شهدت مدينة تل أبيب، مساء السبت الأخير (4/8/2018)، واحدة من أضخم المظاهرات، إذ شارك أكثر من 90 ألف شخص، وفق تقديرات الشرطة الإسرائيلية، أو 250 ألفا، بحسب المنظمين، في المظاهرة التي بادر إليها ضباط احتياط في الجيش الإسرائيلي، ضد "قانون القومية" الإسرائيلي، بالإضافة إلى مشاركة واسعة من قوى إسرائيلية معارضة لهذا القانون.

 

في المقابل ما يزال رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو يرفض أي تعديل في القانون، واكتفى بوعد قيادات درزية بسن قانون بشأن مكانة الدروز في البلاد، وأطلق تعهدات بتحسين أوضاعهم الاقتصادية- الاجتماعية.

وفي هذا الشأن تحديداً لا بد من الإشارة إلى أنه بعد 62 عاما على فرض قانون التجنيد الإلزامي على الدروز، فإن أوضاعهم المعيشية، وأوضاع بلداتهم ومدنهم، لا تختلف كثيراً عما هو قائم لدى باقي فلسطينيي الداخل.

وسيركز هذا التقرير على تلك الأوضاع بالتزامن مع انطلاق الاحتجاجات على "قانون القومية" على خلفية انعدام مبدأ المساواة منه فقط.

وكانت الرئاسة الروحية للطائفة العربية الدرزية قد أعلنت قبل نحو عام رفضها لقانون القومية، بعد أن أقر الكنيست مشروع القانون هذا بالقراءة التمهيدية، في منتصف شهر أيار 2017، نظرا لكون القانون يغيب عنه مبدأ المساواة. ومن ناحية الرئاسة ذاتها نظرا لغياب أي بند يخص الطائفة الدرزية، بالرغم من كون شبانها يخدمون في الجيش. كما اعترضت الرئاسة على المس بمكانة اللغة العربية، وإلغاء كونها لغة رسمية ثانية.

وقد انعكس هذا الاعتراض على أداء نائبين من الدروز داخل الائتلاف، ففي حين استمر الوزير أيوب قرا من حزب الليكود في دعمه للقانون، فإن النائبين حمد عمار من حزب "يسرائيل بيتينو"، وأكرم حسون من حزب "كولانو"، أعربا عن اعتراضهما على القانون لدى التصويت عليه بالقراءة الأولى في نهاية نيسان الماضي، وبالقراءة النهائية في 18 تموز الماضي. لكن بعد الفحص تبين أن عمار كان من بين المبادرين إلى ثلاثة مشاريع لقانون القومية، وكان أكرم حسون من المبادرين لمشروع قانون رابع كهذا، وكل المشاريع الأربعة هي بأشد الصياغات اليمينية الاستيطانية.

وبينما تصاعدت حدة الاعتراضات لدى الرئاسة الروحية الدرزية، ومعها ضباط احتياط كبار في جيش الاحتلال، بعد أن أقر القانون نهائيا، أعرب نتنياهو عن رفضه إجراء أي تعديل على القانون، وفي المقابل عرض على الدروز منحهم امتيازات، وحتى سن قانون خاص بهم.

الدروز في إسرائيل

يتراوح عدد أبناء الطائفة الدرزية في إسرائيل في حدود 122 ألف نسمة، من أصل 1.58 مليون من فلسطينيي الداخل، حتى نهاية العام 2017. إلا أن الاحصائيات الرسمية الإسرائيلية تدعي أن عددهم 142 ألفا، بإضافة 20 ألفا من أبناء الطائفة السوريين في مرتفعات الجدولان السوري المحتل. ونسبة التكاثر بينهم هبطت منذ مطلع سنوات التسعين، من أكثر من 4.2% إلى حوالي 2.2% في السنوات الأخيرة. وهم ينتشرون في 15 بلدة ومدينة، من بينها 7 بلدات يسكنها الدروز بالكامل، و8 بلدات مختلطة مع أبناء سائر الطوائف من فلسطينيي 48.

