خلال أسبوع واحد ظهر في الساحة الإسرائيلية تقريران يتعلقان بالعامل الديمغرافي، وكان كل تقرير منهما كفيلا بإحداث ضجة كبيرة.

وقال التقرير الأول إن عدد الفلسطينيين واليهود في فلسطين التاريخية بات متساوياً، في حين أن التقرير الثاني الصادر عن لجنة رسمية أوصى عمليا بزيادة أعداد اليهود في العالم بشكل مصطنع، بهدف استقدامهم إلى إسرائيل شيئاً فشيئاً.

 وكانت الضجة حول التقرير الأول أشد صخبا، لكونه يمسّ رهانات تاريخية للحركة الصهيونية، ويبدد أوهام اليمين الاستيطاني، بحسب ما أكد مختصون وسياسيون.

ومعروف أن العامل الديمغرافي شكّل قلقا مركزيا في الحركة الصهيونية، منذ تأسيسها في نهايات القرن الـ 19، وعلى هذا الأساس اختلقت "الشعب اليهودي"، ووضعت كل مخططات اقتلاع وتهجير الشعب الفلسطيني من وطنه.

وفي السنوات الأخيرة يتركز القلق الصهيوني بهذا الشأن في ثلاث نقاط مركزية:

أولاً، عدد اليهود في فلسطين التاريخية، بعد أن تم حسم الأغلبية المطلقة لليهود في إسرائيل في حدود 1948. وازداد الانشغال بالتعداد في كامل فلسطين التاريخية، بعد أن عاد اليمين الاستيطاني ليطرح بقوة وبشكل أشد مشروع بسط سيادة إسرائيل عليها، وهو الأمر الذي ترفضه أوساط إسرائيلية وصهيونية، كونه سيهدد مشروع "الدولة اليهودية".

ثانيا، أعداد اليهود في العالم، فهم اليوم حوالي 14 مليون نسمة بمن فيهم الإسرائيليون، بعد أن كانوا في العام 1970 حوالي 12,5 مليون نسمة، بمعنى زيادة بنسبة 12% خلال 48 عاما. وهذا ناجم عن انخفاض نسب التكاثر، وزواج أبناء الديانة اليهودية مع أبناء ديانات أخرى، وما يتبع هذا من شكل تعريف اليهودي. وترى الصهيونية أن 90% من أصل 7,5 مليون يهودي خارج إسرائيل يعيشون في دول مستوى المعيشة فيها أعلى، كما أن أكثر من نصفهم خارج المؤسسات الدينية والصهيونية، وبالتالي فعلاقتهم بإسرائيل ضعيفة، وكل هذه العوامل تقف وراء تراجع الهجرة إلى إسرائيل.

ثالثا، الارتفاع الحاد في نسبة المتدينين على تنوعاتهم في المجتمع اليهودي الإسرائيلي، ما يهدد بشكل ملموس المجتمع العلماني، ويجعله أقلية بين اليهود في غضون عقدين، ولاحقا يتحول المتدينون اليهود إلى أغلبية بين السكان ككل. وتصل نسبة تكاثر المتدينين المتزمتين الحريديم إلى 3,8%. والنسبة لدى التيار الديني الصهيوني الذي يزداد تشددا دينيا هي 2,8%، بينما النسبة لدى الجمهور العلماني اليهودي تتراوح ما بين 1,2% إلى 1,4%. ويشار إلى أن نسبة تكاثر اليهود ككل هي 1,7%، بينما نسبة تكاثر العرب في إسرائيل 2,5%. لكن الفجوة تتقلص باستمرار، بفعل تراجع ولادات العرب أمام ارتفاع ولادات المتدينين اليهود.

الفلسطينيون واليهود

كما ذكر تفجرت الضجة الأولى بعد أن عرض مندوب عن الحكم العسكري في الضفة، أو ما يسمى "الإدارة المدنية"، تقريرا أمام لجنة الخارجية والأمن البرلمانية يقول إن عدد الفلسطينيين في الضفة وقطاع غزة بلغ 5 ملايين نسمة، يضاف إليهم 300 ألف فلسطيني في القدس المحتلة، و1,53 مليون فلسطيني في إسرائيل، ما يعني أن الحديث يدور حول 6,8 مليون فلسطيني في فلسطين التاريخية، بينما عدد اليهود المعترف بيهوديتهم هو 6,5 مليون نسمة، يضاف إليهم قرابة 300 ألف شخص لا تعترف المؤسسة الدينية بيهوديتهم.

وبحسب ما ورد، استند الضابط العسكري في تقريره إلى مكتب الاحصاء الفلسطيني. وكانت هذه المعطيات كفيلة بتفجر نقاش صاخب بين نواب اليمين الاستيطاني الذين ادعوا أن التقرير مبالغ به، وأن السلطة الفلسطينية تبالغ بنحو نصف مليون فلسطيني. في المقابل تبنى نواب اليمين ويمين الوسط، مثل حزب العمل وحزب "يوجد مستقبل"، التقرير واعتبروه إثباتا على فشل مشروع اليمين الاستيطاني وسياسته التي تقود إلى "الدولة الواحدة"، وهي الكفيلة بتصفية يهودية الدولة، حسبما قالوا.

