تقول تقارير إسرائيلية متطابقة إن الانتخابات الإسرائيلية العامة المقبلة قد تكون هي أيضاً أحد أهداف خداع شبكات التواصل الاجتماعي، كما جرى في انتخابات دول كبرى في العالم، أبرزها الانتخابات الأميركية في العام 2016، التي يجري التحقيق بشأنها، وقد يتبين أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب متورط فيها.

 وبحسب تلك التقارير، فإن مؤشرات أولية بدأت تظهر في ما يتعلق بالانتخابات الإسرائيلية، وخاصة نشر صفحات مساندة، أو أخبار كاذبة.

بموازاة هذا قال تقرير آخر إن هناك شبهات أولية بأن جهات إيرانية كانت تستعد للتدخل هي أيضا في الانتخابات الإسرائيلية المقبلة.

وفيما يتعلق بالجانب الأول، كشفت صحيفة "كالكاليست" (تابعة لـ"يديعوت أحرونوت") أن ما أسمته "حرب شبكات التواصل" ونشر أخبار كاذبة وأشكال أخرى للخداع سجلت في الأشهر الأخيرة قفزة، في ما يرتبط بالحلبة الإسرائيلية. وأشارت إلى أنه قبل ثلاث سنوات ونصف السنة، حينما جرت آخر انتخابات برلمانية إسرائيلية (في العام 2015)، لم تكن هذه الظاهرة قد انتشرت بقوة في العالم، وعلى الأقل لم تكن بهذا القدر الكبير في الساحة الإسرائيلية. وكان مركز الثقل الأكبر في تلك الانتخابات يتجه إلى استئجار خدمات مكاتب علاقات عامة، للسيطرة على التعقيبات على الأخبار التي تنشر في موقع الإنترنت الإخبارية والاجتماعية، وكانت تلك "بضاعة رائجة" وذات تأثير، إلى جانب نشر أخبار كاذبة في وسائل الإعلام العادية.

وخصّت الصحيفة بالذكر الخبر الكاذب الذي نشره رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو بلسانه مصورا بشريط فيديو، وزعم فيه أن "العرب يتدفقون بالباصات" على صناديق التصويت، وبتمويل وتشجيع "جمعيات اليسار"، وكان هذا مساء يوم الانتخابات نفسه، وذلك لغرض تحفيز جمهور اليمين الإسرائيلي على المشاركة والإدلاء بصوته لغاية تعزيز قوة الأحزاب اليمينية ولا سيما الليكود، وصدّ القوة الانتخابية لفلسطينيي الداخل، الذين سجلوا في تلك الانتخابات طفرة في نسبة التصويت، من 54% في العام 2013، إلى 62.5% في 2015، على خلفية إقامة القائمة المشتركة.

وقد انهالت الانتقادات على نتنياهو من جهات عدة في حينه، لكن أبرزها كان من الولايات المتحدة الأميركية، ومن شخص الرئيس السابق باراك أوباما، كما انضمت لانتقاد نتنياهو على تحريضه دول أوروبية كبرى، مثل فرنسا ودول أخرى في شمال أوروبا.

غير أنه في ظل انتشار شبكات التواصل الاجتماعي بهذا القدر الكبير، فإن مركز ثقل التعقيبات في مواقع الإنترنت تراجع كثيراً. ويتجه مركز الثقل الآن إلى شبكات التواصل.

وبحسب الصحيفة نفسها، تمّ في الأسبوع الماضي كشف قائمة أسماء مزيفة في شبكة "تويتر"، تسوّق رسائل سياسية مؤيدة لوزير الدفاع السابق موشيه يعلون، الذي أطاح به نتنياهو في مطلع حزيران 2016، من أجل إسناد الحقيبة إلى الوزير الحالي أفيغدور ليبرمان، في مقابل دخول حزب الأخير ("إسرائيل بيتنا") إلى الائتلاف الحاكم.

ومنذ ذلك الحين يشن يعلون حملة ضد نتنياهو، أعلن خلالها عزمه على خوض الانتخابات المقبلة. وفي موازاة ذلك، يبدو أن يعلون هو شاهد أساس في قضية شراء الغواصات الحربية من ألمانيا، وهي الصفقة التي اتضح أن فيها رشى وخداعاً من أشخاص داخل الحلقة الضيقة المقربّة من نتنياهو، وتلمّح تقارير إلى احتمال أن يكون قرار نتنياهو الإطاحة بيعلون نابعاً من هذه القضية، لكون الأخير عارض إبرام تلك الصفقة، بينما ضغط نتنياهو لإتمامها.