وفي العام 1956 فرضت السلطات الإسرائيلية، بالاتفاق مع القيادة الروحية في حينه، الخدمة العسكرية الإلزامية على الشبان الذكور منهم، باستثناء الشبان المتدينين. وقد واجه هذا القانون منذ بداياته معارضة في داخل الطائفة. وعلى مر السنين تم الزج بأعداد كبيرة في السجون العسكرية لرفضهم الخدمة، بينما وجد كثيرون مسارات أخرى للتهرب من الخدمة العسكرية.

وتنشط في صفوف الطائفة عدة حركات مناهضة للخدمة العسكرية، أقدمها "لجنة المبادرة العربية الدرزية" التي تأسست في العام 1970.

وحسب تقارير سابقة، منها ما عرض في أحد المؤتمرات السنوية لمؤتمر هرتسليا، فإن نسبة الشبان الدروز الذين يخدمون في الجيش، لا تتعدى 48% من إجمالي الشبان الدروز في الشريحة العمرية من كل عام، وهي نسبة تشكل تراجعا حادا عما كان قائماً في سنوات مضت.

والخطاب السائد في المؤسسة الحاكمة يدعي أن المساواة في الحقوق يجب أن تكون مشروطة بما أسمته الواجبات، والقصد الخدمة العسكرية أو ما يعادلها، لكن الأوضاع الاقتصادية الاجتماعية لدى أبناء الطائفة الدرزية لا تختلف عن باقي أبناء شعبهم الفلسطيني في الداخل. فقد سُلبت الغالبية الساحقة من أراضي مناطق نفوذ البلدات الدرزية، وعدد من هذه البلدات تشهد حالات انفجار سكاني، وبيوت كثيرة مهددة بالهدم، بسبب ما يسمى "عدم الترخيص"، وتبرز الظاهرة بشكل خاص في قريتي دالية الكرمل وعسفيا، على قمة جبل الكرمل، وقرية بيت جن في الجليل الأعلى. وهذه القرى محاصرة بمحميات طبيعية، قررتها السلطات في السنوات الماضية، ما يمنع توسعها في اتجاه الأراضي التي صودرت منها.

وفي فحص أجري لغرض هذا التقرير حول الأوضاع الاقتصادية الاجتماعية في القرى الدرزية، بموجب التدريج الاقتصادي الاجتماعي الرسمي، الذي يتشكل من 10 درجات، تبيّن أن كل هذه القرى إما في الدرجة الثالثة، وهي آخر درجة من درجات الفقر الثلاث (الأولى الأشد فقرا)، وبين الدرجة الرابعة، وهي أدنى درجة للشريحة الوسطى، بمعنى على حافة الفقر. وكان الفحص أساسا للقرى التي كلها من أبناء الطائفة الدرزية، مثل قرية يركا، وهي ثاني أكبر قرية من بين القرى الدرزية، وفيها أقل من 17 ألف نسمة، وتقع في التدريج الثالث الفقير، ومثلها قرية بيت جن، 12 ألف نسمة، في التدريج الثالث، ودالية الكرمل أكبر القرى، التي يسكن فيها أكثر من 17 ألف نسمة، في التدريج الرابع.

وليست هناك معطيات رسمية حول نسبة البطالة بين الدروز، إلا أن الواقع الميداني يؤكد عدم وجود مناطق صناعية وأماكن عمل في هذه القرى، باستثناء التجارة وورشات صغيرة، وتشكل الخدمة العسكرية، ما بعد فترة الخدمة الإلزامية من ثلاث سنوات، قطاع عمل يساهم في تقليص نسبة البطالة، مقارنة مع باقي فلسطينيي الداخل. وتبرز الخدمة بشكل خاص في سلطة السجون، وفي "حرس الحدود" والشرطة، وأعداد لا يمكن حصرها في الجيش النظامي. وهذا قطاع عمل يساهم في رفع المستوى الاقتصادي الاجتماعي، الذي بالرغم من ذلك بقي في أدنى المستويات. كذلك فإن نسبة انخراط النساء الدرزيات في سوق العمل لا تختلف عن نسبة انخراط باقي النساء العربيات في عمل منظم، وهي في حدود 35%.