وحظي هذا التقرير بدعم الخبير الديمغرافي الإسرائيلي سرجيو دي فيرغولا، الذي يعد من أكبر خبراء الديمغرافيا الإسرائيليين، إذ قال في مقال نشره في صحيفة "معاريف" إن المعطيات التي وردت في اجتماع الكنيست قريبة جدا من الواقع، لكن "يجب أن نحسم من هذا الرقم نحو 300 ألف فلسطيني، الذين وإن كانوا مسجلين كسكان المناطق (المحتلة) فهم يسكنون عمليا في دول أخرى في الشرق الأوسط وفي الغرب". وأضاف أنه "بعد هذا التعديل المتواضع، فإن عدد السكان اليهود والسكان العرب يتساويان فعلا إلى هذا الحد أو ذاك". وتابع أن "أغلبية يهودية طفيفة لا تزال موجودة هنا، ولا سيما حسب تعريف اليهود وفقا لقانون العودة، وليس وفقا للفقه اليهودي (ويقصد 300 ألف غير معترف بيهوديتهم). هذه الأغلبية الطفيفة ستتقلص أكثر بل وستختفي في السنوات القادمة، بسبب معدل الزيادة الطبيعية الأعلى للفلسطينيين".

في المقابل رأى خبراء ديمغرافيا من اليمين المتطرف أن هذه إحصائيات فلسطينية مبالغ فيها، وانتقدوا بشدة استناد ضباط الحكم العسكري إلى مكتب الاحصاء الفلسطيني. ورد عليهم دي فيرغولا قائلا إنه لا يوجد أساس للادعاء بأن التوقعات الديمغرافية تخطئ دوما. وقدم أمثلة لتوقعات سابقة له تحققت لاحقا، وأكد أن الميزان الديمغرافي يلعب وسيلعب دورا حرجا في تعريف الهوية القومية لدولة إسرائيل. وبرأيه يكمن الجواب في تعريف المنطقة التي ستكون في نهاية المطاف تحت سيادة إسرائيل، "فمزيد من الأراضي معناه هوية يهودية أقل، ومزيد من الهوية اليهودية معناه أراض أقل".

اختلاق يهود جدد

التقرير الآخر صدر عن لجنة رسمية كان عينها وزير التربية والتعليم الإسرائيلي نفتالي بينيت، رئيس حزب "البيت اليهودي"، بصفته وزيرا ليهود الشتات، قبل عامين، لغرض البحث عن مجموعات سكانية في العالم تشكل قاعدة للتهويد، أو لتقريبها من المشروع الصهيوني وإسرائيل.

وبحسب ما نشر هذا الأسبوع، أوصت اللجنة حكومتها بالاهتمام بما لا يقل عن 60 مليون شخص في العالم، من ذوي العلاقة بهذا المستوى أو ذاك باليهودية وإسرائيل، وحتى التفكير بهجرة قسم منهم إلى إسرائيل وتهويدهم.

وبحسب ما نشر في صحيفة "هآرتس" (28/3/2018)، فقد رسمت اللجنة خمس "دوائر انتماء" للشعب اليهودي (المزعوم)، هي: القاعدة الأساس التي تشمل أكثر من 14 مليون يهودي معترف بهم كيهود، و9 ملايين شخص ينطبق عليهم تعريف "يستحقون العودة هم وعائلاتهم"، و5 ملايين شخص "على الأقل" يمكن اعتبارهم "أقارب بعيدين، أحفاد يهود من الجيل الرابع فما فوق، ويهودا قاموا بتغيير دينهم"، و35 مليون شخص يعلنون عن صلة بالشعب اليهودي مثل أحفاد مضطهدين، و60 مليون شخص يمكن اعتبارهم "إمكانية كامنة مستقبلية"، أي: "جمهور من أحفاد اليهود، أحفاد مضطهدين، مجموعات أخرى من ذوي العلاقة بالشعب اليهودي لكنهم لا يعلنون عن ذلك أو أنهم حتى الآن لا يعرفون ذلك".

ووضعت اللجنة توصيات من المفترض أن تبحثها الحكومة الإسرائيلية لاحقا، وبضمنها وضع برنامج متعدد السنوات يشمل التقرب من هذه المجموعات، وبث الدعاية الصهيونية بينها، والسعي إلى تقريبها للمشروع الصهيوني. ثم وبشكل تدريجي يتم البحث في تهجير بعضهم إلى إسرائيل، لغرض تهويدهم، أما الباقون فيكونون قواعد شعبية مؤيدة لإسرائيل في أوطانهم.

