شاكيد، ولكن هذا التحالف لم يضم "عوتسما يهوديت".

وحتى الآن، تمنح استطلاعات الرأي هذا التحالف 11 مقعدا. وقسم من هذه المقاعد سيكون على حساب الليكود، الذي يهبط في استطلاعات الرأي، حاليا، إلى حوالي 30 مقعدا، بدلا من 35 مقعدا في انتخابات نيسان، ويضاف لها 4 مقاعد حزب كحلون، بمعنى خسارة 9 مقاعد.

قيادة عابرة

في خطابه أمام مجلس حزب "البيت اليهودي" (المفدال) قال الحاخام البارز جدا في أوساط التيار الديني الصهيوني، والنائب الأسبق حاييم دروكمان، إن تحالف "يامينا"، هو تحالف تقني، سيتم تفكيكه بعد الانتخابات؛ في محاولة لتبرير القبول برئاسة شاكيد لرئاسة هذا التحالف. ولكن ما يقوله دروكمان ليس مؤكدا، لأن تفكيك التحالف سيؤدي إلى خسارات في توزيع الوظائف البرلمانية، والتمثيل في الحكومة.

من ناحية أخرى، فإن رئاسة شاكيد لهذا التحالف ستبقى لاحتياجات حزبية، لتحالف يضم ثلاثة أحزاب متنافسة في ما بينها أصلا، على أصوات المستوطنين، وجمهور اليمين الاستيطاني خارج المستوطنات. ما يعني أنه لن يكون لها تأثير قيادي على أحزاب التحالف، ولا حتى على حزبها "اليمين الجديد". فنفتالي بينيت يطمح ليكون دائما رقم واحد، ولطالما تحدى نتنياهو مباشرة.

وما يجعلنا نتمسك بقدر كبير باستنتاج أن أييليت شاكيد ستكون مجرد شهاب قوي ولكن عابر في فضاء اليمين الاستيطاني، هو أن شركاءها من التيار الديني الصهيوني باتوا يجاهرون أكثر في الأشهر الأخيرة بتشددهم الديني، ولن يقبلوا بقيادة شاكيد لفترة أطول.

فعلى سبيل المثال، خلال المفاوضات لتشكيل الحكومة بعد انتخابات نيسان، طالب تحالف "اتحاد أحزاب اليمين"، بأن تسمح الحكومة بالفصل بين الرجال والنساء في الجيش، وأن يكون مسموحا لشبان التيار الديني الصهيوني بأن يخدموا في وحدات عسكرية، خالية من النساء.

ولاحقا أعلن من بات وزيرا للمواصلات، بتسلئيل سموتريتش، أنه أراد حقيبة العدل، كي يفرض على إسرائيل الشريعة اليهودية "كما كان في أيام داود الملك وسليمان الملك"، وعاد على تصريحه مرارا، وآخرها في أوائل شهر آب الجاري.

وقبل أيام، في 11 آب الجاري، هاجم سموتريتش قرار المحكمة العليا الذي منع قيام حفل خاص للمتدينين الرجال في أحد متنزهات مدينة العفولة، واعتبر القرار أنه "إكراه علماني".

أمام تشدد وتطرف ديني كهذا، ورغم ما تبديه شاكيد من توجهات محافظة، وموافقتها على الحفاظ على الوضع القائم في ما يتعلق بعلاقة الدين بالدولة، فإن هذا التيار الديني لن يُسلّم بتزعمها بعد الانتخابات، ما يجعلنا نتوقع الكثير من الصراعات داخل هذا التحالف، في الولاية البرلمانية المقبلة.

 

 

التقارير الخاصة تصدر بالتعاون مع وزارة الخارجية النرويجية، محتوى التقارير لا يعكس بالضرورة موقف وزارة الخارجية النرويجية.

الأربعاء, نوفمبر 20, 2019

مركز مدار

المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية "مدار"، هو مركز بحثي مستقل متخصص بالشأن الإسرائيلي، مقره في مدينة رام الله. تأسس في  العام 2000، بمبادرة مجموعة من المثقفين والأكاديميين الفلسطينيين، من بينهم: الشاعر الكبير الراحل محمود درويش، د. ليلى فيضي، د. علي الجرباوي، د. أحمد حرب، وليد الأحمد، وأكرم هنية. تم تسجيل المركز كجمعية أهلية غير ربحية.

القائمة البريدية