وهذا أيضا يسري على أوضاع التعليم العالي، فوفق تقارير مكتب الإحصاء المركزي، فإن نسبة انخراط الدروز في سلك التعليم العالي من جامعات وكليات، هي في حدود 28%، وهي نسبة قريبة من نسبة إجمالي فلسطينيي 48، بعد دمج من يدرسون في الخارج.

نتنياهو يسعى لسحب فتيل الأزمة

سعى نتنياهو إلى سحب فتيل الاعتراض وتهدئة القيادات الدينية والضباط، من خلال وعود، بينها سن قانون خاص. وعقد في غضون أقل من أسبوع أربعة لقاءات؛ بداية مع ضباط وشخصيات سياسية من أحزاب صهيونية، ثم مع الرئيس الروحي الشيخ موفق طريف، ومع رؤساء مجالس قروية درزية. واللقاء الرابع دمج قيادات دينية وضباطا وتم تفجيره.

وبعد اللقاءين الأولين أوضح نتنياهو رفضه لتعديل القانون، وقال في واحدة من الجلسات، كما ظهر في بيان صادر عن مكتبه: "هناك محاولات غير متوقفة لإلغاء تعريف دولة إسرائيل بأنها الدولة القومية الخاصة بالشعب اليهودي. قمنا بسن قانون القومية من أجل ضمان بقاء إسرائيل كدولة قومية خاصة بشعبنا، فهذه هي الغاية من وجود الدولة. هذا القانون لا ينقص ولو بقليل من الحريات التي يتمتع بها كل مواطن، فالهدف منه هو تحقيق التوازن القانوني المطلوب الذي حان الوقت لتحقيقه بهدف ضمان طابع دولة إسرائيل".

ويوم الأربعاء، الأول من آب الجاري، بعث نتنياهو بورقة تعهدات للشيخ طريف، وقيادات عسكرية وسياسية، تضمنت تعهدا بسن قانون خاص بالدروز، وهي كالتالي، حسب نص البيان الصادر عن مكتب نتنياهو حرفيا:

1- "إرساء مكانة الطائفتين الدرزية والشركسية قانونيا. سيثمن القانون مساهمة الطائفة الدرزية في بناء دولة إسرائيل وفي تعزيز أمنها وفي تكوين المجتمع الإسرائيلي كمجتمع متساو ومتنوع. سيحتوي القانون على دعم لمؤسسات الطائفة الدرزية ومنها المؤسسات الدينية والتعليمية والثقافية وتعزيز البلدات الدرزية بما في ذلك توفير حلول إسكانية وإقامة بلدات جديدة وفق الحاجة وصون التراث الدرزي وتعليمه.

2- إرساء أحقية أبناء الأقليات من جميع الأديان والطوائف الذين يخدمون في صفوف قوات الأمن في تلقي الميزات الاقتصادية بغية حصولهم على مساواة اجتماعية.

3- سن قانون بشأن اعتراف الدولة بمساهمة أولئك الذين يشاركون في الدفاع عن الدولة من جميع الأديان والطوائف بمن فيهم أبناء الطائفة الدرزية.

وأعلن القائم بأعمال مدير عام رئاسة الوزراء عن تشكيل لجنة وزارية برئاسة رئيس الوزراء ستعمل، بين أشياء أخرى، على المضي قدما في هذا المخطط وعلى الإشراف عن تنفيذه.

ستتم بلورة تفاصيل هذا المخطط وصياغته بشكل دقيق في غضون 45 يوما في إطار طاقم مشترك للحكومة ولممثلي الطائفة الدرزية. وسيتم ذلك بموجب القانون حيث سيخضع هذا المخطط للمصادقة من قبل المستشار القانوني للحكومة. سيبدأ العمل على سن هذا القانون فور انعقاد الدورة الشتائية للكنيست حيث سينتهي هذا العمل بعد 45 يوما من يوم بدء تلك الدورة."