وقد نفى طاقم العاملين مع يعلون أي علاقة بالأسماء المزيفة التي روجت له في شبكة "تويتر"، واتهم خصوما ليعلون بهذه الأسماء الوهمية. ووفقاً للتقرير، فإن شبكة الأسماء المستعارة التي بثت الرسائل الودية ليعلون عملت بمستوى مهني متدن، وكان من السهل جدا فك الرموز لمعرفة مصدر هذه الصفحات، وتم إلغاؤها.

كما تطرق التقرير إلى حادثة أخرى وقعت في مطلع الشهر الجاري، إذ تم نشر صورة كما لو أنها لمحادثة داخلية في شبكة "واتس أب" لعدد من أعضاء الكنيست من كتلة "المعسكر الصهيوني"، وكأن المحادثة تعلق على مظاهرة لجهات في الطائفة العربية الدرزية، ضد "قانون القومية"، والتي جرت يوم 4 آب الجاري في تل أبيب، وظهر كأن النواب يتداولون حول كيفية استثمار المظاهرة لصالح كتلتهم انتخابيا، ليتبين أن هذا مجرد تصميم غرافي ولا أساس له في الواقع.

وتضمنت المحادثة المزعومة أيضا تداولا حول المستقبل السياسي لأشخاص قادوا تلك المظاهرة، مثل العميد احتياط في الجيش الإسرائيلي أمل سعد، وكأنه سيكون مرشحا في قائمة "المعسكر الصهيوني" في الانتخابات المقبلة، بدلا من النائب الحالي من الطائفة الدرزية صالح سعد.

ويقول تقرير "كالكاليست" إنه بعد ما جرى في الانتخابات الأميركية في خريف العام 2016، وحجم الشائعات وصفحات شبكات التواصل المزوّرة، لن يكون ما سيمنع انتشار ذات الظاهرة في الانتخابات الإسرائيلية المقبلة، خاصة في المجتمع الإسرائيلي الذي يشهد سلسلة من الصراعات والانقسامات حول قضايا عدة، وفي ذات الوقت فهو ملتصق كثيرا بشبكات التواصل.

ولذا فإن الأحزاب تعمل منذ الآن على تشكيل طواقم خاصة بشبكات "الفيسبوك"، كي تراقب وفي ذات الوقت كي تنشر رسائل الأحزاب بالشكل المباشر، بعد أن أيقنت الأحزاب الضرر المتوقع من انتشار أخبار كاذبة في شبكات التواصل، نظراً لسرعة انتشارها.

وقال الطاقم المسؤول عن شبكات التواصل في حزب الليكود إن "سيرفرات" صفحات الليكود محصنة بالكامل وفق أعلى المقاييس، بما في ذلك شبكة المراسلات الداخلية بين العاملين في الحزب. وادعى الليكود أنه لا يستخدم الأخبار الكاذبة والصفحات المزوّرة في معركته الانتخابية، رغم ما ينشر ضد الحزب وشخصياته، وفق ادعاءاته.

وقال مدير طاقم الانتخابات في تحالف "المعسكر الصهيوني"، الذي يضم حزبي العمل و"الحركة"، غيل غولدبرغ، للصحيفة، إن الطاقم لديه يعمل على شراء خدمات لحماية الخصوصية في شبكة الإنترنت، خاصة وأن طواقم "المعسكر الصهيوني" اكتشفت سلسلة محاولات لاختراق شبكة الإنترنت، وشبكة الحواسيب في المقرات المختلفة. وعلى أثر هذا جرى تعزيز الطواقم بخبراء حواسيب وشبكة إنترنت.

واقتصر رد حزب "يوجد مستقبل" المعارض على القول إن الحزب يعمل بشكل علني وواضح في شبكة الإنترنت، وإنه "لا يبذر الملايين من أموال الجمهور كي يشوه الخصوم وينشر الشائعات!".

مزاعم إسرائيلية: محاولات اختراق إيرانية

وفي تقرير آخر لصحيفة "كالكاليست" زعمت إسرائيل أن هناك احتمالاً كبيراً بأنها كانت مستهدفة من شبكة تضم مئات الأسماء المستعارة في شبكات التواصل، جرى الكشف عنها في الأيام الأخيرة، وادعت أن مصدرها إيران. فقد أعلنت شبكتا "فيسبوك" و"تويتر"، في الأسبوع الماضي، عن اغلاق ما يقارب ألف صفحة لأسماء مستعارة مصدرها كان في إيران، بإدارة جهات إيرانية لم تحددها، وأن مئات الأسماء هذه لاحقت صفحات لأكثر من مليون شخص.