وهذا التقرير يضرب عصباً آخر في الجدل الساخن القائم بين التيارات الدينية خاصة المتشددة والمتزمتة من جهة، وبين الحركة الصهيونية من جهة أخرى. فالمتدينون متمسكون بما جاء في التوراة من تعريف لليهودي، وهو من أمه يهودية وليس والده. في حين أن عملية تهويد الشخص تتم وفق شروط مشددة جدا، وتكون طويلة. لذا من الصعب أن يتم التعامل مع هذا التقرير بجدية لغرض التطبيق، لأن الجهات الدينية سترفضه بشدة.

وكان بين المتدينين من لم ينتظر رد فعل الحكومة وسارع لإصدار رد فعل، مثل الحاخام دوف ليئور، الذي هاجم التقرير وقال لصحيفة "هآرتس" إنه "بحسب الشريعة اليهودية ليست لليهودية مصلحة في التأثير على أي شخص من أجل التهود. ليس هناك شيء مثل هذا. من يأتي للتهود أهلا وسهلا، وهناك أمر بتقريبه، لكن أن تذهب وتكون مبعوثا من أجل التأثير على شخص ما، هذا ليس نهج اليهودية".

وإذا كان موقف ليئور، وهو من التيار الديني الصهيوني كهذا، يمكن توقع كيف سيكون رد فعل التيار الديني المتزمت الحريدي، الذي يعتبر أفراده أكثر تشددا في مسألة من هو يهودي. ففي مسألة التهويد مثلا ترفض المؤسسة الدينية الإسرائيلية الاعتراف بعمليات التهويد التي تجري في التيار الديني الإصلاحي والليبرالي في الولايات المتحدة الأميركية، والمؤسسة لن تقبل بعمليات تهويد ملايين لغرض اختلاق زيادة في أعداد يهود العالم.

لكن هذا التقرير يكشف القلق الصهيوني من جمود عدد يهود العالم، كمرحلة تسبق البدء بتراجع أعدادهم ككل، إذ إن التكاثر في إسرائيل لم يعد يكفي لتغطية التراجع في جميع أوطان أبناء الديانة اليهودية في العالم.

وينجم تراجع أعداد اليهود في العالم عن عاملين مركزيين: الأول، أن نسب التكاثر عندهم تلائم مجتمعات الدول المتطورة التي يعيشون فيها، ولا تتعدى 1,4%. لكن الثاني يعد العامل الأكثر فاعلية وهو الزواج المختلط مع أبناء الديانات الأخرى، وبنسب متزايدة طيلة الوقت. وتبدأ نسبة الزواج المختلط في محيط 35% في دول أوروبية، وحتى 58% في الولايات المتحدة، وتصل إلى 80% في دول الاتحاد السوفييتي السابق.

وكما هو معروف فإن اليهودي المعترف بيهوديته هو من أمه يهودية، بغض النظر عن ديانة والده. وفي هذه الحالة فإن الأبناء عادة يتبعون آبائهم، وفي حالة أن الأب يهودي والأم من ديانة أخرى، فإن المؤسسة لا تعترف بيهوديتهم. وهذه تعتبر نقطة خلاف كبرى بين الليبراليين والمؤسسة الدينية اليهودية.

ويمكن القول إن افتتاحية "هآرتس" يوم 28/3/2018 توضح جانبا قويا من المشهد الإسرائيلي في هذا الصدد. فقد قالت الصحيفة إن "الفزع الديمغرافي، الذي يعود في أصله إلى الخوف من ضياع الأغلبية اليهودية في إسرائيل، تلقى هذا الأسبوع جرعة دعم أخرى في ضوء معطيات عرضتها الإدارة المدنية عن المساواة الديمغرافية بين اليهود والعرب بين النهر والبحر، وهو وحده يشرح حملة وزارة الشتات للعثور على يهود في كل زاوية في العالم وبأي ثمن".

وختمت الافتتاحية "إن المعطيات الديمغرافية الأخيرة ليست مفاجئة. فمؤيدو حل الدولتين يحذرون منذ زمن بعيد بأن الطريق الأخلاقي والناجع الوحيد للحفاظ على إسرائيل كدولة ذات أغلبية يهودية هو تقسيم البلد. ولما كانت الحكومة الحالية تعمل على ضم المناطق المحتلة في الطريق إلى واقع الأبارتهايد، فإنها تضطر إلى تطوير مخططات مهووسة لجلب سكان يهود زائفين. لكن من الأفضل أن تستوعب أن حل الدولتين فقط يمكنه أن يضمن النجاح المستقبلي للمشروع الصهيوني".

 

 

 

الإثنين, أكتوير 22, 2018

مركز مدار

المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية "مدار"، هو مركز بحثي مستقل متخصص بالشأن الإسرائيلي، مقره في مدينة رام الله. تأسس في  العام 2000، بمبادرة مجموعة من المثقفين والأكاديميين الفلسطينيين، من بينهم: الشاعر الكبير الراحل محمود درويش، د. ليلى فيضي، د. علي الجرباوي، د. أحمد حرب، وليد الأحمد، وأكرم هنية. تم تسجيل المركز كجمعية أهلية غير ربحية.

القائمة البريدية