وكان رد الفعل الأولي من الرئاسة الدينية والسياسيين، ومن غالبية العسكر، هو قبول مبادرة نتنياهو، إلا أنه ظهرت خلافات حادة حول هذا الموقف، في اجتماع موسع عقد في قرية يركا مساء الأربعاء الأخير. وعقد نتنياهو اجتماعا مع القيادة الروحية وضباط احتياط في مكتبه مساء الخميس، وخلال الجلسة بلغ إلى مسمعه أن العميد احتياط أمل أسعد، الحاضر في ذات الاجتماع، كتب في صفحته في شبكة الفيسبوك، أن "بنيامين نتنياهو رئيس حكومة أبارتهايد"، فطلب نتنياهو من أسعد مغادرة الجلسة، فوقف كل الحاضرين معه وغادروا الجلسة، وسط توتر شديد.

وحسب تقرير لصحيفة "هآرتس" حول ما جرى في الجلسة التي تم تفجيرها، فإن العميد احتياط أمل أسعد قال لنتنياهو في الجلسة، كما ورد في التقرير، "إن الدروز لن يقبلوا رزمة المنافع التي يقترحها نتنياهو، والتي تضمنت تضمين الطائفة الدرزية والشركسية فقط في قانون يبين أن أحقية أبناء الأقليات للحصول على المنافع مرهونة بخدمتهم في قوات الأمن. وعاد وكرر مطالبته بتضمين مكانة كل الأقليات في قانون أساس أو الغاء قانون القومية. وحسب أقوال مستشاري رئيس الحكومة فإن أسعد انفجر وتحدث إليه وكذلك للشيخ طريف بصورة غير محترمة. لكن أسعد وآخرين نفوا وقالوا إن ما قيل تم بهدوء. أيضا طريف نفى أن أسعد مس باحترامه، كما قيل. مهما يكن الأمر فإن نتنياهو رد على ذلك: "أنا لا أتحدث مع من يسميني رئيس حكومة أبارتهايد". عندها بدا واضحا للجميع أنه لن تكون هناك محاولة جادة للتوصل إلى تفاهمات".

ليذهبوا إلى "دولة درزية"!

لا بدّ من أن نشير إلى أن مظاهرة عشرات الآلاف، التي جرت في ميدان رابين في تل أبيب، سادتها أجواء إسرائيلية وحتى صهيونية، من نشيد "هتكفا"، الذي مضمونه أصلا يشير إلى "التفوق اليهودي" على الآخرين، إلى كمّ هائل من الأعلام الإسرائيلية، فيما شدد خطباء من الطائفة على رفضهم زج مسألة الخدمة العسكرية في هذا الجدل، بموجب قرار الرئاسة الروحية قبل أيام.

وقبل هذا، لم تنفع كل محاولات نتنياهو لإلغاء المظاهرة، وحسب تقارير فإن نتنياهو كان غاضبا، وحرّض على المظاهرة، بزعم أن قوى يسارية صهيونية تقف من ورائها.

لكن التعقيب الرسميّ الأبرز أورده الصحافي أمنون أبراموفيتش في القناة الثانية للتلفزيون الإسرائيلي، إذ اقتبس ممن وصفه بأنه "مقرب من نتنياهو" قوله: "بعد أن انطلقنا إلى الطريق، ممنوع تغيير أي كلمة في قانون القومية".

وأضاف هذا المقرب ذاته: "نقول لمن يعتقد أنه ليس مناسبا له هنا، توجد جالية درزية كبيرة في سورية، وهو مدعو لإقامة دولة درزية هناك!".

وردّ مكتب نتنياهو على ما نشرته القناة الثانية بالقول "إن تصريحات كهذه تتعارض مع وجهة نظر رئيس الحكومة، ومع ما يفعله من أجل الطائفة الدرزية!".

 

الأربعاء, نوفمبر 14, 2018

مركز مدار

المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية "مدار"، هو مركز بحثي مستقل متخصص بالشأن الإسرائيلي، مقره في مدينة رام الله. تأسس في  العام 2000، بمبادرة مجموعة من المثقفين والأكاديميين الفلسطينيين، من بينهم: الشاعر الكبير الراحل محمود درويش، د. ليلى فيضي، د. علي الجرباوي، د. أحمد حرب، وليد الأحمد، وأكرم هنية. تم تسجيل المركز كجمعية أهلية غير ربحية.

القائمة البريدية