وتقول "كالكاليست" إن إيران ليست وحدها في هذا المضمار، بل إن العديد من دول العالم سبقتها، ومن أبرزها روسيا، المتهمة الأساس بالتدخل في الانتخابات الأميركية، من خلال شبكات التواصل. لكن، بحسب ما تؤكد الصحيفة، فإن اهتمام روسيا بإسرائيل ثانوي، بينما اهتمام إيران بإسرائيل مباشر، ولديها مصلحة واضحة جدا للتأثير على الرأي العام الإسرائيلي، مثل في مسألة هجوم إسرائيلي مفترض على إيران، أو بخصوص السياسة الإسرائيلية تجاه سورية، أو على مستوى الرسائل التي تنقلها إسرائيل إلى الولايات المتحدة الأميركية بخصوص إيران.

وتضيف الصحيفة أنه على الرغم من عدم وجود معلومات واضحة بشأن ارتباط قسم من هذه الصفحات بالشأن الإسرائيلي، لكن توجد مؤشرات لهذا الأمر، وعلى الأرجح أن ثمة رسائل بثتها جهات إيرانية وصلت إلى اشخاص في إسرائيل.

وبموجب ما نشر عالميا، فإن شبكة "فيسبوك" ألغت 652 صفحة مزوّرة في شبكتها، مصدرها إيران، وأن هذه الصفحات بدأت تتكشف في شهر تموز الماضي، وبدأت بتعقبها لمعرفة حقيقتها. لكن كما يبدو أن هذه الصفحات كان قد مرّ أكثر من عام على ظهورها، وحاول قسم من هذه الصفحات إخفاء مصدره، وبث رسائل سياسية تتركز بشؤون الشرق الأوسط، وأيضا بريطانيا والولايات المتحدة الأميركية. وفي الأشهر الأخيرة جرى تكثيف النشر عن بريطانيا والولايات المتحدة، تحت غطاء أنها صفحات إخبارية.

وأعلنت شبكة "تويتر" أنها نجحت في وضع اليد على 284 صفحة مزوّرة، مصدرها هي الأخرى في إيران، وكما في حال شبكة "فيسبوك" فإن هذه الصفحات ارتبطت بشبكة Lierty Front PRESS.

وأشارت "كالكاليست" إلى أنه من خلال ما نشر حتى الآن، فإن علاقة ما نشرته تلك الصفحات بالشأن الإسرائيلي كان بشكل غير مباشر، "لكن فيها ما يدعو للقلق من ناحية إسرائيل"، حسب تعبير الصحيفة. ومن دواعي القلق الإسرائيلي أن غالبية تلك الصفحات نشطت بشأن الشرق الأوسط، وكانت الرسائل باللغة العربية، وهذا يطال مواطنين عرب في إسرائيل "الذين صفحاتهم تتشابك أيضا مع صفحات من العالم العربي، ومن الممكن أن يكونوا معرضين للصفحات الإيرانية تلك. وهذا خوف يتعزز على ضوء مضامين تلك الصفحات. وحسب شركة السايبر Fire Eye، التي ساعدت فيسبوك على كشف مدى حقيقة تلك الصفحات، فإنه إلى جانب الرسائل السياسية المناهضة للسعودية، والمناهضة للولايات المتحدة الأميركية، والتي أجادت في الحديث عن إيران، كانت هناك مضامين مناهضة لإسرائيل ومؤيدة للفلسطينيين".

لكن لاحقا قالت أنباء إسرائيلية إن عشرات الأسماء المزيفة التي تمت إزالتها في شبكتي "فيسبوك" و"تويتر"، كانت تبث رسائل كثيرة مناهضة لإسرائيل.

ويؤكد تقرير الصحيفة أن "لإيران أسبابا كثيرة وأدوات من أجل تسخين المنطقة ورفع مستوى التوتر الأمني فيها، مثل أن تقود حملات لتأجيج الحوار الفلسطيني في شبكات التواصل، والدفع نحو إقامة مظاهرات ضد إسرائيل، وتوسيع الشرخ بين المواطنين العرب وإسرائيل، وحتى إتباع مسارات معينة، من شأنها أن تزيد الانقسام بين اليمين واليسار في إسرائيل".

وتحذر الصحيفة من أن إغلاق مئات الصفحات في شبكتي "فيسبوك" و"تويتر" لا يعني انتهاء الحكاية، ففتح صفحات مزوّرة هو أمر سهل، ومن الأكيد أن إيران لن تتوقف بعد هذا الكشف.

 

الخميس, سبتمبر 20, 2018

مركز مدار

المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية "مدار"، هو مركز بحثي مستقل متخصص بالشأن الإسرائيلي، مقره في مدينة رام الله. تأسس في  العام 2000، بمبادرة مجموعة من المثقفين والأكاديميين الفلسطينيين، من بينهم: الشاعر الكبير الراحل محمود درويش، د. ليلى فيضي، د. علي الجرباوي، د. أحمد حرب، وليد الأحمد، وأكرم هنية. تم تسجيل المركز كجمعية أهلية غير ربحية.

القائمة البريدية